
باب الشقة اتقفل بصوت عالي هز البيت كله، وجملته الأخيرة فضلت ترن في وداني كأنها جرس إنذار: “بكرة تعرفي تمن الغلطة دي كويس يا نجلاء”.
بصيت حواليا، لقيت بناتي التلاتة واقفين عند باب الأوضة، عيونهم مليانة خوف ودموع. مريم الكبيرة – اللي بقت تحس بوجعي من غير ما أكلم – جريت نحوي وحضنتني جامد وقالت بصوت مهزوز:
* “ماما.. بابا كان بيكلمك في إيه؟ هو زعلان ليه تاني؟”
ضميتها لصدري بقوة، وحسيت بسلمى وليان بيجروا يمسكوا في فستاني. طمئتهم بصوت مكتوب عليه الوجع:
* “مافيش يا حبايب قلبي.. بابا بس مشغول شوية في الشغل.. ادخلوا ناموا وأنا شوية وجايالكم.”
دخلت البنات الأوضة، وقعدت لوحدي على الكرسي وأنا حاسة إن الدنيا مقفلة من كل ناحية. حسام مابقاش زي الأول؛ الجشع عمى عيونه لدرجة إنه بقى عايز يحرم بناته من ميراث جدهم عشان يرضي مراته التانية وولادها. أرض أبويا.. عزوتي وسندي الوحيد في الدنيا، اللي وصاني عليها وأنا على كف إيده، عايزني أتنازل عنها بكل البساطة دي!
تاني يوم الصبح، حسام ما ظهرش في البيت. كنت متوقعة إنه هيرجع يضغط عليا تاني، بس اللي حصل كان أصعب بكتير. جه لي تليفون من واحد من أعيان البلد، جارنا القديم وعم الناس كلها، عم صابر. قال لي بصوت جاد وقلق:
* “يا بنتي نجلاء.. أنا سمعت كلام مش عاجبني خالص في البلد، وحبيت أبلغك عشان تحافظي على حقك وحق بناتك.”
قلبي قبض، وسألته بصوت مرتبك:
* “خير يا عم صابر؟ إيه اللي حصل؟”
رد وقال:
* “حسام جوزك لف على واحد من المحامين، وبيحاول يشوف طريقة يسجل بيها أرض أبوكي الله يرحمه باسمه، وبيقول للناس إنك بايعاهاله بعقد قديم، أو إنه يقدر يضغط عليكِ قانوني عشان تتنازلي. اوعي يا نجلاء تكتبي حاجة.. الأرض دي ملكك لوحدك، وشرع ربنا وقانون الأرض في صفك، بس هو بيحاول يستغل طيبتك وضعفك.”
الشكر لله ثم لعم صابر اللي نبهني في الوقت المناسب. قفلت السكة وأنا حاسة بنار والشر في صدري. الجوازة التانية خلته ينسى عشرة السنين وبناته اللي ربّتهم بدم قلبي.
في اليوم ده بالذات، قررت إني مش هسكت. مش هسمح له يسرق تعب أبويا ولا يستخسر اللقمة في بناتي. نزلت بسرعة ورحت لأقرب محامي شاطر وثقة في البلد، وحكيت له كل حاجة من أولها لآخرها، من أول إرث أبويا لحد تهديدات حسام وجوازه الثاني.
المحامي سمعني بتركيز شديد، وبعد ما خلصت، ابتسم وقال لي برياح:
* “اطمني خالص يا مدام نجلاء. الأرض دي ميراث شرعي مسجل باسمك عقودها رسمية وواضحة ومرريّة، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تخلّيكِ تتنازلي عنها غصب عنك، حتى لو جوزك جاب ألف شاهد زور. وعشان نحمي حقك صح، هنعمل محضر إثبات حالة بالتهديدات، وهنعمل إنذار رسمي على يد محضر بأن أي تصرف في الأرض أو محاولة تزوير هتتعرض للمساءلة الجنائية.”
رجعت البيت وأنا حاسة إن ظهري اتسند شوية، بس كنت عارفة إن المعركة مع حسام لسه مبداتش بجد.
بالليل، رجع حسام البيت.. بس المرة دي مش لوحده. دخل وهو ماسك في إيده أوراق غريبة، وورا أخته الكبيرة “حياة” اللي كانت معروفة بسلاطة لسانها وقسوة قلبها. قعدوا في الصالة، ونادى بصوت عالي:
* “يا نجلاء.. تعالي اقعدي.. جبنالك ناس تفهمك الصح من الغلط.”
طلعت وقفت قصادهم بكل ثبات، وبصيت له وبصيت لأخته بثقة من غير أي خوف. قلت بصوت هادئ وقوي:
* “أنا سامعاك.. قول اللي عندك.”
حسام بص لأخته وابتسم باستهزاء، وقالت أخته حياة وهي بتشوح بإيديها:
* “شايفه نفسك على إيه يا نجلاء؟ فاكرة نفسك قوية عشان أبوكي سابلك حتة أرض؟ يا حبيبتي الراجل اتجوز وخلف ولاد يشيلوا اسمه، والأرض دي حق الولدين، مش للبنات اللي بكرة يتجوزوا وينسوا أبوهم. اكتبي الأرض لحسام حالا، ولمّي هدومك لو مش عاجبك، بدل ما نرميكي إنتي وبناتك في الشارع.”
الجملة دي نزلت عليّ زي الصاعقة.. رميي في الشارع؟ معقولة للدرجة دي بقيت رخيصة عنده وعند أهله؟
لكن بدل ما أبكي أو أضعف، حسيت بروح أبويا بتنطق جوايا. بصيت لحسام مباشرة، وقلت بصوت عالي وواضح خلى البيت كله يهتز:
* “تخرجوني أنا وبناتي من بيتنا؟ وعلى إيه؟ عشان طماعين وعايزين تاخدوا حق البنات وتدوه لولاد التانية؟ اسمعني يا حسام كويس أنت وأختك.. الأرض دي بتاعتي ومش هكتبها لو ينطبق السما على الأرض.. وإياك تفكر تلمس شعرة من بناتنا، لأن القانون والمحاكم هي اللي هتحكم بيننا، وكل محاولة تزوير أو ضغط هتعملها هدخلكم بيها السجن!”
حسام وقف مكانه مذهول، ووشه اتقلب للون الأحمر من الغضب، ورفع إيده في الهوا وقال بصوت مرعب:
* “بقى كده يا نجلاء؟ بتعلي صوتك عليّا؟ طالما دي طريقك، يبقى تشربي بقى من اللي هيحصلك.. اعتبري نفسك طالق..!”




