
فجأة، وبدون ما يتردد لحظة واحدة، أحمد لف ومرق زي المجنون ناحية باب المطبخ الخلفي اللي بيفتح على الجنينة، وهو بيلهث ويهزي بكلام مش مفهوم! كان عايز يهرب من الواقع، يهرب من اللحظة اللي هينكشف فيها كل شيء قدام العيلة كلها وبشهادة التحاليل الرسمية.
طارق زق الكرسي وجري وراه بسرعة، وعم جوزي صرخ بصوت هز المكان: “امسكه يا طارق! ما تخليهوش يخرج!”
سمعنا صوت كركبة جامدة في المطبخ، وصوت أطباق وصواني بتتكسر على الأرض.. وبعد ثواني، طارق كان جاره من لياقة قميصه ودخله الصالة تاني بالقوة. أحمد كان بيبكي بحرقة، دموعه نازلة على وشه، وشكله مكسور ومهان بطريقة ما تُوصفش. الـ”حفيد المثالي” اللي كانوا بيتباهوا بيه، مابقاش فاضل منه غير بواقي راجل مرعوب من حقيقته.
حماتي زحفت على الأرض وهي بتبكي وتترجى طارق وعم جوزي:
ارحموه! ارحموه عشان خاطر ربنا! أحمد ملوش ذنب.. أنا اللي عملت كل حاجة! أنا اللي خططت وأنا اللي مشيت في الطريق ده عشان أحافظ على بيتي وعلى اسم أبوه! ما تكسروهش قدام الناس!
أنا وقفت واتطلعت فيهم ببرود تام.. النظرة اللي كانوا بيبصولي بيها بقالهم تلات سنين، نظرة التعالي والشفقة المزيفة، ردت لهم في لحظة واحدة.
قلت لحماتي وأنا ببتسم بمرارة:
ذنب؟ ولما سيبتوني تلات سنين أتعالج بجرعات أدوية وهرمونات هدّت جسمي وجابتلي اكتئاب.. ما فكرتيش في ذنبي؟ لما كنتوا بتقولوا قدام القرايب في كل مناسبة “الست اللي ما بتجيبش عيال ملهاش لازمة”.. ما فكرتيش في كسرتي؟ أنتِ وابنك كنتوا عارفين الحقيقة، وكنتوا بتتفرجوا عليا وأنا بأتكل من جوة، وبتحموا نفسكم على حساب صحتي ونفسيتي وشرفي!
سعاد كانت قاعدة في الزاوية، ماسكة بنتها الصغيرة ومتثمرة مكانها، عينها في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في ابنها طارق ولا في جوزها حسام.
في اللحظة دي، جرس الباب الخارجي رن دقات متتالية ورسمية.
عم جوزي بص للباب، وشه كان زي الحجر، وقال بصوت صلب مفيش فيه أي تراجع:
افتح يا طارق.. ده الفني بتاع المعمل وصل.
طارق راح فتح الباب بنفسه، ودخل شاب معاها شنطة التحاليل والأدوات الطبية. المكان كله اتحول لمشرحة، مفيش فيه غير صوت الأنفاس العالية والمتوترة.
الفني بص للوجوه الشاحنة وسأل باستغراب:
حسام بيه؟ أنا جاي بناءً على الطلب المستعجل لأخذ عينات الـ DNA.. مين الأطراف المطلوب سحب العينات منهم؟
عم جوزي شاور بإيده بثبات، وقال بصوت واضح ومسموع للجميع:
البنت الصغيرة دي.. وأمي سعاد.. والراجل ده..
وشاور على أحمد!
أحمد غمض عينيه وصرخ بانهيار:
لا! أنا مش هعمل تحليل! مش من حق حد يجبرني!
لكن عم جوزي قرب منه وقاله بنبرة تقطع أي أمل:
لو ما عملتش التحليل ده برضاك يا أحمد.. الأوراق والتقارير اللي مع نور هتروح للنيابة الصبح بانتشار وتزوير في أوراق رسمية واختلاس أموال الشركة.. اختار أنت بنفسك، التحليل هنا في الستر.. ولا في المستشفى العام وبأمر النيابة؟
السكوت رجع خيم على الفيلا تاني.. والفني بدأ يجهز السحبات والأنابيب.
لكن في وسط الرعب ده كله.. حماتي رفعت رأسها فجأة وبصتلي بنظرة غريبة جداً، وقالت بصوت واطي ومخيف:
فاكرة إنك كده طلعتي الكسبانة يا نور؟ فاكرة إنك لما تفضحينا هتمشي بسلاسة؟ أنتِ نسيتي الأوراق اللي أنتِ ماضية عليها ليلة جوازك؟!
الجملة اللي قالتها حماتي وقعت في الأوضة زي المية الساقعة، لكنها ما هزتش شعرة واحدة مني.
أحمد طالع أمه بذهول، وعم جوزي وطارق بصوا لها باستغراب، وكأنها بتتعلق بقشة أخيرًا عشان تنقذ نفسها أو تأذيني قبل ما تقع.
حماتي وقفت بالعافية، ومسحت دموعها بإيد بتترعش، وبصتلي بابتسامة صفرا مليانة غل وقالت:
نسيتي المؤخر والوصلات؟ نسيتي التنازل اللي خليتك تدمصي عليه على بياض ليلة الجواز بحجة “ضمان حق العيلة” عشان وافقنا نتجوزك وأنتِ مش من مستوانا؟! أنا أقدر أوديكي في داهية وأحبسك بالوصلات دي بكرا الصبح! أخرجك من البيت ده بلبسك اللي عليكِ ومكسورة العين!
أحمد بص لأمه كأنه بيشوفها لأول مرة، لكنه ما نطقش.
أنا ضحكت.. ضحكة هادية وطويلة خرجت من قلبي، ضحكة حد كان عامل حسابه لكل خطوة ولكل نفس في اللعبة دي. طلعت من شنطتي ظرف تاني أسود، وصغير، ورميته على الترابيزة قدام عم جوزي وطارق.
قلت لها بنبرة أبرد من التلج:
قصدك الوصلات والتنازل اللي كنتِ حطاهم في الخزنة الحديد في أوضة مكتب المرحوم؟ اللي كنتِ فاكرة إن محدش يعرف سر الرقم السري بتاعها غيرك؟
حماتي وستها اتخطف، ورجعت خطوة لورا وهي بتشهق.
كملت كلامي بثقة:
الوصلات دي اتعدمت واتحرقت من ست شهور يا حماتي.. يوم ما عرفت حقيقة ابنك والدكاترة اللي بتبعتوني ليهم. والظرف اللي قدام عمي طارق ده، فيه تقرير المحاسب القانوني اللي بيثبت إنك سحبتِ المبلغ المكتوب في الوصلات دي لحسابك الشخصي ودخلتيه في أصول باسمك، يعني حتى لو حاولتِ تشتكيني، التقرير ده كفيل يثبت اختلاسك وأنتِ اللي تروحي السجن.
طارق مسك الظرف، فتح القسيمة وقراها، وبعدين بص لأمه بنظرة خالية من أي رحمة وقرّب منها:
أنتِ وصلتي للدرجة دي؟ بتهدديها بوصلات أمانة مزورة وخيانة أمانة؟! أنتِ بتمحي أي أثر لاحترامنا ليكي كأم!
عم جوزي وقف في النص، وشاور للفني بتاع المعمل:
اسحب العينات يا ابني.. خلصنا.
الفني قرب من أحمد، وأحمد المرة دي ما قاومش.. استسلم تمامًا. قعد على الكرسي وزي الألعاب المحركة، مد إيده وهو باصص للأرض، وعينيه فاضية من أي أمل. سحبوا العينة منه، وبعدها من سعاد، ومن البنت الصغيرة اللي كانت بتعيط ومش فاهمة حاجة.
الفني لم حاجته وقال بنبرة رسمية:
النتيجة المبدئية للـ DNA هتكون جاهزة خلال 48 ساعة، والتقرير الرسمي هيوصل لحضرتك يا حسام بيه.
أول ما الفني خرج وقفل الباب وراه، السكوت رجع خيم على المكان.. بس المرة دي كان سكوت النهاية.
أنا لميت شنطتي بالراحة، حطيت فيها تليفوني وأوراقي، وبصيت لأحمد اللي كان قاعد مكسور على الكرسي، ثم نقلت نظرتي لحماتي وسعاد اللي كانوا زي الجثث الهامدة.




