
الكلام نزل على سامح زي الصاعقة، ما عرفش يرد حرف. بص لعبير اللي كانت الدموع اتجمعت في عينيها.. مش دموع حزن، كانت دموع قهر وصدمة. قربت مني عبير ومسكت إيدي بلهفة وعصبية:
— “أنت بتعمل كده عشان تكسرني يا خويا؟ بتعمل كده عشان تكسفني قدام جوزي؟ البنت دي غسلت مخك! البنت دي كانت بتكلمك عشان تنتقم مننا وتوصل للي هي عايزاه! أنت مش شايف إنها بتلعب بيك؟”
شلت إيدها بالراحة وبصيت لها بقسوة أول مرة تظهر في عيني ليها:
— “يارا ما غسلتش مخي يا عبير. يارا ست شريفة اتظلمت في بيتك ومع جوزك، وبدل ما تقولي الحمد لله إن في راجل هيصونها ويعوضها هي وابنها عن القهر اللي شافوه، جابت تتهيميها؟ البنت ما طلبتش مني حاجة، ولا عرضت نفسها عليا، أنا اللي دورت عليها وأنا اللي طلبتها، ولما لقيت فيها اللي ما لقيتوش في غيرها، قررت أحميها وأبقى سند ليها.”
سامح قرب مني وهو بيجز على سنانه، ورفع إصبعه في وشي:
— “أنا مش هسمح بالمهزلة دي! ابنها معايا.. وابنها مش هيتربى في بيت واحد تاني، ولا على إيد واحد زيك!”
ضحكت بصوت عالٍ هز الصالة، ضحكة خلته يرجع خطوة لورا من ثقتي:
— “ابنك؟ أنت افتكرت إن عندك ابن دلوقتي؟ لما سبت أمه عشان شوية هوس، وقتها ما افتكرتش إنه طفل محتاج أب يصونه ويصون أمه؟ ابنك في عينيا، وهيتربى أحسن تربية، واللي ما عرفتش تعمله أنت وتثبته كراجل، أنا هعمله وأعلمك يعني إيه أمانة الجواز وأمانة الأبوة!”
سامح وشه بقى جاب ألوان، وأختي عبير بدأت تصرخ وتبطش بإيديها في الهوا:
— “مش هيحصل! على جثتي الجوازة دي تتم! أنا هقول لأبويا وأمي، وهخلي العيلة كلها تقف في وشك! أنت عايز تفضحنا وسط الناس؟ الناس يقولوا إيه؟ الأخ اتجوز طليقة جوز أخته؟!”
قلت لها بكل حسم:
— “خليهم يقولوا اللي يقولوه. الناس شافوا أختي بتاخد راجل من مراته وعيلته وهو متجوزها عرفي في السر.. ما حدش اتكلم وقتها ولا حد فتح بقه! دلوقتي لما أروح أتجوز واحدة مطلقة بالحلال وعلى سنة الله ورسوله ومن باب بيتها وأمام كل الناس، هيبقى ده اللي يعيب؟ العيب يا عبير هو الغدر والخيانة، مش الجبر والصيانة!”
سيبتهم واقفين في الصالة زي التماثيل، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. قعدت على السرير وصدري بيطلع وينزل من كثرة الانفعال، بس كان جوايا إحساس غريب بالراحة.. إحساس إني أخيرًا باخد حق المظلوم، وإني بحمي الإنسانة اللي قلبي اختارها.
مسكت التليفون وطلبت رقم يارا. رنت رنتين وفتحت الخط، وصوتها الرقيق المتردد جه من الناحية التانية:
— “ألو.. السلام عليكم.”
أخدت نفس عميق وابتسمت:
— “وعليكم السلام يا يارا.. أنا كلمت أهلي، وبلغتهم إن خطوبتنا وقراية الفاتحة الجمعة الجاية زي ما اتفقنا.”
سكتت يارا لحظة، وسابقت نبرة صوتها الشك والقلق:
— “هو.. هو حصل حاجة عندك؟ صوتك متوتر.. سامح أو أختك عرفوا؟”
رديت بثبات وصوت دافي:
— “عرفوا.. وقلت لهم بنفسي وفي وشهم، وعينيا في عينهم. وما تخافيش من أي حاجة في الدنيا.. طول ما أنا حي، ما حدش يقدر يمس شعرة منك ولا من ابنك. جهزي نفسك وأبوك، عشان أنا جاي أطلب جوهرة، وما عنديش أغلى منك.”
يارا بكت بالراحة على الناحية التانية، بكاء إنسان أخيرًا حس إن في حيطة قوية يستند عليها بعد ما الدنيا كلها مالت بيه. قالت بصوت يرجف من الفرحة والمشاعر:
— “ربنا يخليك ليا وما يحرمني منك.. أنا كنت خايفة، بس كلامك ده رجعلي الروح.”
قفلت مع يارا، وفي نفس اللحظة سمعت خبط شديد على باب أوضتي وصوت عبير بتبكي وبتصرخ، وصوت سامح بيتكلم في التليفون بره بيزعق وبيعلي صوته، كأنه بيكلم حد من أهله عشان يتدخلوا.
خرجت من الأوضة بكل هدوء، لقيت سامح بيحط التليفون في جيبه وبيبصلي بشر:
— “أنا كلمت أبوك.. وهو جاي في الطريق دلوقتي، وهنشوف بقى مين اللي كلامه يمشي في البيت ده!”
قعدت على الكنبة، حطيت رجل على رجل، وبصيت له بمنتهى الثبات والبرود وقلت له:
— “ينور أبويا.. عشان يشوف بعينه الراجل اللي بيصون، والراجل اللي بيخون.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



