
الجرس بتاع الباب رن في اللحظة دي.. صوت الجرس جه زي إنقاذ للموقف اللي كان اتشحن وكهرب الأجواء.
شيماء قامت بسرعة وقالت بلهفة عشان تهرب من الحرج: “أكيد دي ماما.. تلاقوها جابت طنط صفا وجايه.”
فتحت الباب، وفعلاً كانت حماتي (عواطف) داخلة ومعاها خالتها وجارتهم، وشايلين أكياس وحاجات. دخلت حماتي وهي بتزغرد بهزار وتقول: “يا مسهل.. ازيك يا ولاد، عاملين إيه؟ معلش اتأخرت عليكم السوق كان زحمة.”
الكل قام رحب بيهم، وجوزي قام باس إيد أمه وقال: “منورة يا أمي، البيت منور بيكي.”
أنا وقفت مكاني في الصالون، ملامحي زي ما هي، لا ابتسمت ولا جريت أخد منها الشنط زي كل مرة كنت بعملها في ثانية وأنا بجري كالمجنونة.
حماتي بصتلي باستغراب وهي شايلة كيسين كبار وقالت بوجوب: “إيه يا إيمان يا بنتي؟ واقفة متنحة كده ليه؟ تعالي خدي الشنط دي حطيها في المطبخ، واجري هاتي شربات ومية للحاجات اللي جيبناها دي، واعملي قهوة مظبوطة لخالتي.”
الكل سكت.. الكل بقى يبصلي ويبص لحماتي، وبعضهم ابتسم بمكر كأنهم مستنيين المسرحية الجديدة اللي هتتعمل فيا عشان يشوفوا ردي قدام حماتي.
قعدت على كرسي قريب مني بهدوء تام، وحطيت رجل على رجل، وبصيت لحماتي وبكل برود الدنيا قلت: “معلش يا ماما عواطف.. تعبك على راسي من فوق، بس أنا تعبانة وضهري اتقطم من شغل اليوم كله، وبصراحة كده.. أنا مش شغالة هنا عند حد، واللي عايز يشرب قهوة يقوم يعملها لنفسه، المطبخ مفتوح للكل، والبوتاجاز مش مكسور.”
الصمت طبق على المكان كله.. الصمت اللي بيبقى قبل العاصفة مباشرة!
حماتي وسعت عينيها من الصدمة، والشنط وقعت من إيدها على الأرض، وقالت بصوت عالي وهي مش تصدقة ودانها: “إيه؟! إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟! جنان؟ ولا اتجننتي في عقلك؟ شغالة إيه وقلة أدب إيه اللي بتكلميني بيها دي؟ من إمتى ومراتي ابني بترد عليا كده؟!”
جوزي قام نط من مكانه بغضب وعيونه شرارة وقال بصوت عالي بيزعق: “إيمان! إنتِ اتجننتي رسمي ولا خسيتى وعايزة تتربي من جديد؟ إيه قلة الأدب دي مع أمي؟! تعتذريلها حالاً وتبوسي راسها وإلا هيكون ليا تصرف تاني معاكي!”
بصيت لجوزي نظرة مليانة احتقار وخيبة أمل، وقمت وقفت طولي، وقولت بصوت قوي ملاش أي خوف ولا تردد: “تتصرف إيه؟ هطلقني؟ هتمشيني؟ هتعلم عليا؟ ما هو للأسف يا جوزي، إنت أول واحد بعت كرامتي قدام إخواتك ومراته، وقعدت تضحك وتتفرج وأنا بتهان وبتوصف بالشغالة في بيتي! كرامتي مش رخيصة عشان تتهان وتسكت، ومن اللحظة دي، لا أنا شغالة عند حد، ولا بخدم حد أصلًا.. اللي عايز حاجة يقوم يعمل لنفسه، واللي مش عاجبه طريقتي.. الباب يفوت جمل!”
سيلفتي الصغيرة (سارة) قالت بصوت فيه سم وخبيث: “شايفة يا طنط؟ مراته عيني عينك بتعلي صوتها عليكِ وعلى جوزها.. دي قليلة أصل ومابتكبرش الكبير!”
حماتي كانت بتترعش من الغضب وقالت بصوت مأساوي: “يا مصيبتي السودا.. البت دي اتجننت وعايزة تطردنا من بيتنا! طلقها يا أحمد.. طلق قليلة الأصل دي حالاً.. مراتي ابني اللي تعبنا فيها تطلع بالطريقة دي!”
أحمد جوزي اتقدم مني ورفع إيدو وعينه مجهزة عشان يضربني بالقلم قدام الكل، وقال بصوت مرعب: “أنا هربيكِ من أول وجديد يا بت…”
بس إيدي سبقت إيده..
رفعت إيدي الاتنين بسرعة ووقفته مكانه بنظرة نارية خلت الكل يتسمر في مكانه، وصرخت في وش الكل بصوت هجّ عالي: “إياك! إياك تمد إيدك عليا، لو رفعت إيدك دي، والله لهقلها عليك وعليها وعلى الكل، وهفضحكم كلكم على أصولكم في العيلة!”
الكل جمد.. أحمد نزل إيده ببطء وهو مش مصدق الجرأة اللي ظهرت مني فجأة، وحماتي قعدت على الكنبة وهي بتلطم على وشها وتصوت: “الحقوني.. البت بتتحول قدامي! ولدي هيتخرب بيته على إيدها!”
دخلت جوه الأوضة بتاعتي، وقفلت الباب بالمفتاح ورايا بكل قوة، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفسي بصعوبة.. قلبي كان بيدق بجنون، بس لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني كسبت نفسي، وكسبت احترامي قصاد ناس مكنوش يعرفوا معني الرحمة ولا الكرامة.
قعدت على السرير، وسمعت صوت خبطات أحمد على الباب بره وصراخه: “افتحي يا إيمان.. افتحي بقولك الباب اتقفل ده.. والله ما هسكوتلك ع اللي عملتيه!”
طنشت كل صوته، وطلعت شنطة هدومي من الدولاب، وبدأت أرمي فيها هدومي بهدوء ونشاط، وأنا بقول لنفسي بصوت عالي: “خلاص.. الشغالة استقالت.. واللي عايز يشيل، يشيل بنفسه بقا!”




