روايات وقصص

غيرنا

بس ده صعب يا ماما.. لما الكل بيبصلك ببصّة غريبة..
أعرف.. وأنا كمان حاسّة بده.. بس الصعوبة دي مش معناها إننا غلط.. معناها إننا بنمرّ بوقت صعب وهنعدّيه مع بعض.
في نفس اليوم جالي اتصال من شريف.. صوته كان مضطرب جداً
داليا.. سمعتي اللي بيحصل؟
سمعت.. الكلام انتشر بره البيت تماماً.
هدى سمعت الكلام برضه.. وهي مقفّلة على نفسها في البيت من امبارح ومش بترد على حد.. رحت لها الباب وقفت ساعة ومش عاوزة تفتح.
قلبي اتوجع عليها رغم كل اللي عملته.. مهما كانت الأسباب، هي كبرتني وخدمتها وحبيتها طوال 38 سنة، ومش ممكن أتخلّى عنها في اللحظة دي أبداً
أنا رايحة لها دلوقتي.

الجزء التاسع بين الباب والقلب
وصلت لبيت هدى.. المكان اللي كنت أعتبره بيتي طول عمري، وباب كان بيفتح لي دايماً بكل حب، لقيتوه مقفول بكل قوة.. خبطت بخفّة في الأول، وبعدين بقوة أكتر
يا ماما.. افتحي.. أنا داليا..
مفيش رد.. بس سمعت صوت حركة من جوا.. كانت عاوزة تفتح بس مش قادرة
أنا عارفة إنك سمعاني.. ومش جاية أعاتبك ولا أحاكمك.. جاية أقولك إننا مع بعض في ده كلّه.. مهما حصل.. إحنا عيلة.
فضلت واقفة عند الباب ربع ساعة كاملة.. بتكلم بهدوء، بذكّرها بأيام زمان، بالأكل اللي كانت بتعمله، بالحكايات اللي كانت تحكيها لي وأنا صغيرة.. ولو إن بعض الحكايات كانت مش حقيقية، بس الإحساس بالدفء اللي كان بيملأ المكان ده كان حقيقي بكل تأكيد.
فجأة سمعت صوت القفل.. الباب اتفتح ببطء.. وشفتها واقفة قدامي بملابسها اللي مش مرتبة، وشعرها المتفرفت، وعيناها اللي غارقة في الحزن.. شفتها مش الأم المزيفة اللي كنت شايفاها قبل كده.. شفتها إنسانة مکسورة خاڤت طوال عمرها وخسړت كل حاجة في لحظة
كنت فاكرة إنك هتكرهيني وتسيبيني.. زي ما الكل بيعمل..
دخلت وقعدت جنبها على الكنبة اللي كنت أجلس عليها وهي تحكي لي قصص قبل النوم
أنا مش هكرهك.. بس محتاجة وقت عشان أفهم كل ده.. وأنتِ كمان محتاجة وقت.
خفت.. خفت لما نادية تيجي تاخدكِ.. خفت لما أعرف إنك هتحبيها أكتر مني.. كنت شايفة إنك كل ما تشبهيها كل ما تبعدي عني..
أنا مش هتبعد عن حد.. بس لازم أعرف أمي كمان.. مش معنى إن لي أم تانية إنكِ مش مهمة.. أنتِ اللي ربيتني.. وأنتِ اللي تعبتي عليّ.. ده مش هيتغيّر أبداً مهما حصل.
بكت هدى پصرخة طويلة كأنها بتفكّ قيد كان في قلبها من سنين.. حكتلي كل حاجة من الأول.. كيف إنها كانت تحب أبي من صغرها.. وكيف إنه تزوج نادية وهي اټجرحت.. وكيف لما ټوفي أبوها واتترك لي صغيرة، شافتها كفرصة.. كفرصة تملأ الفراغ اللي كان في قلبها.. بس الفراغ ده ما اتملاش، بل كبر وكبر معاه الخۏف والغيرة والكذب لحد ما أكل كل حاجة.
خرجت من عندها وقلبي تقيل ومخفوق في نفس الوقت.. الطريق مش هيسهل أبداً، بس أخيراً مشيتوه بصدق لأول مرة.

الجزء العاشر ندى والطريق للثقة
مع بداية الأسبوع الجديد، قررت أروح مع ندى للمدرسة بنفسي.. لازم أواجه اللي بيحصل مش أهرب منه. وصلنا لبوابة المدرسة ويدها في يدي.. كانت بتخفّف خطواتها وتبصّ حوليها پخوف
ماما.. ممكن نرجع البيت؟ مش عاوزة أدخل..
أدخلي يا حبيبتي.. واثبتي نفسكِ.. اللي بيحبكِ هيفضل يحبكِ.. واللي مش عاوزكِ خسارة فيه.
مشينا مع بعض لحد باب الفصل.. ولما دخلت وراها لقيت كل العيون علينا.. سمعت همسات خاڤتة، وشفت نظرات مختلفة.. بس ندى وقفت في نص الفصل ورفعت راسها عالية وقالت بصوتها الصغير الواضح
أمي قالتلي إن الحقيقة مش عيب.. وإن العيلة مش بس اللي ډمها مع بعض.. العيلة اللي بتساند بعض.. اللي بيحب بعض مهما حصل.. ومش هسمح لحد يجرح أي واحدة منهم!
سكت الفصل كلّه.. وبعدين شفت بنت من زملاتها قامت ومشيت نحيتها وقالت
أنا آسفة يا ندى.. كنت سمعت كلام ومش عارفة حقيقته.. تعالي نلعب مع بعض.
وبعدها اتالت الباقيات.. وحدة تانية قالت كلام حلوة، وتالتة سألتها عن جدتها نادية.. وبدأت الصورة تتغير ببطء.. مش بين يوم وليلة، لكن خطوة بخطوة.
وفي نفس الفترة، كنت بقضي وقت مع نادية كل يوم تقريباً.. كنت أروح لها بيتها، نجلس في شرفتها اللي بتشوف النيل، وتحكي لي عن أيام صغري.. كنت أشوف صوراً لي وأنا رضيعة ما كنتش أعرف بوجودها.. صور التقطتها من بعيد.. من وراء أسوار المدارس، من خلف أشجار الحدائق.. كانت تتابعني كل خطوة في حياتي بقلوبها كلها
كنت بفرح لما تنجحي.. وببكي لما أسمع إنك تعبتي.. ما كانش في يوم يمر من غير ما أفكر فيكِ..
وليه ما حاولتيش تقابليني قبل كده؟
هدى قالتلي لو قربت منكِ هقولك إنك سبتني وكرهتيني.. وكنت خاېفة تصدقيها.. كنت خاېفة أكون في نظرك الأم اللي سابت بنتها..
أنا عمري ما كرهتكِ.. حتى وأنا مش عارفة إنك أمي.. كان قلبي بيدق لما بشوفكِ من بعيد.. كنت حاسّة بقرابة غريبة.. بس ما عرفتش إيه هي.
في يوم من الأيام، نادية جابت لي صندوقاً خشبياً قديماً.. فتحته ولقيت فيه كل حاجة رسائل كتبتها لي ولم ترسلها، خيوط صغيرة كانت عاوزة تعمل منها ملابس لي، قصاصات من الجرائد من يوم ميلادي، وقلادة صغيرة عليها اسمي
كنت حافظة كل ده عشان لو جيت اليوم.. أكون جاهزة أقولك إنى كنت معاكِ في كل لحظة.
بكيت في حضنها لأول مرة.. وشعرت بدفء لم أذقّه من قبل.. دفء الأم اللي ما تُشترى بثمن.

الجزء الحادي عشر اللقاء الذي غير الجميع
بعد ما استقرّ الحال شويّة، اقترحت عليّ نادية فكرة غريبة في البداية
عاوزة ندعو هدى تتعشى معانا هنا.. في بيتي.
أنتِ متأكدة؟
أنا متأكدة.. الكراهية ما بتعيش إلا لو سمعناها.. خلينا نكسر الحواجز.
اترددت كتير.. بس في النهاية وافقت.. واتصلت بهدى وقلت لها
نادية عاوزة نتعشى معاها.. كلنا.. تيجي؟
سكتت فترة طويلة جدا لدرجة فكرت إنها مش هترد.. وبعدين سمعت صوتها خافتاً
تمام.. جاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى