
بصيت قدامي على الطريق بهدوء، ورجعت بذكراياتي لأول يوم دخلت فيه كلية الحقوق، ولأول مرة وقفت فيها على منصة القضاء، وقولت لها بنبرة دافية وقوية:
ـ تخافي تقولي لأمك؟! هو أنا ربيتك عشان تضعفي قدام واحد زيه يا ندى؟! كريم ده مكنش قوي، ده كان بيستقوى عشان لقى قدامه بنت طيبة وكسيرة، وكان فاكر إن سكوتي وضعفي في الأول ضعف منه. بس غباوته خلته ينسى حاجة واحدة مهمة.. إن الحق اللي وراه صاحبه، مفيش قوة على الأرض تقدر تضيعه.
قبل ما نلف وناخد طريق بيتنا القديم، تليفوني رن بصوت عالي. بصيت على الشاشة.. كان رقم غريب، بس معتاد. فتحت الخط، فطلع صوت محامي كريم، كان صوته مهزوز ومليان توتر وهو بيقول:
ـ يا فندم… يا معالي المستشارة.. إحنا بنتكلم ودي، وبلاش نصعد الأمور في القسم، كريم مستعد يعتذر، وأم كريم هتيجي بنفسها…
قاطعته بمنتهى الحسم والبرود، وكنت سايقة بكل ثقة:
ـ الاعتذار ده يخصكم. وبدل ما تتكلم معايا في تليفون، اتكلم مع وكيل النيابة ومع المحاضر اللي اتفتحت، وكل مليم بنتي دفعته، وكل إهانة اتسجلت بالصوت والصورة، هندفع تمنها بالقانون وسنين السجن. مع السلامة يا أستاذ، وشوف لك قضية تانية تدافع فيها عن الحق.
قفلت السكة في وشه، وبصيت لندى لقيتها بتضحك لأول مرة بصوت عالي وجميل، ضحكة مليانة حياة. قالت لي بإعجاب:
ـ والله يا ماما إنتِ ملكيش حِل.. أنا كنت فاكراكي هتعيطي عشاني في المطعم، طلعتِ معدية الحكومة كلها!
ضحكت معاها بحب، ودخلنا شارع بيتنا القديم، البيت اللي جدرانه لسه شايلة ريحة أبوها الله يرحمه. أول ما فتحت الباب، حسيت إن الهموم اللي كانت ساكنة في روح بنتي اتطردت للأبد، وإن بنتي الحقيقية، الدكتورة الشاطرة والأحن قلب، رجعت لي سالمة.
بعد مرور شهرين بالضبط على الليلة دي، كانت صالة محكمة الأسرة هادية، بس الهواء فيها كان محمل بريحة العدل اللي بينصف المظلومين.
وقفت أنا وندى قدام القاضي، وندى لابسة بلوزة بيضاء أنيقة ورافعة راسها لفوق، مفيش أي أثر للخوف ولا للكسرة اللي كانت في عيونها يوم المطعم. أما كريم، فكان واقف في قفص الاتهام، لابس لبس الحبس الاحتياطي، باصص للأرض ووشه مكسور، بعد ما تهم النصب واستغلال أموال الغير، والاعتداء اتثبتت عليه بالدليل القاطع، والمحامي بتاعه ما لقيش ثغرة واحدة يدافع بيه عنه.
أم كريم حضرت الجلسة من ورا، بس مكنش معاها أي مظاهر تتباهى بيها، ولا صوت عالي تفرضه على الناس؛ كانت قاعدة لوحدها، بتفرك في إيديها بندم متأخر بعد ما ابنها خسر شغله، ومحاكم الشركات كشفت كل بلاوي التلاعب المالي اللي كان عاملها.
قاضي الجلسة بص في الأوراق نظرة أخيرة، ورفع مطرقته، وطلع الحكم:
ـ حكمت المحكمة بقبول الطلاق للضرر، وإلزام المدعى عليه برد كافة المبالغ المستولى عليها لصالح المدعية، مع التعويض المادي والنفسي، وتأييد حبسه في قضايا الجنح.
ضربة المطرقة نزلت على الترابيزة، بس بالنسبة لندى كانت صوت تطهير لكل جرح قديم. خرجنا من القاعة، ولقينا الهوا النقي بيضرب في وشنا برة المحكمة. ندى التفتت لي، وعيونها مدمعة بس المرة دي بدموع الفرح والحرية، وحضنتني بقوة شديدة وقالت:
ـ شكراً يا ماما… لولاكي، كنت زماني ضعت.
مسحت على شعرها بحنان، وبصيت قدامي للسما الصافية وقلت لها:
ـ إنتِ اللي قوية يا بنتي، أنا بس كنت النور اللي فكرك بمكان الباب.
رجعنا بيتنا القديم، وفتحنا البيبان والشبابيك عشان الشمس تدخل لكل ركن فيه. وفي تلك اللحظة، عرفت إن الست اللي بتعرف تزرع الكرامة في قلب بنتها، مستحيل الزمن يقدر ينكسر لها راس أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


