أخبار

حكايات اسما

حماتي كسرت «بالغلط» طقم الشاي اللي أمي الله يرحمها كانت سايباهولي قبل وفاتها… وأنا ما قلتش ولا كلمة.

لكن في نفس الليلة، روحت بيت حماتي وأنا شايلة صندوق واحد.

وأول ما فتحته وشافت اللي جواه، رجعت خطوة لورا ووشها شحب وهمست:

— إنتِ مش ممكن تعملي كده!

بصيتلها بهدوء وقلت:

— في الحقيقة… أنا عملت خلاص.

أمي كانت آخر حد باقي ليا من عيلتي.

توفيت السنة اللي فاتت بعد مرض قصير، وقبل عيد ميلادي بأيام قليلة ادتني طقم شاي بورسلين جميل جدًا.

وقالتلي وهي بتسلمهولي:

— نفسي يفضل عندك شيء مني سنين طويلة.

ومن يومها، الطقم ده بقى من أغلى الحاجات عندي.

مش علشان تمنه…

لكن علشان كان آخر هدية من أمي.

وفي الذكرى السنوية الأولى لوفاتها، عزمت شوية من قرايبنا على العشا علشان نقعد سوا ونفتكرها وندعيلها.

وبعد الأكل، طلعت طقم الشاي بتاعها.

أول ما حماتي شافته، لفت عينيها بسخرية وقالت:

— إنتِ لسه بتعاملي الكوبايات دي كأنها معمولة من دهب؟

مدت إيدها ناحية الصينية، لكني وقفتها بسرعة وقلت:

— سيبيها، أنا هشيلها.

ضحكت وقالت:

— اهدي بس! مش هكسرلك الأطباق الغالية بتاعتك.

بعدها بدقيقة واحدة…

سمعت صوت تحطيم قوي.

لفيت بسرعة.

لقيت كل الكوبايات على الأرض، والبراد متكسر لقطع صغيرة.

وحماتي واقفة فوقهم، عاملة نفسها مصدومة.

وقالت ببرود:

— أوبس… وقعت بالغلط.

لكن أنا كنت شايفاها.

شفت إزاي زقت الصينية ناحية طرف الترابيزة أكتر من اللازم.

وشفت الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على وشها…

واللي اختفت فورًا لما اكتشفت إني كنت ببص عليها.

وبدل حتى ما تعتذر، هزت كتفها وقالت:

— ما هي مجرد كوبايات! انزلي أي محل وهاتي طقم غيره. إيه المشكلة يعني؟

جوزي اتعصب عليها وبدأ يزعق لها.

أما أنا…

ما قلتش كلمة واحدة.

نزلت على الأرض بهدوء، وبدأت ألم كل قطعة مكسورة.

حتى أصغر قطعة بورسلين حطيتها في صندوق.

حماتي كانت بتبصلي وكأن الموضوع انتهى.

لكن بالنسبة لي…

الموضوع كان لسه بيبدأ.

في نفس الليلة، ركبت عربيتي وروحت بيت حماتي.

وفي إيدي صندوق واحد.

فتحتلي الباب، وأول ما شافت الصندوق ابتسمت بسخرية وقالت:

— إيه؟ جاية تجيبيلي الأطباق المكسورة؟

ما رديتش.

دخلت، وحطيت الصندوق قدامها على الترابيزة.

فتحت الغطا.

في اللحظة اللي شافت فيها اللي جوه، الابتسامة اختفت من وشها.

لونها اتغير.

ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي بعدم تصديق.

وبصوت واطي قالت:

— إنتِ… مش ممكن تعملي كده.

بصيتلها بثبات وقلت:

— في الحقيقة… أنا عملت خلاص.

جوه الصندوق ماكانش فيه طقم الشاي المكسور.

كان فيه طقم بورسلين قديم ملفوف بعناية شديدة.

طقم حماتي نفسها.

الطقم اللي كانت ورثاه عن أمها.

لكن قبل ما تتكلم، قلت بسرعة:

— ماتخافيش… أنا ما كسرتوش.

بصتلي وهي مش فاهمة.

طلعت كوباية من الصندوق وحطيتها قدامها.

— أنا طلبت من جوزي يطلعهولي من الدولاب قبل ما أجيلك. هو عارف إني هنا وعارف أنا بعمل إيه.

صرخت:

— وإنتِ إزاي تلمسي حاجات أمي أصلًا؟!

سكتُّ ثانيتين.

وبعدين سألتها:

— ليه؟ مش دي مجرد كوبايات؟

وشها اتغير.

فتحت بقها علشان ترد، لكن ماطلعش منها صوت.

قربت الكوباية منها وقلت:

— مش ممكن ننزل أي محل ونجيب غيرها؟

بصتلي بصدمة.

وفي اللحظة دي فهمت.

فهمت بالظبط أنا عايزة أوصلها لإيه.

قالت بعصبية:

— ده مختلف! الطقم ده بتاع أمي!

رديت:

— وطقم الشاي اللي كسرتيه كان بتاع أمي.

— أمي ماتت!

قلت وأنا ببصلها في عينيها:

— وأمي كمان ماتت.

سكتت.

لأول مرة من ساعة ما عرفتها، ماكانش عندها رد جاهز.

شلت قطعة تانية من طقمها وحطيتها على الترابيزة.

وبعدين قلت:

— أنا كان ممكن أكسر طقمك كله، وأقف قدامك وأقولك “أوبس… بالغلط”، زي ما عملتي بالظبط.

بلعت ريقها وبصت ناحية الصندوق.

— لكني مش هعمل كده.

— ليه؟

— لأن أمي ربتني إني لما أتوجع ما أبقاش نسخة من الشخص اللي وجعني.

فضلت ساكتة.

وأنا كملت:

— أنا جبتلك الطقم ده علشان تحسي لمدة دقيقة واحدة بس بالإحساس اللي حسيت بيه وأنا شايفة آخر هدية من أمي متكسرة قدامي.

وبعدين طلعت كيس صغير من شنطتي.

كان جواه قطع طقم أمي المكسور.

حطيته جنب طقمها.

وقلت:

— بصي عليهم كويس. الفرق الوحيد إن حاجتك لسه سليمة… وحاجتي مستحيل ترجع زي الأول.

في اللحظة دي، باب البيت اتفتح.

كان جوزي.

دخل وبص لأمه، وبعدين بصلي.

حماتي قالت بسرعة:

— شوف مراتك عملت إيه! خدت طقم أمي من غير إذني!

رد جوزي بهدوء:

— أنا اللي اديتهولها.

اتصدمت.

— إنت؟!

هز راسه.

— أيوه. لأنها قالتلي إنها مش هتكسره ولا هتأذيه. هي بس عايزاكي تفهمي.

— تفهمني إيه؟!

صوته اتغير.

— تفهمك إن الحاجة اللي مرتبطة بحد مات مش “مجرد حاجة”.

وبعدين أضاف:

— وأنا شفتك وإنتِ بتزقي الصينية.

سكتت حماتي تمامًا.

أنا نفسي بصيتله بدهشة.

ما كنتش أعرف إنه شافها.

قال:

— كنت واقف عند باب المطبخ. وشفت كل حاجة.

حماتي بدأت تدافع عن نفسها:

— أنا ماكنتش أقصد أكسر الطقم كله… كنت بس…

وسكتت فجأة.

جوزي سألها:

— كنتِ بس إيه يا أمي؟

ما ردتش.

لأن أي إجابة كانت هتدينها أكتر.

قلت لها:

— أنا مش مستنية منك تمن الطقم. ومش عايزة طقم جديد.

وبعدين جمعت طقم أمها ورجعته للصندوق وقفلت الغطا.

— حاجتك هترجع مكانها زي ما كانت، من غير خدش واحد.

مديت الصندوق لجوزي.

لكني قبل ما أمشي قلت لها:

— اللي اتكسر النهارده مش بورسلين بس. إنتِ كسرتي جزء كبير من احترامي وثقتي فيكي. وده مش هيتصلح بشراء طقم جديد.

خرجت من البيت.

وجوزي خرج ورايا.

تاني يوم الصبح، صحيت على رسالة من حماتي.

ماكانتش طويلة.

كتبت فيها:

“أنا آسفة. ومش هقول إنها وقعت بالغلط، لأني عارفة إنها ماوقعتش بالغلط. أنا كنت غيورة من تعلقك بذكرى أمك، وتصرفت بطريقة بشعة. مش بطلب منك تسامحيني دلوقتي.”

قريت الرسالة مرتين.

وما رديتش.

لأن بعض الاعتذارات محتاجة وقت قبل ما نقدر نقبلها.

لكن المفاجأة حصلت بعد حوالي أسبوعين.

جوزي رجع البيت وفي إيده صندوق صغير.

فتحه قدامي.

لقيت جواه واحدة من كوبايات أمي.

لكنها ماكانتش زي الأول.

كانت متجمعة من القطع المكسورة بعناية، والخطوط اللي بين الكسور ظاهرة ومتحولة لجزء من شكلها.

بصيتله وأنا مش فاهمة.

قال:

— أمي أخدت القطع لحد متخصص في ترميم البورسلين. ماقدرش يرجع الطقم كله، لكن قدر ينقذ الكوباية دي.

مسكتها بإيدي ودموعي نزلت.

قال جوزي:

— وهي قالت إنها مش هتيجي البيت غير لما إنتِ تكوني مستعدة تشوفيها.

بعد شهر تقريبًا وافقت.

جت حماتي وقعدت قدامي، ولأول مرة ما حاولتش تبرر.

بصت للكوباية اللي كانت على الرف وقالت:

— عارفة إنها عمرها ما هترجع زي ما كانت.

قلت:

— فعلًا.

قالت:

— ويمكن علاقتنا كمان.

رديت:

— يمكن… بس الحاجة المكسورة ممكن تتصلح، حتى لو فضلت آثار الكسر باينة.

ومن اليوم ده، علاقتنا ما رجعتش زي الأول.

لكن الغريب إنها بقت أفضل بطريقة مختلفة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى