
– يا أم محمود، تعالي شوفي السرير كده… الملاية دي مش اللي طلبناها. أم محمود ردت عليه بمنتهى العفوية:
– ماما قالتلي إن جهاد هتظبط كل حاجة. وبصتلي. ساعتها فهمت إن حماتي ما كانتش بتقول كلام من عندها…
هي كانت واعدة أم محمود بحاجات تخصني أنا، من غير حتى ما تسألني. دخلت أوضة النوم عشان أغير الملاية، وأنا جوايا غيظ مش طبيعي.
لكن وأنا بلم الملاية القديمة من على السرير، لقيت شنطة أم محمود مفتوحة، وورقة واقعة جنبها. انحنيت أخدها، وبمجرد ما عيني وقعت عليها، اتصدمت. كانت قائمة طويلة جدًا. أكلات معينة، ومشروبات، ومواعيد للأدوية، وحاجات لازم تتعمل كل يوم. وفي آخر الورقة كان مكتوب:
“تنظيف الشقة بالكامل يوميًا، وتغيير الملايات مرتين في الأسبوع.”
رفعت عيني ناحية أم محمود وقلت:
– إيه ده؟ابتسمت بمنتهى البراءة وقالت:
– دي تعليمات الدكتور… وماما قالتلي ما أشيلش هم أي حاجة، وإنك هتكوني موجودة معايا. وقتها ما قدرتش أسكت أكتر. خرجت من الأوضة ونزلت عند حماتي، وأنا لأول مرة مش ناوية أقول حاضر. لأني بدأت أفهم إن اللي بيحصل مش مجرد كام يوم نفاس. حماتي كانت مخططة إن أم محمود تقعد في شقتي فترة أطول بكتير مما قالتلي.
والأغرب من كده…
إنها كانت بتتصرف في شقتي وكأنها مش شقتي أنا وجوزي أصلًا. نزلت السلم وأنا حاسة إن الدم بيغلي في عروقي، ولما دخلت شقة حماتي لقيتها قاعدة في الصالة بتتكلم في التليفون وكأن مفيش أي حاجة حصلت. استنيت لحد ما قفلت المكالمة، وحطيت الورقة قدامها على الترابيزة وقلت:
ماما، ممكن أفهم إيه ده؟بصت للورقة، وبعدين رفعت عيني عليا بمنتهى الهدوء:
إيه يعني؟دي طلبات أم محمود كلها! أكل مخصوص، وتنظيف يومي، وتغيير ملايات مرتين في الأسبوع… هو أنا كنت موافقة على كل ده؟حماتي اتنهدت وقالت:
يا جهاد، ما تكبريش الموضوع. دي والدة، وإنتِ أولى الناس بيها. أولى الناس بيها إزاي؟ أنا عندي أربع عيال، وبيتي اللي فوق سبتُه عشانها، ودلوقتي عايزاني أطبخ وأنضف وأخدم كمان؟
بصتلي بضيق وقالت:
ما هو بيت أخو جوزك، ولازم تحافظي على راحتهم. بيت أخو جوزي لا دول ضيوف ، لكن دي شقتي أنا وجوزي، وكل حاجة فيها من تعبنا وفلوسنا!سكتت لحظة، وبعدها قالت جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:يا جهاد، ما دام أخو جوزك سايب شقته وقاعد في محافظة تانية، يبقى طبيعي مراته تستخدم شقتكم لما تحتاجهابصيت لها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه:طبيعي؟
يعني لو أنا احتجت شقة أخوه في المحافظة التانية، هيديهالي؟سكتت. قلت وأنا مستنية ردها:لو أنا ولدت، هيرجعوا من شغلهم ويسيبوا بيتهم عشانى ابقى براحتى وهى هتخدمنى برضوا؟قالت بسرعة:دي ظروف مختلفة. ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر:طبعًا مختلفة… لأن اللي بيتنازل دايمًا أنا. حماتي اتعصبت وقالت:إنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي ليه؟ أم محمود مش هتفضل عندك للأبد!
وأنا سألتها هتقعد قد إيه؟حماتي سكتت ثواني، وبعدين قالت:لحد ما تبقى كويسة. يعني قد إيه؟مش عارفة. شهر؟ شهرين؟ تلاتةقالت وهي بتبعد عينيها عني:حسب احتياجها. هنا فهمت إنهم أصلًا ما حددوش مدة. يعني أنا نزلت من شقتي من غير حتى ما أعرف هترجعلي إمتى. وقبل ما أتكلم، سمعت صوت أم محمود جاية من فوق وهي بتنادي:يا ماما!
حماتي ردت:أيوه يا حبيبتي. نزلت أم محمود وهي ماسكة بطنها، وقالت:أنا محتاجة حاجة آكلها دلوقتي… الدكتور قالي ما ينفعش أفضل من غير أكلحماتي بصتلي وقالت بمنتهى الطبيعية:قومي يا جهاد اعمليلها حاجة خفيفة. بصيت لها، وبعدين بصيت لأم محمود. ولأول مرة ما تحركتش. قلت:أم محمود تقدر تطلب أكل من بره، أو تعملي لنفسك حاجة، أنا عندي عيالي ولسه ما عملتش لهم غدا. حماتي شهقت:إيه؟!
أما أم محمود فبصتلي بوش اتغير تمامًا، وقالت:يعني إيه أعمل لنفسي؟رديت بهدوء:يعني دي شقتي، وإنتِ ضيفة فيها، وأنا هساعدك على قد ما أقدر… لكن مش هقدر أكون خدامة ليكي. سكتت أم محمود لحظة، وبعدين بصت لحماتي وقالت:أنا قلتلك يا ماما إني مش هرتاح هنا. حماتي قربت منها وقالت:لا يا حبيبتي، جهاد بس مضغوطة شوية، هتتعود. الكلمة دي وقفتني. هتتعود؟
يعني هم كانوا معتبرين اللي بيحصل ده نظام حياة جديد بالنسبة لي. طلعت شقتي بعدها عشان أشوف حاجتى، لكن أول ما فتحت الباب اتفاجئت بحاجة خلتني أقف مكاني. الأوضة اللي كنت بحط فيها حاجات أولادي كانت مفتوحة، وجزء من دولابهم اتفضى. بصيت حواليّا باستغراب، ولقيت شنط أم محمود محطوطة جوه. وفي اللحظة دي سمعت صوت جوزي طالع السلم. ناديت عليه بسرعة:إنتَ عارف إنهم فضّوا أوضة العيال؟
وقف قدامي مستغرب وقال:مين قالك إنهم فضوها؟هدوم أم محمود في أوضة العيال!بص للشقة، وبعدها قال:يمكن مؤقتًا… هي محتاجة مكان لحاجتها. بصيت له وأنا مش مصدقة. حتى إنت؟اتوتر وقال:جهاد، متكبريش الموضوع. دي مرات أخويا، والموضوع كام أسبوع. قلت له:إنت نفسك مش عارف هتقعد كام أسبوع!سكت. قربت منه وقلت:اسأل أمك… واسأل أخوك… وخليهم يقولوا لنا بصراحة أم محمود هتعيش في شقتنا قد إيه.
لكنه قبل ما يرد، سمعنا صوت حماتي من تحت بتنادي:يا جهاد! أم محمود عايزة تنام شوية، انزلي هاتي لها الدوا من الصيدلية!بصيت لجوزي، وقلت له بهدوء:لأ. ولأول مرة من ساعة جوازي، قلتها وأنا أقصدها فعلًا:- المرة دي… لأ. وقولتله انا عايزه اعرف الحقيقة وليه حماتى بتعمل كده وقتها لخبطه جوزى شككتنى إن فعلاً فيه حاجه غريبه فى الموضوع




