
ليه أنا اللي أصريت نحجز القاعة دي بالذات؟
وليه الترابيزة متحجزلنا تحت كاميرات المراقبة مباشرة؟
وليه وصلت قبل الميعاد بحوالي تلات تربع ساعة واتكلمت مع مدير المطعم لوحدنا؟
ولا كان يعرف…
إني قبل ما أطلع معاش…
قضيت سبعة وعشرين سنة قاضية في محكمة الأسرة.
بصيت لمدير المطعم اللي كان واقف بعيد…
وهزيتله راسي هزة بسيطة.
في أقل من ثانية…
أبواب القاعة اتقفلت.
وإيد كريم نزلت من على كتف بنتي.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لأنه أخيرًا…
بدأ يفهم إن اللي جاي… هيقلب حياته كلها.
سكتت صالة المطعم تماماً، وكأن الأنفاس توقفت في صدور الحاضرين. صوت الكراسي وهي بتتزحزح على البلاط الناعم اختفى، ومحدش جرؤ حتى إنه يبص في تليفونه.
كريم وقف طوله وعرضه، بس الابتسامة المغرورة على وشه اتحولت لشرود مفاجئ، وهو باصص لمدير المطعم اللي جه بخطوات واسعة، ومعاه شخصين تانيين من الإدارة، ووراهم اتنين من أفراد الأمن لابسين بدلات رسمية مش حراس مطعم عاديين.
أم كريم وقفت فجأة، وانكسرت البروازة المزيفة اللي كانت عملاها حوالين نفسها، وقالت بصوت مهزوز وهي بتحاول تجمع هيبتها:
ـ إيه قلة الأدب دي يا مدير المطعم؟ إنتوا هتقفلوا الباب في وشنا ولا إيه؟ إحنا ناس محترمة، والعزومة دي تكلفتها…
قاطعتها وأنا بضم شال العباية على كتفي بهدوء تام، وبصوت حاد وواضح مكنش فيه أي نبرة خوف:
ـ اقعدي يا أم كريم… العرض لسه مخلصش، وكل مليم اتدفع في القاعة دي، أنا اللي دافعاه من حسابي، مش من فيزا بنتي.
اتجهت عيون كريم ليا بصدمة، ووشه احمر من الغضب وهو بيصرخ:
ـ إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟! إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تعملي المسرحية دي؟ تعالي يا ندى خدي أمك وامشي من هنا قبل ما أفضحهما وألم عليكم الناس دي كلها!
بصيت لندى اللي كانت لسه مكسورة بس دموعها وقفت، مسكت إيدها بحنان ورفعتها عن الترابيزة، ووقفت وراها كدرع متين، وبعدين بصيت لكريم وقلت:
ـ بنتي مش هتمشي من هنا غير وهي مرفوعة الراس، واللي هيتحرك خطوة واحدة من مكانه، هيعرف متأخر قوي إن القانون ميحترموش الأشكال اللي زيك.
في اللحظة دي، وصل مدير المطعم لحد الترابيزة، ومعاه تابلت إلكتروني مفتوح، ووقفه قدام كريم وقال بصوت مهني وخالي من أي مجاملة:
ـ يا فندم، إحنا تلقينا تعليمات واضحة من المستشارة، وتم توثيق كل اللي حصل من أول دقيقة دخلتوا فيها القاعة بالصوت والصورة، والكاميرات هنا مش بتصور المطعم بس، دي متوصلة دايركت بالنظام الأمني وقسم الشرطة القريب.
كريم بلع ريقه بصعوبة، وحاول يضحك بس ضحكته كانت مكسورة:
ـ ككاميرات إيه؟! دي مشاكل عائلية! هو القانون بيتدخل بين الراجل ومراته؟ أنا كنت بربي مراتي!
ضحكت بصوت خفيف وصل لكل اللي على الترابيزتين القريبين، وقربت خطوة وقدامي هيبة سنين من القضاء، وقلت له:
ـ تربي مين يا ابني؟ المدام مراتها مش جارية عندك، ومد إيدك عليها وتعديك باللفظ والضرب قدام العلن دي جريمة إهانة، وجريمة اعتداء جسدي، وجريمة سرقة وتعدي على أموال الغير لما تجبر مراتي.. قصدي بنتي، إنها تمول طقم الدهب اللي هانم والدتك فخورة بيه!
أم كريم جاحظت عينيها وقالت بصراخ هستيري:
ـ كدابة! دي بنتها الساذجة هي اللي هدت عليه بكل ده! إحنا عيلة مرموقة ومحدش يقدر يعمل معانا كده!
بصيت لها بنظرة واحدة قطعت نفسها، وكملت كلامي لمدير المطعم وأنا بشاور على رجال الأمن:
ـ بلغوا النقيب اللي بره يدخل، البلاغ رسمي، والاتهامات ثابتة: اعتداء جسدي ونفسي، وإكراه على توقيع معاملات مالية وسرقة بطاقة ائتمان، بالإضافة لترويع مستهلكين في مكان عام.
باب القاعة اتفتح على مصراعيه، ودخل ضابط شرطة في رتبة نقيب، ومعاه أمين شرطة وبطايق إثبات، وبص لكريم اللي كان لونه جاب ألوان من الخوف والمرارة. كريم حاول يتجه للضابط بصوت كله توسل زائف:
ـ يا باشا دي خطتي.. قصدي مراتي وأمها ست كبيرة خرفت، إحنا ناس…
قاطعه الضابط بصرامة وهو بيطلع ورقة من جيبه:
ـ الأستاذ كريم محمود؟ تم بلاغ رسمي ضدك من المستشارة بصفتها ولية أمر المجني عليها، وبموجب المقاطع المصورة المسجلة من إدارة المطعم وشهادة الشهود، تفضل معانا بهدوء من غير ما تفضل تكبر الموضوع على نفسك أكتر من كده.
المطعم كله بقى عتمة من كتر السكوت، والناس كانت بتبص لكريم وهو مكتوف الأيدي، وأم كريم وهي قاعدة بتلطم على وشها وبتصرخ وتقول إنها هتدمرنا. ندى سندت راسها على كتفي، وسمعتها بتقول بصوت خافت ودفيء غرقان في الراحة:
ـ كفاية يا ماما… حقدي رجع لي.
مسحت على شعرها بحنان، وبصيت لكريم وهو خارج مكتئب وذليل بين أفراد الأمن، وقلت بصوت هادئ خلى الكل يسمع:
ـ الحق مش بيضيع يا بنتي، واللي يفتكر إن سكوت الست ضعف، يبقى ما عرفش أصله ولا تربيته صح.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



