
حطيت الشنطة ببطء على الترابيزة، وفي نص الترابيزة دي.. كان لسه الظرف الصغير أبو “جنيه” محطوط زي ما هو، ما حدش تجرأ يشيله.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لجوزي وقلت بهدوء شديد:
— البوتجاز شغال، والغسالة أوتوماتيك بتشتغل بفرة زارار، والشاي في المطبخ على اليمين. أنت مش قلت إن وجودي هنا زي عدمه؟ وإن المجهود اللي بعمله ملوش قيمة وميستاهلش غير جنيه؟ خلاص.. أنا قررت أحترم وجهة نظرك، وأوفر المجهود اللي ملوش قيمة ده، وأركز في شغل بيكافئني بتقدير وفلوس بجد.
جوزي قرب مني ونبرته عليت:
— بلاش الجنان ده! شغل إيه اللي هيرجعك بكرة؟ أنتِ فاكرة نفسك كبرتي على الشغل ده خلاص؟ أنتِ أم وست بيت، الشغل ده كان زمان قبل ما أتجوزك وأصرف عليكِ!
ساعتها بصيت له ابتسامة صغيرة وقاتلة:
— أنت مكنتش بتصرف عليا يا أحمد.. أنت كنت بتشتري خدماتي ببلاش، ولما حبيت تقيمها.. قيمتها بجنيه. واليوم اللي بيعدي في شركتي بيكسبني أكتر من العيدية اللي وزعتها على العيلة كلها في ليلة واحدة.
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. حماتي بصت لابنها وهي مش مصدقة، وأخت جوزي قطعت كلامها وسكتت تماماً.
في اللحظة دي، دخلت بنتي من الأوضة جوة. كانت خايفة من الصوت العالي، لكن أول ما شافتني
جريت عليا وحضنتني، وقالت بصوت واطي ومبهور:
— ماما.. أنتِ شكلك حلو أوي بالهدوم دي.. زي الصبيان اللي في المجلات!
وطيت مستواها وحضنتها، وقلت لها:
— وماما من بكرة هتأكلك أحلى أكل، وهتدخلك التمرين اللي كان نفسك فيه، وهتوصلك المدرسة كل يوم بالأتوبيس بتاع شغلها.. عشان ماما بشتغل وبتاخد أجر محترم على تعبها.
جوزي بصلي بعيون مليانة حيرة وعجز، وكان واضح إن البيت كلو اتقلب فوق دماغه في ظرف 9 ساعات بس. مكنش عارف يتصرف، ولا عارف يفرض سيطرته زي العادة، لأن الإهانة اللي حاول يذلني بيها ليلة العيد.. تحولت لشرارة صحّت الشغف والقوة اللي كان فاكر إنه دفنهم جوايا للأبد.
مسكت إيد بنتي ودخلت بيها أوضتي، وسبتهم في نص الصالة الفاضية، محتارين يبدأوا ينظفوا منين ولا يعملوا العشا إزاي.
قفلت الباب ورايا، وقبل ما أغير هدومي، التليفون رن.
كانت رسالة من الأستاذ كمال:
“شيماء.. العميل اتفق معانا رسمياً على مشروع بكرة بفضل أفكارك، ومحتاجينك تقودي الفريق بنفسك بمرتب وهامش أرباح يغير حياتك.”
مسكت الموبايل، وابتسمت، وعرفت إن القصة لسه هتبدأ بجد.. وان الدفعة الحقيقية للحساب قربت أوي.
عدى الأسبوع الأول زي الكابوس على البيت، وزي الحلم بالنسبة لي.
كل يوم كنت بأصحى الساعة سبعة الصبح، ألبس طقم الشغل بكل شياكة، أجهز لبنتي سندوتشاتها بنفسي، وآخدها في إيدي وأوصلها المدرسة، وأطلع على الشركة. تسع ساعات بعيد عن النكد، والتحكمات، وطلبات حماتي اللي مابتخلصش، واستغلال أخت جوزي. في الشركة، كان كلامي بيتسمع، أفكاري بتتنفذ، والكل بيناديني “باشمهندسة شيماء”. حسيت إن الرئة اللي اتسدت بقالها سنين رجعت تتنفس هوا نظيف من تاني.
أما البيت؟ فالدمار كان شامل.
أحمد، جوزي، اللي كان متعود يصحى يلقى القهوة والهدوم المكوية والفطار الجاهز، بقى يصحى يلقى الصالة مقلوبة. حماتي، اللي كانت متعودة على الشاي بالنعناع والشوربة السخنة والمساج لرجليها لما تتعب، بقت قاعدة طول اليوم تتذمر وتتحسر على الأيام الخوالي. وأخت جوزي اللي كانت فاكرة البيت أوتيل ببلاش، لقت نفسها متدبسة في غسيل هدوم ابنها وطبيخ العيلة كلها، واكتشفت في ظرف ثلاثة أيام بس إن شغل البيت اللي كانت بتسخر منه بيهد الحيل!
في يوم الخميس بالليل، رجعت من الشغل متأخرة شوية، الساعة كانت جابت سبعة.
أول ما فتحت باب الشقة، لقيت الهدوء العجيب يسود المكان، بس مش هدوء راحة.. كان هدوء ما قبل العاصفة. الأكل المحروق ريحته مالية الممر، واللعب متطرمخة، وجوزي قاعد على الترابيزة ومستنيني، وحماتي قاعدة على الكنبة زي القاضي اللي مستني يعلن الحكم، وأخت جوزي واقفة مربعة إيدها.
أول ما دخلت وحطيت الشنطة، أحمد وقف، وشكل وش أتقلب، وعيونه كان فيها خليط من الغضب والعجز.
قال بصوت واطي بس ملغوم:
— لحد أمتى المهزلة دي هتفضل مستمرة يا شيماء؟
شلت الجاكيت بهدوء وحطيته على الشماعة، وبصيت له بكل برود:
— مهزلة إيه بالظبط؟ أنا نازلة شغلي وراجعة بيتي، شايف إيه غلط؟
حماتي انفجرت وقامت وقفت بالعافية:
— شايفين إيه غلط؟! بيتي اتخرب يا بنت الناس! بقالنا أسبوع بناكل أكل دليفري وبواقي أكل محروق! الهدوم مكومة، والشقة بقى شكلها زي خرابة! أنتِ قاصدة تذلينا؟ قاصدة تردي لنا القلم اللي أكلتيه ليلة العيد؟
رديت عليها وأنا ببتسم بكل ثبات:
— رد القلم؟ لأ يا طنط، أنا أرفع من إني أرد ألم ولا أستغل مواقف. أنا بس طبقت الكلام اللي جوزك وابنك قالوه قدام العيلة كلها. مش أنتم اللي قلتم إن قعدتي في البيت مالهاش قيمة، وإن تعبي طول اليوم لا يستحق غير “جنيه”؟ أنا بس سيبت لكم البيت تعملوا شغل الـ “جنيه” ده بنفسكم، عشان تعرفوا قيمته.
أخت جوزي اتدخلت بعصبية والصوت علي:
— أنتِ مفكرة نفسك مين يعني؟ عشان حتة شغلانة رجعتيها بقيتي بتتكلمي من مناخيرك كده؟ أنتِ ست متجوزة ومسؤولة عن بيت وجوز! الشغل ده تسليه لو فاضية، لكن بيتك أولى!
تفتحت عيوني فيها وبصيت لها بحدّة خلتها ترجع خطوة لورا:
— بيتي أولى؟ طب لما هو بيتك وابنك أولى، أنتِ قاعدة هنا ليه بقالك شهر مخلياني خدامة ليكي ولابنك؟ ليه ما بتروحيش بيتك وتغسلي هدوم ابنك بنفسك؟ ولا هو الشغل الحقيقي حلال ليكي وحرام عليا؟
أحمد ضرب على الترابيزة بإيده بقوة، والتطبيش صدى في الشقة:
— بس! كفاية كلام فارغ! شيماء.. أنتِ حدودك زادت أوي. أنا ساكت طول الأسبوع ده وبقول هتفوق لنفسها وترجع لعقلها، لكن الظاهر إن الفلوس والشغل عماكي! بكرة مفيش نزول شغل، والكارنيه ده هيتقص، وتعدي في بيتك تشوفي طلبات أمي وبنتك وليا أنا الأول!
قربت منه خطوة بخطوة، والمسافة بيننا صغرت، بس المرة دي مكنتش الست الخايفة اللي بتداري دموعها عشان المركب تسير.
قلت له ونبرتي أبرد من الثلج:
— تقص الكارنيه؟ تجرأ تعملها يا أحمد.. ونشوف ساعتها مين اللي هيزعل بجد. أنت فاكر إني رجعت الشغل عشان شوية فلوس؟ أنا رجعت الشغل عشان أسترد نفسي اللي أنت وأهلك محيتوها على مدار سنين. الفلوس اللي باخدها دلوقتي بتكفيني وتكفي بنتي، ومش محتاجة منك ولا جنيه.. الجنيه اللي رميته في الظرف، أنصحك تحتفظ بيه، عشان يمكن تحتاج تشتروا بيه كرامة لما تعرفوا البيت ده كان قايم على مين!
أحمد وشه اصفر، وأمه بصت له باستغراب وهي مش مصدقة إن دي نفس الست اللي كانت بتسكت على إهاناتهم وتعديها بابتسامة المكسورة.
في اللحظة دي، التليفون بتاعي رن.
شفت الشاشة.. كان الأستاذ كمال، مدير الشركة.
رفعت السماعة ورديت قدامهم كلهم بصوت واضح ومسموع:
— أيوة يا أستاذ كمال.. تمام.. بكرة الاجتماع مع وفد المستثمرين الخليجيين الساعة عشرة الصبح؟.. جاهزة تماماً ومجهزة العرض التقديمي كله.. متقلقش، المشروع تحت السيطرة.
قفلت الخط، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش قادر ينطق كلمة، العجز مكتوب على وشه لأن كل تهديداته باتت ملهاش قيمة.
مسكت شنطتي، وقلت لهم بصوت هادي:
— أنا داخلة أنام عشان عندي شغل مهم بكرة الصبح. والأكل اللي في الثلاجة بتاع بنتي بس، اللي عايز ياكل.. المطبخ مفتوح، بس البوتجاز بيحرق الأكل لو سيبتوه من غير مراقبة.
دخلت الأوضة، وقفلت الباب بالمفتاح.
سمعت برة دوشة وزعيق وصوت حماتي بتصرخ في أحمد: “شوف حل لمرتك يا خايب! الست ركبت ودليت رجليها!” وصوت أخت جوزي وهي بتلم هدومها وتزق ابنها وتقول “أنا رايحة بيتي، الشقة دي بقت تطاق!”.
قعدت على السرير، وبصيت لبنتي اللي كانت نايمة بسلام.
مسكت الموبايل، وفتحت التطبيق البنكي.. نزلت لي مكافأة التقدير الأولى عن شغل الأسبوع، مبلغ محترم، أضعاف أضعاف العيدية اللي اتوزعت في ليلة العيد.
ابتسمت، وعرفت إن المواجهة الكبيرة مش هتبقى في البيت بس.. بكرة في الشركة، فيه خطوة جديدة هتغير مسار حياتي كلياً، وهتخلي أحمد يندم على كل لحظة فكر فيها إنه يقلل مني.




