
تمت الخطبة وسط أجواء من الفرحة العارمة التي غمرت البيت بأكمله، وكانت أمها تبكي دموع الفرح وتوزع الشربات على الجيران والمحتاجين، بينما كان والدها يقف كالجبل، يرى ثمرة صبره ودفاعه عن بنته تتجسد أمامه في فرحتها وابتسامتها التي عادت تشرق من جديد. أُقيم حفل زفاف راقٍ وشريف، حضره كل من يعرف هذه العائلة الكريمة، وكانت العروس تتلألأ بفستانها الأبيض كالملكة، تحفها دعوات المخلصين وبركة والديها.
على الجانب الآخر من المدينة، كانت حياة عمرو قد انحدرت إلى القاع المحتوم. بعد أن فقد شقته وسمعته وماله، أصبحت حياته عبارة عن تنقل مستمر بين الأعمال الشاقة والهامشية ليكفي قوته يومه. أكلت الندامة قلبه وعقله، وخسر كل من حوله؛ فلا أصدقاء بقوا بجانبه، ولا عائلة استطاعت أن ترفق به بعد أن جلب لهم الفضيحة والخراب. وفي إحدى الليالي الماطرة، أثناء عمله حارساً ليلياً في إحدى البنايات قيد الإنشاء، جلس عمرو على دكة خشبية متهالكة يمسك بجريدة قديمة، ليقع بصره فجأة على صورة زوجته السابقة في صفحة التكريمات لشباب الأعمال الناجحين، وبجوارها خبر زفافها السعيد من رجل يصونها ويحفظ قدرها.
انهمرت دموعه بغزارة فوق صفحة الجريدة، واعتصرته حسرة لم يذق مثلها في حياته. تذكر كيف كانت تخبئ خبزها ليعيش هو، وكيف كانت تعمل حتى تتورم قدماها لتصرف على بيتهما، وكيف رد هو كل هذا بالضرب والإهانة والطرد في ظلام الليل بلا ساتر ولا حذاء. أدرك بحسرة قاتلة أن العدل الإلهي قد استدار دورته الكاملة؛ فالبنت التي طردها حافية القدمين أصبحت تتمشى في أرقى القاعات وتملك القلوب والبيوت، وهو الذي طردها بظلم وجبروت أصبح يقتوت على فتات الموائد ولا يملك حتى سقفاً يستر رأسه.
مضت السنين، وباتت القصة القديمة مجرد ذكريات باهتة تمر ببال الفتاة كأنها حلم بعيد عاشته امرأة أخرى غيرها. أصبحت الآن أمّاً لطفلين يملآن عليها وعلى زوجها المهندس الشريف الدنيا بهجة وأملاً. كان زوجها يحملها على كفوف الراحة، لا يقطع أمراً إلا بمشورتها، ولا يدع فرصة إلا ويعبر فيها عن فخره بعقلها وأصلها الطيب. أما والدها، ذلك الرجل الشهم الذي وقف يوماً كالطود الشامخ أمام الظلم، فقد أصبح جَداً يلتف الأحفاد حوله في صحن الدار، يلعبون معه ويستمدون من شيبته الهيبة والحنان، بينما تراقبه الأم بابتسامة رضا تشكر الله فيها على حسن الخاتمة ولطف القدر.
وفقت الفتاة في توفيق وقتها بين بيتها الصغير وعملها المتنامي، حتى أضحت مؤسستها واحداً من أكبر المراكز التجارية للأزياء، وتخطت شهادته الحدود لتصبح علامة تجارية معروفة يُشار إليها بالبنان. لم تكن مجرد امرأة ناجحة، بل كانت يداً حانية على كل مظلومة ومحتاجة؛ حيث خصصت جزءاً كبيراً من أرباح عملها لرعاية النساء اللاتي تعرضن للظلم والاضطهاد، كافلة لهن السكن والسند والعمل الكريم، لتكون السند الذي تمنته يوماً في ليلة طردها المظلمة.
في المقابل، كان الجزاء من جنس العمل يواصل نسج فصوله المؤلمة في حياة عمرو. لم يتبقَّ له من شبابه وقوته شيء، فقد نهكت الأمراض جسده، وتبددت كل محاولاته في الاستقرار. ترك العمل في البنايات بعد أن ثقلت حركته، وأصبح يقتوت من أعمال بسيطة لا تسد رمقه. ساءت أحواله النفسية حتى صار يجول في بعض شوارع المدينة بملابس متسخة ووجه غائر العينين، طريداً لنظرات المارة ورواسب الذنب التي لا تفارق مخيلته.
في يوم شتوي شديد البرودة، كان عمرو يقف قبالة إحدى القاعات الكبرى التي يُقام فيها مؤتمر سنوي لرائدات الأعمال والمكرمات في المجتمع. كانت السيارات الفارهة تتوالى أمام البوابة، والعدسات تلتقط الصور للمدعوين. وفي لحظة تتوقف فيها الأنفاس، ترجلت الفتاة من سيارتها الحديثة، يرافقها زوجها بمهابة ووقار، يمسك بجميل يدها ويقيها قطرات المطر بكل حنان واهتمام، بينما كان ابنها الأكبر يركض أمامها يضحك برغد.
وقفت الفتاة عند المدخل لثوانٍ لتعديل معطفها، ووقع بصرها بالصدفة على الرجل القابع في زاوية الشارع المظلمة خلف السياج الشجري، يرتجف من البرد وينظر إليها بعينين ملأهما الانكسار والدموع. عرفته في الحال رغم ما فعلته السنون بملامحه.. عرفت ذلك الرجل الذي طردها يوماً بلا حذاء ولا حجاب تتوسل لأبسط حقوقها.
لم تظهر على وجهها أي علامات انتقام أو شماتة، بل طالعتها في عينيه نظرة هدوء واكتفاء تام، نظرة امرأة أصبحت في مكان أبعد بكثير من أن ينال منها ماضٍ ميت. التفتت إلى زوجها وابتسمت له في دفء، ثم تابعت خطواتها بثقة نحو القاعة المضاءة، بينما بقي عمرو في ظلام الشارع، يعتصر قلبه ألماً وهو يرى بأم عينيه كيف رفع الله من ظلمها، وكيف وضع من ظلمها في أسفل السافلين.
مرّت السنوات متتالية لتنسج باقي أحداث هذه الملحمة التي يتجلى فيها العدل الإلهي في أبهى صوره. أصبحت الفتاة اليوم قامة مجتمعية بارزة ومصممة عالمية يُشار إليها بالبنان، تعيش في بيتها الدافئ والراقي الذي يمتلئ بضحكات أطفالها ورعايتهم، وفي ظل زوج يزن الرجال بميزان الذهب، يكرمها ويجلّ قدرها أمام الجميع. أما والداها، فقد بلغا من الكبر عتياً في كنفها ودلالها، يرفرف على بيتهما السكون والرضا، ووالدها يبتسم كلما رأى أحفاده يلتفون حوله، يعلم في قرارة نفسه أنه أدى الأمانة وحمى نبتته الطيبة حتى أثمرت عزة وكرامة.
توسعت أعمال الفتاة لتنطلق في مشاريع خيرة أوسع؛ أنشأت مؤسسة كبرى لدعم النساء المعيلات والمطلقات اللاتي واجهن القهر، توفر لهن المأوى والتعليم والتدريب المهني مجاناً، لتعيد إلى قلوبهن الأمل وتصون كرامتهن كي لا يذقن مرارة الحاجة والذل التي ذاقتها هي في ليلة شؤم مضللة. كانت كلما زارت مقر المؤسسة ورأت نظرات الأمل في عيون النساء، حمدت الله الذي أخرجها من الضيق إلى أوسع الطريق وجعل من محنتها السابقة سبباً لرحمة مئات غيرها.
وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان القصاص الدنيوي يستوفي شروطه كاملة من عمرو. لم يعد يملك من أمره شيئاً؛ ذبل شبابه، واعتلّت صحته جراء الفقر والإهمال والحسرة التي أكلت أجزاء روحه قبل جسده. تعطلت قدرته على العمل كلياً، وأصبح يقتوت من حسد الجيران وعطف بعض المارين في شوارع حارته القديمة التي عاد إليها بعد أن ضاقت به كل بقعة في الأرض، ليعيش في غرفة صغيرة مظلمة أسفل سلم إحدى العمارات المتهالكة، بلا أنيس ولا جليس، يقتله الصمت وتنهكه الذكريات.
في يوم أشرقت فيه الشمس على حارتهم القديمة، أقامت المؤسسة الخيرية التي تملكها الفتاة حملة كبيرة لتوزيع المساعدات والترميم في المنطقة المجاورة للحارة، كنوع من الوفاء لأهل المكان الذي نشأت فيه. وُضعت الخيام الكبيرة، وتجمعت العائلات، وكانت الفتاة تحضر بنفسها برفقة زوجها وأبيها الشائخ الذي كان يجلس على كرسي مريح محفوفاً باحترام الأهالي وحبهم، والجميع يدعون له بالصحة والعافية لأنه أنجب وأحسن التربية.
في تلك اللحظات، خرج عمرو من جحره الصغير بخطوات متهادية يجر قدميه جراً، يرتدي سمالاً بالية ويحمل قصعة فارغة ينتظر في صفوف المساكين ليحصل على وجبة يسد بها جوعه. وعندما وصل دوره في الطابور، رفع رأسه الواهن بتعب، لتلتقي عيناه المحمرتان بعيني والد الفتاة القابع في صدر المجلس، ثم بعيني الفتاة نفسها التي كانت تقف توزع الطرود بيديها الكريمتين وهي تلبس أبهى الثياب وتعلو وجهها سكينة الطهر والرفعة.
تسمر عمرو في مكانه، وسقطت القصعة من يده المرتجفة لتتحطم على الأرض. تجمعت في حلقه غصة ألم وخزي لا تطاق؛ فرأى الأب الذي ضربه بالحذاء يوماً في الشارع يقف اليوم كالملك تاجاً على رؤوس الجميع، ورأى الفتاة التي طردها ليلاً حافية بلا حجاب، تخطو اليوم كالأميرات وتطعم الفقراء والمساكين بمالها وعرقها الشريف، بينما هو -الذي ظن يوماً أنه يملك العالم بظلمه- يقف أمامها شحاذ يرجو حسنتها ولقمة عيش من يدها.
انهمرت الدموع الساخنة من عينيه، وانحنى بجسده المنهك يبكي بحرقة وسخونة، متمنياً لو تنشق الأرض وتبتعد به عن هذا المشهد الذي يمزق كبرياءه المتبقي. التفتت الفتاة إلى أحد العاملين معها ب هدوء تام ووقار يسلب الألباب، دون أن تنبس بكلمة إهانة واحدة أو تجرح غروره المنكسر، وأشارت له أن يعطيه طرداً مضاعفاً وبعض المال، ثم التفتت لتكمل عملها ونظرتها تصبو نحو أطفالها وزوجها.
أخذ عمرو المساعدة وانسحب بخطوات خائبة يجر ذيول الهزيمة والندم، يعلم في أعماق قلبه أن قصاص السماء لم يظلمه قط، بل أراه بأم عينيه كيف يصنع الله بالمظلوم وكيف يذل الظالم حتى يرجو رحمة من دهس كرامته بالأمس.


