
عشان اجتماعها في المطعم ده كان لشخص محدد.. شخص ما كانتش عاوزة يشوفه هنا.. ولا حتى يعرف إنه موجود في نفس المكان اللي أنتِ فيه.
سكت شريف لحظات كأنه يجمع شجاعته ثم قال
السيدة اللي كانت معاها في المطعم.. اسمها نادية.
اسم غريب لا أعرفه.. لكن وقع في أذني كصوت حجر يسقط في بئر عميقة
ومين دي؟
تردد شريف ثم قال بصوت بالكاد أسمعه
كانت صديقة بابا.. من قبل ما يتعرف على ماما.
شعرت ببرودة غريبة تسري في جسدي كله
وبابا.. هو كان يعرفها؟
أكيد.. وأكتر من كده يا داليا.. نادية دي ليها ارتباط ببابا بشكل مش عادي.. وبسر كبير كان بينهم، توفى بابا وما أخبر به أحد غيري أنا.
اقترب شريف أكثر وكأنه يخشى أن يسمعنا أحد
قبل ما ېموت بابا بيومين.. دعاني لغرفته وقعد معايا وقالي كلام غريب.. قالي يا شريف، لو حصل أي حاجة وأنا مشيت، احفظ سر نادية.. واعرف إنها ليها حق في كل ما أملك زي ما ليكم أنتم.
حدقت فيه بلا فهم
حق؟ إيه يعني حق؟ هي قرابتنا؟
مش قرابة ډم يا داليا.. لكنها أقرب من كده بكتير.. وهي السبب الحقيقي في الخلاف اللي كان بين بابا وماما طول السنين.. واللي ماما كانت پتخاف منه يطلع للنور أبداً.
بدأت الصورة تتشكل ببطء مخيف في ذهني.. أمي التي عشت أخدمها وأرضيها طوال عمري لم تكن تكرهني فقط لأنني نكدية.. كانت تكرهني لأنني أذكرها بمنافسة طالتها طوال حياتها.. وربما أكثر.
وأنتَ عرفت كل ده وسكت؟! صړخت بصوت مرتجف.
كنت وعدت بابا.. وكنت خاېف على البيت يتفرق.. وخاېف عليكِ ټجرحي.. بس النهاردة شفتها بتكذب عليكي وتشوه سمعتك قدام الكل.. فعرفت إن الصمت ده غلط تاني.
في تلك اللحظة سمعنا صوت الباب يفتح.. ودخل طارق بوجه متغير، ومعه ورقة مطوية بيده.
الجزء الرابع
داليا.. لازم أتكلم معاكِ دلوقتي حالاً. قال طارق وهو ينظر لي بعينين مليئتين بالقلق.
تقدمت منه وأنا ما زالت في حالة صدمة
في إيه يا طارق؟
مد لي الورقة وقال
دي وصلتني من صديق يعمل في مصلحة الأحوال المدنية.. طلب مني أديهالك بنفسي ويقولك إنها وثيقة رسمية وموثقة.
فتحت الورقة بيدين مرتجفتين.. وقرأت الكلمات ببطء.. ثم قرأتها مرة أخرى.. ولم أصدق ما تراه عيناي.
وثيقة ميلاد.. اسم الأم نادية عبد الرحمن.. اسم الأب كمال الدين.. اسم المولودة داليا كمال الدين.
سقطت الورقة من يدي وكأنها تحترق.. طارق أمسك بكتفي
داليا.. اسمعيني.. أنا لم أصدق في البداية.. بس بحثت وتأكدت.. هدى.. أمك التي ربيتكِ.. هي خالتك الكبرى.. ليست والدتك الحقيقية.
عالمي كله انهار في تلك اللحظة.. كل شيء.. كل تضحية.. كل شعور بالذنب والواجب.. كل كلمة يا ماما قلتها طوال 38 سنة.. كانت موجهة لامرأة لم تكن أمي أصلاً.
شريف اقترب مني وهو يبكي
أنا عرفت من زمان.. بابا قال لي قبل ما ېموت.. قال إنك بنت نادية.. وأن هدى رفضت تسلمكِ.. ورفضت تعترف بوجود أمك الحقيقية.. وسطت عليكِ باعتبارك بنتها.. عشان تورث كل حاجة بدلاً منكِ.
دموعي تجمدت في عيني
وليه.. ليه تعمل فيا كده؟!
لأن نادية كانت تمتلك نصاً من ميراث أبوكم.. وبموتها انتقل كل حقها ليكِ أنتِ.. هدى كانت خاېفة تفضح الحكاية فيسقط كل شيء من إيدها.. فقررت تحبس الحكاية كلها.. وتعاملكِ كبنتها.. وتبقيكِ تحت سيطرتها طول العمر عشان ما تعرفي الحقيقة أبداً.
تذكرت كل شيء الآن.. لماذا كانت دائماً تنظر لي بنظرة غريبة.. لماذا كل ما أبدعت أو نجحت كانت تقلل مني.. لماذا لم تكن تحب أن أكون محبوبة من الناس.. لم تكن أمّاً تغار على ابنتها.. بل كانت امرأة تمسك بكنز لا يخصها، وتخاف أن يسترد منها يوماً.
وطوال السنين دي.. وهي بتعاملني كخادمة عندها.. وتأخذ مجهودي وطاقتي.. وتنسب كل حاجة لنفسها.. وتقول للناس إنني مريضة عشان لو تكلمت حد ما يصدقني..
كلماتي انقطعت وبكيت بصوت لم أسمعه من نفسي من قبل.. بكيت طفولتي التي سُلبت.. وشبابي الذي أُهدر.. وحبي الذي أُعطي لمن لا يستحقه.
وفجأة.. سمعنا صوتاً من الباب.. صوت رقيق مهتز يقول
سامحيني يا بنتي.. سامحيني لو عرفتِ متأخرة.
التفتنا جميعاً.. ووقفت هناك امرأة في أواخر الستينات، شعرها أبيض وعيناها تفيضان بالدمع.. وبمجرد أن نظرت إليها شعرت بشيء لا أستطيع وصفه.. دفء غريب.. واشتياق لم أعرفه قط.
الجزء الخامس
اقتربت المرأة ببطء وكأنها تخشى أن أهرب منها
أنا نادية.. والدتك يا داليا.
لم أتحرك.. لم أتكلم.. فقط كنت أنظر إليها وأنا أشعر بقلبي يخفق پعنف.. هكذا تبدو أمي.. هكذا هي ملامحي التي طالما بحثت عنها في المرايا ولم أجدها في عيني هدى.
جلست على الكنبة بجانبي دون أن تلمسني وكأنها تحترم مسافات السنين التي فصلت بيننا
ما جيتش من قبل خوفاً عليكِ.. ههدي هددتني إنها ټفضحني وتدمر سمعتي لو حاولت أقرب منكِ.. وقالت إنك هتكرهيني لأنني سبتك وأنا صغيرة.. ففضلت أتابعكِ من بعيد.. أشوفك وأنتِ في المدرسة.. وأنتِ بتتجوزي.. وأنتِ بتجبني ندى.. كل خطوة في حياتك كنتِ معايا فيها.
سكتت وتمسحت دموعها بأطراف منديلها ثم أكملت
النهاردة لما شفت الرسالة على الجروب.. وعرفت إن هدى هتقعدكِ في البيت لوحدكِ.. قلت لازم أجي.. حتى لو طردتيني.. لازم أقولك الحقيقة قبل ما أموت.
قالت لي وهي تمد لي كيساً جلدياً
دي كل الأوراق.. الإثباتات كلها.. ودي رسالة من أبوكِ كتبها قبل ما ېموت بيوم.. موجهة ليكِ أنتِ تحديداً.
أخذت الرسالة بيد مرتجفة وفتحتها.. خط أبي الذي أذكره جيداً
إلى ابنتي الغالية داليا..
إذا قرأتِ هذه الكلمات فهذا يعني أن الحقيقة وصلتكِ أخيراً..
لم أكن أريد أن تكبرينِ في عالم مليء بالأكاذيب، لكنني خفت من انفجار الأمور في وقت مبكر فيتأذى قلبكِ الطيب..
أعلم أن هدى ربما أتعتكِ بما ليس فيكِ.. لكن تذكري دائماً أنكِ ابنة نادية.. وأنتِ من أخذتِ صفاء قلبها وطيبته..
ما تركته لكِ ليس مالاً فقط.. بل اسمكِ الحقيقي.. وحقكِ في أن تعيشي حياة لا يسيطر فيها أحد عليكِ..
سامحني يا حبيبتي.. وسامحينا جميعاً..
بكيتُ وأنا أقرأ الكلمات.. بكيت لأبي الذي رحل وتركني في دوامة الأكاذيب.. وبكيت لأمي التي كانت على بعد خطوات طوال عمري ولم أجرؤ يوماً على النظر إليها.
ندى اقتربت من نادية ونظرت إليها بفضول
أنتِ جدتي الحقيقية؟
نادية ابتسمت والدموع تملأ عيناها
نعم يا حبيبتي.. أنا جدتكِ.. وكنت أتمنى أكون معكِ من زمان.
في تلك اللحظة سمعنا صوت هاتفي يرن.. اسم أمي يلمع على الشاشة.. للمرة الأولى في حياتي ترددت في الإجابة.. ثم مددت يدي ورددت بصوت هادئ لم أعرفه من قبل
ألو.
صوتها جاء عالياً غاضباً
إيه اللي عملتيه ده يا داليا؟ الناس كلها سابتني وجاتلكِ.. قوليلي ليه تفضحيني كده قدام العيلة؟!
لم أصرخ.. لم أعاتب.. فقط قلت ببطء
أنا مش هتكلم في التليفون.. تعالي لبيتي..
كل مكان. ولما رجعت البيت لقيت ندى قاعدة في أوضتها وپتبكي بكتير، وبمجرد ما شافتني قالت بصوت متهدج
ماما.. زملاتي في المدرسة كلهم عرفوا.. واحدة قالتلي إن جدتي الكبيرة كانت حرامية وسرقتك من جدتي التانية.. والتانية قالتلي إنك مش عارفة مين أمك ومين أبوكِ.. ومحدش بيتكلم معايا دلوقتي!
قعدت جنبها وضممتها لقلبي وقلبت راسها على كتفيّ.. حسيت پألم في صدري ما يتوصفش.. كنت فاكرة إن الحقيقة هتحررنا، بس طلعت بتجيب معاها ألم تاني من نوع تاني
يا حبيبة قلبي.. اللي بيتكلموا مش عارفين الحكاية كلها.. ومش لازم نعيش حياتنا عشان نرضيهم.. المهم إننا نعرف إحنا مين ونكون متأكدين من نفسنا.



