
قلبي دق نبضة سريعة، مش من الحب ولا الشوق، لكن من صدمة الصوت اللي كان باين عليه التعب والإنكسار الحقيقي. سكت ثواني وكنت على وشك أقفل في وشه، بس رجعت هديت وقلت بصوت حاسم وجاف:
— «أحمد! جايلك عين تتصل بيا بعد كل اللي عملته؟ وعايز إيه تاني، ما خلاص، عشت اللي أهلك رسموهولك واتجوزت زي ما خططوا، إيه اللي جابك تاني؟»
سمعت صوت تنهيدة طويلة وموجوعة من الناحية التانية، وكأن الحيطة اللي كان ساند عليها اتهدت، وقال بصوت بيترعش:
— «عندك حق في كل كلمة تقوليها.. عندي حق تشتميني وتكرهيني، أنا أستاهل أكتر من كده بكتير. أنا اتصلت مش عشان أرجعك لحياتي المدمرة دي، ولا عشان أطلب منك تسامحيني.. أنا اتصلت عشان حاسس بغصة في قلبي ومش هقدر أموت من غير ما أعتذر لك قدام نفسي وعليكِ.»
سألته باستنكار وقسوة مش متعودة عليها:
— «تدمرت؟! مش ده اللي كنت بتدافع عنه؟ ومش دي العيلة اللي اخترتها على حسابي؟ جاي تعيط دلوقتي وتقولي دمرت؟!»
رد بدموع واضحة في صوته:
— «عشان أنا كنت غبي وأعمى! مفكرتُش غير بمنطق العيلة والواجب وضغط أمي اللي ما خلصش. أول ما الجوازة تمت، حسيت إني دخلت سجن ما لوش باب. البيت بقى عبارة عن نكبة وصراخ، أمي بتحاسبني على كل نفس أتنفسه، ومراتي.. مرات أخويا اللي بقيت مراتي.. مكسورة ومش طيقاني وحاسة إنها مفروضة عليا وعليها، والعيال مش فاهمة حاجة والدنيا بقتسود في وشي كل يوم أكتر من اللي قبله. بقيت قاعد في بيت مليان ذنب ووجع، وكل ما أبص في المراية بلاقي إني ضيعت إنسانة نضيفة حبتني بجد ووقفت جنبي، عشان أراضي ناس مبيشبعوش إرضاء!»
سمعت كلامه ومحستش بأي فرحة لشاماته، بالعكس، حسيت بمدى قسوة الدنيا لما الإنسان بيسلم دماغه لضعفه وخوفه من كلام الناس. قلت له بصوت هادي وخالي من أي مشاعر:
— «اللي زرعته يا أحمد باسك، واللي يرضى يبيع اللي حبته عشان يخاف من كلام أمه وأهله، يستاهل يعيش في الحفرة اللي حفرها لنفسه بإيده. أنا زعلت عليك في الأول، ودعيت ربنا ينسيني وجعي، ودلوقتي وأنا سمعاك.. حسيت بقد إيه ربنا كان رحيم بيا لما نجاني منك ومن بيتكم.»
سكت شوية، كأنه بيلقط نفسه من الصدمة، وبعدين قال بصوت مكسور تمامًا:
— «عندك حق.. أنا خسرتك، وخسرت نفسي معاكي. أنا مش جاي أطلب منك فرصة، لأني عارف إنك أصلاً أكبر بكتير من إني أستاهلك.. أنا بس كنت محتاج أقولك إني أسف، وإني عرفت متأخر أوي إني ضيعت الجوهرة الوحيدة اللي كانت منورة حياتي. سلام يا مريم، وادعيلي ربنا يرحمني من اللي أنا فيه.»
وقبل ما أرد، قفل الخط.
نزلت التليفون من على أذني وأنا باصة قدامي في الفراغ. لا دموع نزلت من عيني، ولا حسيت بوجع. حسيت بس بالسلام.. سلام عميق وراحة إن ربنا عوض صبري خير، وإني لما اخترت كرامتي، اخترت طريقي الصح.
قمت من مكانی ودخلت لأمي في الصالة، لقيتها بتبصلي بقلق وقالت: «مين يا بنتي اللي كان بيطرد النوم من عينك؟»
قعدت جنبها وحطيت راسي على كتفها، وابتسمت بقلب صافي ومرتاح، وقلت لها بصوت مليان يقين:
— «ده أحمد يا ماما.. بيتصل يعتذر بعد ما شاف عاقبة قراره.. بس الحمد لله، صفحة واتقلبت للأبد، وأنا دلوقتي مستعدة أبدأ حكايتي أنا.. مش حكاية حد تاني!»
ابتسمت أمي بحب وطبطبت على ظهري وقالت: «طول ما إنتي مع ربنا ومعززة كرامتك، الجاي كله خير يا قلب أمك.»
ومن يومها، عرفت إن الوجع مهما طال نهايته زوال، وإن الإنسان لو حافظ على نفسه وعزة نفسه، ربنا دايماً بيكتبله بداية جديدة تستاهله.


