روايات وقصص

18 مربية هربوا من طفل عنده 4 سنين 1

«عمو… فريد.»
اسم نزل على ليلى زي الصاعقة. فريد مش مجرد حارس أو خادم، فريد هو إدارة أعمال حمزة الريان، وزراعه اليمين، والشخص الوحيد اللي حمزة كان بيبديه على الكل وبيأتمنه على أدق تفاصيل حياته وأسرار بيته.
قبل ما ليلى تستوعب الصدمة، سمعت صوت خطوات منتظمة وقوية طالعة على السلم في آخر الممر.
ياسين أول ما سمع الصوت، مسك في هدوم ليلى بجلع واستخبى ورا ضهرها. ظهر شخص فريد من الضلمة، بلبسه الأنيق وابتسامته الهادية اللي كانت دايماً بتخدع الكل. أول ما شافهم واقفين قدام باب الجناح الشمال، ملامح وجهه اتقلبت وتحولت لنظرة سردة والحادة.
قرب فريد ببطء، ووقف قدام ليلى وهو حاطت إيده في جيبه، وقال بصوت واطي ومحذر: «أظن كبيرة الخدم عرفتِك بالقواعد أول ما دخلتِ القصر يا ليلى… الجناح ده خط أحمر، واللي بيلعب في أوراق مش بتاعته بياكل على إيده.»
ليلى حاولت تداري رعبها، ووقفت بصلابة وهي بتداري ياسين ورا ضهرها: «الولد كان خايف وجابني هنا، أنا ماكنتش أقصد أتعدى حدودي.»
فريد ابتسم ابتسامة باهتة، وبص لياسين بنظرة مرعبة خلت الولد يدفن وجهه في ضهر ليلى ويصرخ بصوت مكتوم. قال فريد وهو بيقرب خطوة كمان: «ياسين ولد مريض ونفسيته مش مستقرة، وكل اللي ببيقوله أو بيعمله خيالات من أثر الحادثة.. أنصحك تاخديه وترجعي أوضتك، وتنسي إنك شفتي أي حاجة هنا، عشان أخوكي اللي في المستشفى يفضل يلاقي مصاريف علاجه.»
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي دم ليلى يتجمد. فريد مش بس بيهددها، ده عارف كل حاجة عنها وعن أخوها، وبيوصلها رسالة واضحة إن حياتها ومستقلال أخوها في إيده.
أخدت ليلى ياسين في حضنها ونزلت بيه بسرعة على جناحها وهي قلبها بيدق زي الطبولة. طول الليل ما جافهاش نوم، كانت قاعدة جنب ياسين وهو نايم ومشبك صوابعه الصغيرة في إيدها. الصورة وضحت قدامها دلوقتي: الجناح الشمال مش مقفول عشان ذكريات أمه المتوفية زي ما كل الخدم فاكرين، الجناح ده هو المكان اللي كان فريد بيبعد فيه ياسين عن عين الكل وبيستغل عقده وصمته عشان يعذبه ويضغط عليه، ولما ياسين يصرخ أو يضرب حد، الكل كان بيفتكر إنه مجنون أو مريض، ما حدش كان يتخيل إنه دفاع عن النفس.
في الصباح الباكر، قررت ليلى إنها مش هتسكت، لكنها كمان لازم تتصرف بذكاء، لأن أي كلمة بدون دليل قدام حمزة الريان هتخلي فريد يطردها في ثانية ويدمر حياتها.
خرجت ليلى الصالة الرئيسية وهي ماسكة إيد ياسين، وكان حمزة قاعد بيشرب قهوته ومتابعهم بنظرة فيها استغراب وأمل، شايف ابنه هادي جنبها ومستسلم ليها تماماً.
حمزة شاولها بتقرب، وقال بنبرة هادية لأول مرة: «ليلى… اللي عملتيه مع ياسين من يومين محدش قدر يعمله في سنتين. طلباتك أيه؟ فلوس، زيادة مراتب؟ قول اللي إنتِ عايزاه.»
ليلى بصت لفريد اللي كان واقف ورا حمزة بثقة وابتسامة خبيثة، وبعدين بصت لحمزة وقالت بشجاعة: «أنا مش عايزة فلوس يا حمزة بيه… أنا عايزة أطلب منك طلب واحد بس، ولو نفذته، أوعدك إن ياسين هيرجع يتكلم معاك إنت شخصياً زي الأول.»
حمزة حط فنجان القهوة على الترابيزة بلهفة وقام وقف: «طلب إيه؟ اتكلمي.»
ليلى حطت إيدها على كتف ياسين، وبصت في عين حمزة وقالت بثبات: «عايزة كارت بلانش أدخل بيه أي مكان في القصر ده… وتلغي أي أوامر بمنعي من دخول الجناح الشمال.»
في اللحظة دي، ابتسامة فريد اختفت تماماً، وعينيه أتحولت لشعلة غضب، وفي نفس الوقت ملامح حمزة اتغيرت واستغرب الطلب، وبص لباب الجناح الشمال، وبعدين بص لليلى وقال بصوت حاد: «أشمعنى الجناح ده بالذات يا ليلى؟»
سكتت ليلى لثواني، وقلبها بيدق بدقات متسارعة تهز صدرها. عيون كل اللي في الصالة كانت متعلقة بيها: حمزة الريان بنظراته الحادة المليانة استغراب وشك، وفريد بشرارات الغضب والتهديد المتدارية ورا قناع الهدوء، والخدم اللي واقفين بعيد بيتهامسوا برعب من جشاعة البنت اللي اتجرأت وتخطت كل الخطوط الحمراء في القصر.
ياسين كان ماسك في طرف فستانها بكل قوته، صوابعه الصغيرة متشنجة وجسمه كله بيترعش من مجرد ذكر اسم «الجناح الشمال».
ليلى أخدت نفس عميق، وبصت لحمزة بثبات رغم الخوف اللي بياكل فيها من الداخل، وقالت بصوت واثق ومترزن:
«لأن الجناح ده يا حمزة بيه هو المكان الوحيد اللي ياسين بيرفض يروح ناحيته، وهو المكان الوحيد اللي بيخليه يتوتر ويبدأ يصرخ ويضرب أي حد حواليه. لو إنت فعلاً عايز ابنك يخف، لازم نعرف إيه اللي جوه الجناح ده بيخليه بالمرعب ده. الخوف مش هيتعالج إلا لما نواجهه.»
حمزة بص لفريد بسرعة، وفريد اتدخل فوراً وهو بيتقدم خطوتين بكل ثقة ورزانة، وقال بنبرة مليانة تمثيل وحرص أعمى:
«يا حمزة بيه، الأنسة ليلى لسة جديدة وما تعرفش طبيعة الجناح الشمال. الجناح ده مقفول بأمر منك من يوم وفاة الهانم الله يرحمها، كل حاجة فيه على وضعها من يوم الحادثة. دخول الولد هناك هينكأ جراحه وهيذكره باليوم الشؤوم ده، وده رأي الدكاترة والمتخصصين قبل كده. البنت دي مش متخصصة وبترمي بالولد في النار بدون دراية لمجرد إثبات ذاتها!»
حمزة سكت، وملامح وجهه اتقسمت بين عاطفة الأب اللي متعلق بأي أمل، وبين كلام فريد اللي بقاله سنتين بيسمعه وبيثق فيه ثقة مطلق.
ليلى لمحت التردد في عين حمزة، فقررت تلعب أخير كارت عندها. نزلت على ركبتها قدام ياسين، وبصت في عينيه وقالت بصوت دافي يسمعه حمزة:
«ياسين… إنت خايف من الجناح الشمال؟ ولا خايف من حاجة جوه الجناح الشمال؟»
ياسين بص لليلى، وبعدين رفع عينيه الخايفة ناحية فريد. فريد برقلة خفيفة بعينيه بعتله تحذير صامت، لكن ياسين المرة دي ما استخباش ورا ليلى… المرة دي مسك إيد ليلى وشدها خطوة ناحية السلم المؤدي للجناح الشمال، وهو بيبص لأبوه بنظرة توسل مرعبة خلت جسم حمزة يقشعر.
حمزة أخد نفس طويل، وقال بصوت صارم ومفيش فيه مجاملة:
«الجناح الشمال هينفتح يا فريد. والمفاتيح هتكون مع ليلى من النهاردة.»
فريد حاولت إيده تترعش وهو بيطلع ميدالية المفاتيح من جيبه، لكنه قدر يسيطر على نفسه بالكامل وسلمها لحمزة، وهو بيقول بابتسامة خبيثة ومكتومة: «أوامرك يا بيه… بس أنا بحذرك، النتائج مش هتكون مسؤوليتي.»
أول ما ليلى أخدت المفاتيح من إيد حمزة، حسّت إنها شالت جمرة نار. هي عارفة إنها بدأت حرب مفتوحة مع رجل معندوش رحمة ومستعد يعمل أي حاجة عشان يحمي أسراره، وخصوصاً إنه عارف نقطة ضعفها الوحيدة: أخوها الصغير اللي يرقد في المستشفى بين الحياة والموت.
في نفس اليوم بالليل، القصر كان ساكن تماماً. ليلى كانت قاعدة في أوضتها بتفكر في الخطوة الجاية. ياسين كان نايم جنبها وهادي. فجأة، تلفونها رن برقم غريب.
فتحت الخط بالهداوة، وجالها صوت فريد البارد والمسموم:
«فرحانة بالمفاتيح يا ليلى؟ فاكرة إنك كده كسبتي الجولة؟… أحب أفكّرك بس إن أخوكي اللي في غرفة العناية المركزة، محتاج جرعة الدوا الجاية كمان ساعتين. والجرعة دي بتيجي بطلب خاص مني أنا شخصياً للمستشفى. كلمة واحدة مني، والدوا مش Hيصل… وأخوكي يروح فيها قبل ما الشمس تطلع.»
ليلى أيديها اترعشت والتلفون كاد يقع منها، وقالت بصوت مكتوم من الغضب والدموع:
«إنت إنسان مريض وشرير! بتستقوى على طفل وعلى مريض؟!»
ضحك فريد ضحكة واطية وقصيرة وقال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى