
خطا الضابط خطوتين باتجاه كريم، وبصوت حاسم ومقيد لكل حركة قال: ـ اتفضل بهدوء يا فندم، من غير ما تعطل الشغل ولا تضطرنا نستخدم القوة القانونية أكتر من كده. كريم حس إن الأرض بتلف بيه، وبص حواليه لقى عيون الناس كلها متسمرة عليه، نظرات كلها احتقار واشمئزاز. حاول يجمع آخر ذرة من غروره، وشد دراعه من إيد أمين الشرطة وقال بصوت مهزوز وعالٍ عبثاً:
ـ سيبوني! أنتوا مش عارفين أنا تبِع مين؟! أنا بكره الصبح هقلبها فوق دماغكم! هتعرفوا أنا مين كويس!
قربت منه خطوتين، ووقفت قصاده مباشرة. بصيت في عيونه اللي كانت بتترعش خوف، وقلت بصوت هادئ ومنخفض، بس كان أثقل من ألف صفعة:
ـ طول عمري في قاعة المحكمة، بشوف أشكال زيك كتير… بيبدأوا صوتهم عالي، وينتهوا بندم مش هيخلص. وعشان أنا ست عارفة القانون كويس، أعرف أوي إن التهديد ده هيزود عقوبتك تهمة جديدة اسمها “ترهيب ومقاومة”. انزل مع الضابط بهدوء… يمكن تحافظ على ما تبقى من كرامتك اللي ضيعتها بإيدك.
أم كريم قامت من كرسيها وجات جارية نحيتي وهي بتعيط وتصرخ بصوت هستيري:
ـ إنتِ دمرتي ابني! عيلتنا هتخرب! عشان حتة بت متعقدة! سامحيه والنبي يا حاجة، أبوس إيدك، ابني ملوش ذنب، دي الستات هما اللي بيجروا ورا الرجالة يوقعوهم!
بصيت لها بنظرة باردة تخلو من أي شفقة، وقولت لها:
ـ ابعثي محاميكي لقسم الشرطة يا أم كريم… وهناك هيشرح لكِ الفرق بين إن الراجل يكون سيد بيته، وبين إنه يكون شخص غير مسطول على حقوق غيره. والعزومة اللي كنتِ حجزتيها عشان تتباهي قدام الناس… افتكري إن الحساب اتقفل، وبصفتي صاحبة الحساب، أنا طلبت من مدير المطعم إنه يبعت فاتورة التلفيات النفسية والمادية على عنوانك.
الضابط أشار بإيده، فكتفوا كريم وخدوه وهو ماشي باصص للأرض، كتافه نازلة، وغروره انتهى. أم كريم وقعت على الكرسي تاني وهي بتلطم على وشها وتعيط بانهيار، والناس في المطعم رجعت تتكلم بصوت واطي، بس المرة دي.. الكلام كله كان علينا احنا، نظرات احترام وتقدير ليا، ونظرات تعاطف وحب لندى.
مدير المطعم جه عندنا بانحناءة احترام وقال بصوت خفيض:
ـ ألف سلامة على المديرة ندى.. القاعة تحت أمركم، والشرطة أخذت نسخة من كاميرات المراقبة كاملة، ومحامي المطعم هيكون جاهز بأي شهادة تحتاجوها.
هزيت راسى بإيجاب وابتسمت له بهدوء:
ـ متشكرة جداً لحسن تعاونك يا فندم.
التفت لندى، لقيتها واقفة مكانها، عيونها مبللة بالدموع بس هذه المرة دموع راحة وفك قيود. مسكت إيدها الباردة ودفيتها بين إيديا، وبصيت في عيونها الحزينة اللي بدأت تلمع من جديد، وقولت لها بحنان:
ـ يلا بينا يا بنتي.. العزومة الحقيقية لسه هتبدأ في بيتنا، بيت أبوكي الله يرحمه، اللي مستحيل يدخل راجل يمد إيده عليكِ، ولا يجرؤ يذلك.
رفعت ندى راسها لفوق، وظهرت على شفايفها ابتسامة صغيرة صافية لأول مرة من سنين، وقالت بصوت دافئ وخارج من قلبها:
ـ يلا يا ماما.. رجعتيني بنتك اللي كنتِ تخافي عليها من الهوا الطاير.
مشينا وسط صفير خفيف من الإعجاب ونظرات الامتنان من بعض الحاضرين، وخرجنا من باب المطعم على الهوا النقي.. هواء الحرية.
ركبنا العربية أنا وندى، وسكتت الهواتف حوالينا تماماً. أول ما دار موتور العربية، حست ندى كأنها كانت مكتومة تحت المية وطلعت تاخد نفسها أخيراً. فضلت باصة من شباك العربية على أنوار النيل اللي كانت منعكسة على المية، والدموع بتنزل بهدوء من غير عياض ولا شهقات، دموع راحة وتطهير من سنين القهر والوجع.
مديت إيدي من غير ما أتكلم، وشديت حزام الصدر بتاعها، وطبطبت على كف إيدها اللي كان لسه بيترعش خفيف. بصتلي وابتسمت ابتسامة باهتة بس صادقة، وقالت بصوت مكسور لكنه ثابت:
ـ أنا مش مصدقة يا ماما… أنا حاسة إن كابوس طويل قوي انزاح من على صدري. كنت فاكرة إني هموت وأنا بالمنظر ده، وكنت خائفة أقولك عشان متزعليش.




