عام

حكايات امانى السيد 3

المكان مغطى بالورود البيضاء والأنوار الدافئة، وأشهر الموسيقيين يعزفون مقاطع كلاسيكية ساحرة. جميع رجال الأعمال، الوزراء، والدبلوماسيين كانوا حاضرين، ليس فقط لحضور الحفل التأكيدي لشراكة المليارات بين “الشهابي والشريف”، بل لحضور حفل الزفاف الأسطوري الذي أعلنه عاصم الشريف لـ “ندى”.

كانت دينا، الزوجة الثانية الهاربة والمفلسة، تقف وسط الجموع خارج الفندق في زي بسيط ومزري، متخفية بين المارة والمصورين، تراقب الشاشات العملاقة المعروضة في الشارع. دموع الغل والحسرة كانت تحرق وجهها وهي تشوف ندى طالعة على الدرج الرخامي بطلة أذهلت الجميع.

كانت ندى ترتدي فستان زفاف أبيض ملكي مطرزاً بألماس خالص، طرحتها الطويلة تتسحب خلفها بكبرياء، ووجهها المشرق لا يحمل ذرة واحدة من الحزن القديم. يداها كانت ممتدة في يد عاصم الشريف، الذي كان ينظر إليها بنظرات تقاطر حبًا وفخرًا وحماية، وكأنه يملك العالم بوجودها جنبه.

اقترب الصحفيون والكاميرات وتزاحموا، ووجه أحد كبار الصحفيين الميكروفون لندى وسألها بصوت واصل للشاشات وللجمهور:

“مدام ندى الشهابي.. بعد كل اللي مريتي بيه، وبعد سقوط إمبراطورية جاسر الألفي ودخوله السجن المؤبد، إيه الرسالة اللي تحبي توجيهها للستات اللي بيتعرضوا للظلم والقهر، وإيه مشاعرك ناحية الماضي؟”

وقفت ندى وثبتت نظراتها أمام الكاميرا بثقة تامة وابتسامة هادئة هزت القلوب، وقالت بنبرة حاسمة وواثقة:

“الماضي بالنسبة لي مش أكتر من رماد تحت جزمات المستقبَل. والرسالة لكل ست اتظلمت فاتفكرت ضعيفة: القوة مش إنك ما تتقهريش، القوة إنك تقومي من تحت الردم وتسكتي الكل بنجاحك. الظالم بيقع بأعماله، والحق بيرجع طالما صاحب الحق بيعرف يقف على رجليه وما يستسلمش.”

صفق جميع الحضور في القاعة بإعجاب شديد شدّ الأنفاس، وعاصم الشريف مال عليها وطبع قبلة حنونة على رأسها أمام كل الكاميرات، وهمس لها بصوت سمعه الميكروفون بالخطأ من شدة قربه:

“أنتِ ملكتي يا ندى.. والنهارده صفحة الوجع اتقفلت للأبد، واللي جاي كله ملكنا.”

وفي غياهب السجن، كان جاسر يتابع اللقاء نفسه عبر شاشة التليفزيون المعلقة في ممر السجن. رأى ابتسامتها، رأى نظرة الحب في عيني عاصم لها، ورأى كيف أصبحت ندى الساذجة البسيطة هانم المجتمع الأولى التي يصفق لها القاصي والداني.

انتابته موجه جنون صامتة، بدأ يضرب رأسه بالجدار الحجري وصوته يخرج في صرخات مكتومة مكتومة بالدموع:

“أنا اللي عملت كده في نفسي! أنا اللي رميت الألماس في الزبالة وجريت ورا التراب! يا ريتني ما ظلمتك يا ندى.. يا ريتني ما ظلمتك!”

سقط على الأرض يشهق بالبكاء والندم الذي أكل قلبه وجسده، متأكداً أن جدران السجن هذه ستكون نهايته، وأن ندى طارت إلى سماء لا يمكن له حتى أن يلمح طيفها فيها بعد اليوم.

وفي داخل الحفلة، استأذن عاصم من الضيوف وأخذ ندى من يدها بعيداً عن الكاميرات، وطلعوا للرووف الخارجي للمبنى تحت السماء المليئة بالنجوم.

نظرت ندى للسماء وتنفست الهواء النقيبعمق، وقالت وهي ساندة رأسها على كتف عاصم:

“عارف يا عاصم.. لأول مرة من سنين أحس إن صدري خفيف، وإن الكابوس انتهى بجد.”

لف عاصم ذراعيه حولها وضمها لحضنه بآمان كامل وقال بصوت دافئ:

“انتهى يا حبيببتي.. بس مش دي النهاية. بكرة الفجر طيارتنا هتقوم على إيطاليا، وهنبدأ الرحلة اللي بجد بعيد عن كل البشر والقضايا والورق.”

ابتسمت ندى ورفعت رأسها له، والشرارة في عيونها كانت بتقول إنها وصلت لبر الأمان مع الراجل اللي يستاهلها.

لكن.. وفي العتمة الخارجية للشارع، كان هناك ظل لشخص مجهول واقف بعيد بيمسك تليفون وبيسجل كل حركة لـ ندى وعاصم، وهمس في الموبايل لنبرة خبيثة ومظلمة:

“تم يا باشا.. العريس والعروسة طالعين على المطار بكرة الفجر.. والهدية اللي جهزناهالهم في إيطاليا مستنياهم هناك.”

في صمت الفجر الهادئ، كانت الطائرة الخاصة لـ “عاصم الشريف” تخترق السحاب متجهة نحو العاصمة الإيطالية روما. داخل الكابينة الفاخرة، كانت ندى نائمة في أمان تام على كتف عاصم، الذي كان يربد على شعرها بحنان، وعيناه تتأملان وجهها الصافي الذي استرد نضارته وكبرياءه بعد سنين من القهر والظلم.

أول ما نزلوا في مطار روما، كانت السيارتين التابعتين لعاصم في انتظارهم. تحركت القافلة نحو القصر التاريخي الذي يملكه عاصم على ضفاف بحيرة “كومو” الساحرة. كان المكان يشبه الحلم؛ الجبال الخضراء تقابل المياه الفيروزية، والهدوء يلف القصر من كل جانب.

ندى خرجت للشرفة الكبيرة المباشرة على البحيرة، رفعت يديها وصدرها ينبض بالراحة، وتنفست هواء إيطاليا النقية بابتسامة نصر صفية. قرب عاصم منها، وحضنها من الخلف وهو بيحط ذراعيه حول خصرها وبيهمس في أذنها:

“مرحباً بيكي في مملكتك الجديدة يا مدام ندى الشريف.. هنا مفيش ماضي، مفيش جاسر، ومفيش أي وجع يقدر يوصلك.”

ندى لفت وشها وبصلته بحب حقيقي:

“أنا مش خايفة من حاجة وأنا جنبك يا عاصم.. أنت مش بس أنقذتني، أنت رجعتلي نفسي اللي كانت ماتت.”

لكن.. وفي هذه اللحظة بالذات، في شوارع العاصمة القاهرة، كانت الأمور تتطور في اتجاه آخر.

الظل المجهول اللي كان بيراقبهم، كان يتبع شخصية لم تكن في الحسبان؛ “فارس الجبالي”.. أكبر حوت للمقاولات في المنطقة والشريك السرّي القديم للرجل الأعمال المنافس لعاصم. فارس كان قاعد في مكتبه بيبص على صور ندى وعاصم في روما، وبيسمع تسجيلات التليفون.

دخل عليه مساعده الخاص وقال بتوتر:

“يا فارس بيه.. الخطة جاهزة في إيطاليا، برجالنا اللي هناك نقدر نخلص على عاصم ونثبت إنها حادثة غرق في البحيرة، وندى هترجع مصر مكسورة ومصادمة وأملاك الشريف كلها هتتحول للشركاء!”

فارس مسك الصور، وبص لصورة ندى القوية الواثقة، وابتسم ابتسامة مريبة ودهاة، وبعدين مول الصورة في النار وقال بصوت حاد قاطع:

“المرادي لأ يا غبي.. عاصم الشريف مش هيموت بحادثة غرق رخيصة، ولا ندى هتتكسر تاني. ندى بقت هي المفتاح لكل سوق العقارات في الشرق الأوسط بعد ما استحوذت على أسهم الألفي وتكتل الشهابي.. والست دي مش هتموت، الست دي تلزمني أنا!”

مساعده اتسعت عينيه بصدمة: “تلزمك أنت يا فندم؟! بس دي مراته!”

رد فارس بشرارة جنون :

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى