
“أهلاً بيكم كلكم.. نورتوني وشرفتوني.. وزي ما أنتم شايفين كده، العزومة دي تكلفتها كانت كبيرة أوي، وأحمد حبيبي، عشان هو كريم وزي ما أنتم عارفين بيحب المنظرة، كان ناسي يدفع ثمنها.. وأنا للأسف دراعي مكسور ومش قادرة أشتغل بإيدي، فاضطريت أتصرف بطريقتي عشان أحافظ على شكله قدامكم ومكسفوش.. بس طبعاً، الشغل مش ببلاش، والشركات والمطاعم مش بتشتغل بالحب، فاضطرنا نأمن الفلوس بالطريقة القانونية اللي تضمن حق الناس، خصوصاً إن دي مش أول مرة.”
حماتي جابت آخِرتها وجريت مسكتني من دراعي السليم وبقوة عصبتها قالت: “انتي اتجننتي؟! فضحتي ابني وعملتي فيه كدة قدام أهله وصحابه؟! انتي طالق.. طالق بالتلاتة يا قلة الأصل!”
ضحكت بهدوء وبعين باردة بصيت لها وقليلة الأدب اللي جواها ظهرت على حقيقتها، وقلت لها: “يا طنط، الطلاق ده قرار أحمد مش قرارك.. ولو على الفضيحة، أحمد هو اللي اختارها لنفسه لما استخسر فيا الدكتور وقت ما دراعي اتكسر، واستخسر ينظف المدخل اللي كان سبب الأذية بتاعتي، ولما اعتبرني شغالة عنده بتنفذ الأوامر وبس.”
أحمد هنا استجمع شجاعته وابتدي صوته يعلى بهستيريا وعينيه مراوغة وعصبية: “انتي.. انتي دمرتيني! عملتي كده ليه؟! انتي متعرفيش الراجل ده مين ولا إيه عواقب اللي عملتيه ده عليا في الشغل وعلى مركزي؟!”
بصيت له ووطيت صوتي وبكل برود العالم قلت له: “اللي دمرك هو غرورك يا أحمد، وظنك إنك تقدر تدوس عليا وأنا في أسوأ حالاتي وتطلع سالك.. الفلوس اللي ادفعت دي من تحويشتي، والمأذون اللي بره ده.. اختياري أنا كمان.”
المعازيم كلهم بدأوا ينسحبوا بهدوء وخجل، ومفيش دقايق والشقة فضيت تماماً إلا من حماتي اللي كانت بتلطم على وشها وأحمد اللي كان قاعد على الأرض قدام الباب ماسك دماغه بصدمة، والراجل بتاع الإيصالات واقف مستني قراري الأخير.
الصمت كان مليان رعب في الشقة.. أحمد قاعد على البلاط قدام الباب ماسك دماغه ومنهار، وحماتي واقفة في نص الصالة بتلطم وتدعي عليا بصوت عالي كأنها في مأتم، والراجل بتاع الإيصالات والمأذون واقفين بره مستنيين الكلمة الأخيرة.
خطوت خطوتين وبصيت للراجل اللي ماسك الملف وقريت في عينيه الاستغراب من جفاف أعصابي. رفعت صباعي الإتنين وقولت بهدوء:
“شكراً ليك يا أستاذ.. اتفضل استناني بره على السلم دقايق، وراجعين لك.”
المأذون بص لأحمد بشفقة وقفل شنطته وخرجوا هما الاتنين.
حماتي اتحولت فجأة لناسية الصدمة ومسكتني من هدومي بصريخ:
“انتي بتلعبسي بإيه يا فالحة؟! إيه قلة الأدب والجنون ده؟! إنتي طردتي المعازيم وفضحتيه في يوم ميلاده وعايزة تحبسيه؟ دانا هخلي ابني يرميكي بره الما وراكي قدام الكل ومش هتطلعي بجنيه واحد!”
بصيت لها وابتسمت ببرود، وسحبت هدومي من إيدها ببطء شديد، وقعدت على كرسي السفرة وبصيت لأحمد اللي لسه قاعد على الأرض ومنكمش على نفسه، وقلت بصوت عالي وثابت:
“بصي يا طنط.. ولمي ابنك معايا، عشان الكلمتين اللي هقولهم دول مش هكررهم تاني. أنا استحملت سنين قلة ذوق، وطريقة زفت، وتهميش، وكنت بقول بكرة يعقل وبكرة يقدر. لكن لما أوصل لمرحلة إني أبقى بموت من الوجع ودراعي مكسور، وهو ولا كأنه شايف بني آدم قدامه، وبيزعق عشان منظر “العزومة” مش عشان وجعي.. هنا الأمان خلص، والعشرة انتهت.”
حماتي صرخت: “عشرة إيه يا قليلة الأصل! الست تقف مع جوزها في الشدة!”
قاطعتها بنبرة حادة خلتها تسكت وتكش: “في الشدة؟! هو أحمد وقف معايا في الشدة يا طنط؟! لما اتزحلقت على السلم المدخل اللي كان مزحلق وزفت، وكان ممكن أموت فيه، وقلت له مية مرة نضفه، قال لي ‘مش وقته’! ولما رجعت من المستشفى ودراعي متجبس، قالي ‘توقيت زفت، ده وقته يحصلك كده؟ عشان كرامته ومنظر قدام صحابه! دي مش شدة دي اسمها قسوة واستعباد، وأنا خلصت عبودية.”
أحمد رفع راسه، عينيه حمرا جداً ووشه كله عرق، وابتدي يتكلم بصوت مهزوز ومبحوح من الكسرة:
“انتي.. انتي ناوية على إيه بجد؟ هتحبسيني؟ هتدخليني السجن عشان فلوس العزومة دي؟ دي شركتنا يا سارة.. دي شركتنا اللي تعبنا فيها! لو اتقبض عليّا في قضية إيصالات أمانة بالشكل ده، الشغل كله هيضيع واسمي في السوق هينتهي!”
بصيت له نظرة طويلة ملوهاش أي ملامح.. لا شفقة ولا شماتة، مجرد برود تام.
“ولما كنت بتموتني بالبطيء، واسمك وكرامتك وعزومتك كانوا أهم عندي من روحي.. كنت بتفكر فيا؟ لما استخسرت فيا كلمة حلوة أو حتى إنسانية وأنا قاعدة بعيط لوحدي ووجعي واكلني، مكنتش بتفكر إنك بتدمرني؟”
وقفت وسندت دراعي المتجبس على صدري، ومشيت لحد عنده، ووطيت شوية وبصيت في عينيه مباشرة:
“الشرطة والبوليس والحبس.. لسه مش دلوقتي يا أحمد. أنا مش ظالمة زيك. بس الدرس ده كان لازم تاخده عشان تعرف إن الست اللي قاعدة في البيت دي مش شغالة ببلاش، ولا هي ديكور تتباهى بيه قدام صحابك. الإيصالات دي والفلوس اللي دفعتها.. هتمضي دلوقتي على تنازلات تضمن كل حقوقي، وعلى شروط جديدة تماماً لو حابب نكمل.. ولو مش حابب؟ المأذون مستني بره، والشرطة ممكن تدخل في أي ثانية.”
حماتي فتحت بقها بصدمة وقالت وهي بتبص لأحمد بخوف: “اكتب.. اكتب يا أحمد.. البنت دي اتجننت وممكن تضيعك بجد!”
أحمد بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبصلي بنظرة مكسورة، وقال بصوت ضغيف: “حاضر.. هعمل اللي تحبيه.. بس ابعدي عني الشرطة والفضايح دي.”




