
وفي نفس الوقت، في مكان بعيد تماماً عن أضواء النجاح والمجد، كان دانيال يعيش في واقع مرير ومظلم. بعد أن خسر وظيفته، ورفضت الشركات كلها توظيفه بسبب ظروفه المهنية، اختفت صوفي تماماً من حياته، بينما تركته أمه في دار رعاية المسنين بعد أن ساءت حالتها الصحية ولم يعد قادراً على تلبية متطلبات علاجها.
كان جالسًا بمفرده على مقعد خشبي قديم في حديقة عامة، يقلب في هاتفه القديم. أدرك حينها كم أضاع بيده فرصاً حقيقية كانت تضيء له حياته، ليخسر كل شيء.
حاول الاتصال برقمي القديم، فلم يجد سوى رسالة آلية تخبره بأن الرقم غير مسجل. رمى الهاتف على العشب بغضب، وغطى وجهه بيديه وهو يبكي بحرقة على ما آلت إليه حياته، بينما كان الندم يحرق قلبه بلا هوادة.
أما أنا، فكنت في تلك اللحظة أحتفل مع زياد وأسرتي تحت أضواء المدينة الساطعة، وأنا أنظر إلى المستقبل بعيون لامعة وروح حرة لا تقهر. انتهت قصة الماضي والضعف، وبدأت أسطورة المرأة التي صنعت مملكتها بنفسها، ولا شيء يمكنه أن يوقفها بعد الآن.
السابع والأخير
بعد مرور عشر سنوات كاملة على تلك الليلة الفاصلة التي غيرت مجرى حياتي تماماً، كنت أقف في القاعة الكبرى للمؤتمرات العلمية في أبوظبي، أتوسط منصة التكريم لأتسلم جائزة “أبرز شخصية نسائية مؤثرة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لعام 2036”.
التصفيق الحاد والهتافات ملأت القاعة بأكملها. نظرت إلى الحاضرين، ورأيت زوجي الحبيب زياد يصفق بحرارة ودموع الفخر تلمع في عينيه، وإلى جانبه ابني آدم البالغ من العمر تسع سنوات وابنتي الصغيرة ليلى ذات الست سنوات، وهما يلوحان لي بيديهما الصغيرتين بحماس شديد. خلفهم مباشرة، كان والداي الحبيبان يبتسمان بامتنان، بعد أن شهدا كيف تحولت ابنتهم من امرأة محطمة إلى قائدة تصنع مستقبلها بيديها.
أخذت المايكروفون، ونظرت بعيون ثابتة وواثقة إلى الكاميرات التي تنقل الحدث لملايين المشاهدين حول العالم، وبدأت كلمتي بهدوء:
— «منذ سنوات طويلة، تعرضت لما اعتقدتُه في البداية أصعب تحدٍ في حياتي: تغيرات غير متوقعة وصدمات كادت أن توقف مسيرتي. في تلك الليلة، كان بإمكاني أن أنهار، أن أبكي، أو أعيش دور الضحية المكسورة… لكني اخترت شيئاً آخر تماماً. اخترت أن أنهض، وأن أبني نفسي من جديد من تحت رماد الألم.
أقول لكل امرأة تستمع إليّ الآن: لا ترضي أبداً بأن تكوني في مكانة لا تليق بقيمتك، ولا تقبلي أن يتلاعب أحد بطموحك. العواصف ليست سوى اختبار لمدى قوتنا، والصعوبات قد تكون أحياناً نقطة التحول الحقيقية لتكتشفي القوة الجبارة الكامنة بداخلك. أنا لست هنا اليوم رغم ما حدث، بل بسبب إصراري على تخطيه!»
عادت موجة التصفيق لتزلزل القاعة، ونزلت من على المنصة وسط احتفاء الجميع.
وفي نفس اللحظة، وفي مكان بعيد وشديد البرودة، في إحدى ضواحي المدينة القديمة والمهملة، كان هناك رجل عجوز قبل أوانه، بشعر أشيب ووجه تغطيه التجاعيد العميقة، يجلس متربعاً على الرصيف أمام محطة قطار قديمة، يحاول بيع علب من المناديل الورقية للمارين ليحصل على ثمن وجبة تسد جوعه.
دانيال — الذي كان يوماً مديراً لامعاً شاباً يملك كل شيء — أصبح غارقاً في واقعه الصعب. بعد أن فقد عمله، ورفضته كل الشركات، وتخلت عنه صوفي، وماتت أمه وهي غاضبة عليه، وجد نفسه طريد الشوارع بلا مأوى ولا سند.
مرّ أمامه شخص كان يحمل جهازاً لوحياً حديثاً، وظهرت على شاشته فجأة لقطات حية من حفل التكريم الكبير الذي أُقيم في أبوظبي. لمع وجه امرأة ناجحة ومشرقة ومبهرة تتوسط منصة المجد، وارتفع صوت المذيع وهو يعلن اسمها بكل فخر: «المهندسة العالمية إيميلي باركر…».
حدق دانيال في الشاشة بعينين ذاهلتين وذابلتين، وشهق بغصة مريرة ومحترقة جرحت حلقه. حاول أن ينادي أو يقول شيئاً، لكن صوته خانه، وسقطت دمعة حارة وندم أخير على خديه المتعبين، وهو يدرك بوضوح تام، وقبل فوات الأوان، أنه بغبائه وغروره أضاع مستقبله، ليعيش بقية حياته وحيداً في ظلام الندم الأبدي.
أما أنا، فلم أعد ألتفت للوراء أبداً. ركبت السيارة الفارهة إلى جوار زوجي وأولادي، وفتحت نافذة المستقبل على مصراعيها، مستقبلاً أشرقت شمسه إلى الأبد، ولن تغيب أبداً.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



