
أبعد يدي بهدوء شديد، وتنفس الصعداء بعمق، ثم نظر أمامه مباشرة وقال بصوت مرتعش يكسره الألم:
* “افتكرت إني الوحيد اللي خايف على بيتك.. بس العكس هو الصحيح. اسمعني للاخر يا عمر، واعرف الحكاية من أولها، لأن اللي هحكيهولك هيهد حيلك زي ما ههد حيلي.”
تراجع في مقعده قليلاً وتابع بصوت خجول ومتهدج:
* “الموضوع مابداش من يوم ما جيت شقتكم.. الموضوع بدا من سنين، قبل ما تتجوز مريم أساساً. في الفترة اللي كنت أنا ومراتي منفصلين فيها أسرارياً، وكنت بمر بأزمة نفسية صعبة، كنت دايمًا بروح أقعد في بيت خالي.. وهناك عرفت بنت عمتها، وقعدت معاها فترة وحصلت بيننا غلطة.. غلطة عمري ما أنساها ولا هقدر أبررها.”
شعرت ببرودة تسري في أطراف وكأن طعنة خنجر أصابت صدري في العمق، وخرج صوتي مهزوزاً وغير مصدق:
* “غلطة إيه؟ وقصدك إيه بده كله؟! إيه علاقة ده بمريم؟!”
نظر إليّ خالد وعيناه تلمعان بالدموع وقال:
* “البنت دي.. تبقاش مجرد بنت عمة، دي تبقا أخت مريم من أبيها في السر! أبوهم كان متجوز اتنين ومخبي عن العيلة كلها، ومريم مكنش عندها علم أصلاً بالقصة دي غير بالصدفة المتأخرة. ولما حصلت الغلطة دي، البنت هددتني وفضلت تبتزني عشان متكشفش أمري قدام مراتي الأولى وأهلي.. بس الأسوأ من كده يا عمر، إن اليوم اللي جيت فيه شقتكم لأول مرة، ووقعت مريم مغمي عليها.. مكنش بسبب ريحة ولا تمثيل زي ما كنت فاكر!”
صعقت في مكاني ولم أستطع النطق حرفاً، وتابع خالد بصوت يملؤه الرعب:
* “مريم شافتني وأنا نازل من عند أختها في نفس العمارة اللي جنبكم بالصدفة البحتة، قبل ما أخبط على بابكم بدقائق معدودة! شافتني وأنا ماسك نفس الزجاجة بتاعت المهدئ العصبي اللي بتستخدمه أختها عشان حالات الصرع والانهيار العصبي.. مريم عرفت السر كله في اللحظة دي، وعرفت خيانتي اللي تهد عيلتنا وتدمر سمعة الكل!”
سكت خالد وترك الكلمات تتردد في الفراغ بيننا، بينما بقيت جاحظ العينيين، ولساني عاجزاً عن الحركة، وكأن العالم من حولي توقف تماماً عن الدوران!
كلمات خالد كانت كالصاعقة التي هوت على رأسي، محطمة كل ما تبقى من يقيني وعقلي. جلست في السيارة ساكناً، عيناي زائغتان، وأنفاسي تتلاحق بصعوبة بالغة. أخت مريم السرية؟ ابتزاز؟ خيانة؟ وصدمة رؤيتها لخالد وهو خارج من هناك حاملاً تلك الزجاجة المهدئة؟
كل القطع بدأت تتجمع في صورة مرعبة وواضحة كالشمس، لكنها صورة تكفي لهدم حياتي وحياة أخي ومنزلي كله في ثوانٍ معدودات.
التفتُ إلى خالد بعد صمت طال لقرون، وكان صوتي أشبه بحفيف الورق من شدة الوهن والغضب المكبوت:
* “يعني.. يعني إنت كنت بتخون مراتك، وفي نفس الوقت متسبب في إن مراتي تعيش في رعب وتهديد عشان تداري على مصيبتك؟ وكل ده وأنا وعيلتي مغفلين عايشين في الوهم؟!”
أنزل خالد رأسه إلى الأرض وقال بأسطوانة مكسورة ونبرة يملؤها الندم:
* “والله ما كنت أتمنى ده يحصل يا عمر.. أنا كنت باجي عندك عشان أطمن على أخويا وأهرب من جحيم المشاكل اللي أنا فيه، وكل مرة مريم كانت بتشوفني، الصدمة والخوف إن السر ينكشف والعيلة تتفرق كانوا بيوقعوها من طوالها.. والمرة دي، هي طلبت مني أجيب المهدئ ده عشان تقدر تسترد وقفتها وتخفي دوخة الخوف والذعر اللي بتجيلها، مش عشان تُمثل عليك زي ما ظنيت!”
ساد صمت مطبق داخل السيارة، صمت أثقل من الجبال. شعرت برغبة عارمة في الصراخ، في تكسير كل ما يدور حولي، لكن شعوراً أعمق بالانكسار كان يربط يدي وقدمي. خمس سنوات من الحب والاستقرار انهارت في ليلة وضحاها بسبب أخطاء الآخرين التي تسببت في إلقاء ثقلها على بيتي وزوجتي البريئة.
نظرت أمامي إلى الطريق المظلم، وقلت بصوت حاسم يقطر قسوة:
* “اسمعني كويس يا خالد.. اللي عملته ده قصة تخصك وحدك، وتتحمل عواقبها بمعرفتك، ومش هسامحك أبدًا على اللي جرّرته لبيتي من خوف وتهديد.”
فتحت باب السيارة بعنف وترجلت منها دون أن أستمع لكلمة أخرى منه. انطلقت بسيارتي بسرعة مجنونة عائدًا إلى البيت، وكل ما كان يشغل بالي الآن هو رؤية مريم.. ليس لأعاتبها، بل لأعتذر لها عما اقترفته في حقها من شك وظن سيء، ولكي أقرر معك كيف سنواجه هذا الكابوس سوياً.
دخلت الشقة، وكانت الأضواء خافتة والصمت هو سيد المكان. وجدتها جالسة على الأريكة حيث تركتها، تضم knees إلى صدرها وعيناها حمراوان من كثرة البكاء. ما إن رأتني حتى انكمشت في مكانها بخوف، كأنها تتوقع الأسوأ.
اقتربت منها بخطوات بطيئة، وجلست على ركبتي أماميها على الأرض، ونظرت في عينيها الدامعتين، وقلت بصوت مشدوه ومكسور:
* “خلاص يا مريم.. اعرفي إن كل حاجة انتهت، وعارف كل السر.. سامحيني لاني ظنيت فيكي السوء.”
رفعت عينيها المندهشتين إليّ، وعلت وجهها نظرة ذهول وخوف مزيج بدموع جديدة، وقالت بصوت متهدج:
* “أنت.. أنت عرفت؟!”


