
لكنها لم تكن شروق القديمة المكسورة الخاضعة؛ بل كانت امرأة أخرى كلياً، ترتدى بدلة رسمية أنيقة، يكسو وجهها ثقة وهيبة طاغيتان، وعيناها تحملان نظرة من القوة والتحدي لم يرهما من قبل أبداً.
صعق عمر من الشلل المؤقت، وسقطت الأوراق من يديه. تذكر كلماتها الأخيرة في يوم طلاقهما: **”هخليك تندم.. أنا بكرهك”**. أدرك حينها أنه خسر الجوهرة الحقيقية الوحيدة التي أحبته لذاته، وباعها من أجل نزوة وطمع.
لمש يتردد عمر لحظة واحدة، ركب سيارته بجنون وانطلق نحو المحافظة الساحلية التي تعمل فيها، متجاهلاً اتصالات بسنت الغاضبة التي كانت تصرخ في الهاتف. وصل إلى مقر شركتها الجديدة، ودخل الباب بخطى متوترة، وطلب من السكرتارية مقابلة المديرة العامة.
نظر إليه موظف الاستقبال بابتسامة عملية وقال ببرود:
* **”هل لديك موعد مسبق يا فندم؟ المديرة شروق لا تستقبل أحداً بدون موعد، وخاصة الشخصيات العشوائية.”**
هتف عمر بعصبية وصوت مرتجف:
* **”قولها عمر.. جوزها… عذراً، طليقها عمر برة وهي هتقابلني فوراً!”**
بعد دقائق قليلة، فتح باب المكتب الفخم، وخرجت شروق بخطوات ثابتة وواثقة، ترتدي نظارة شمسية أنيقة رفعتها ببطء لتنظر إليه مباشرة. لم تتحرك في وجهها أي عاطفة؛ لا حب، لا غضب، ولا حتى كراهية… كان البرود تاماً والخلاء الكامل، وكأنها تنظر إلى شخص غريب تماماً لا يعنيه أمرها في شيء.
وقفت أمامه، وابتسمت بسخرية لاذعة وقالت بصوت هادئ وقوي:
* **”أهلاً يا عمر.. غريبة، إيه اللي جابك لحد هنا؟ هو الهوان والظلم خلصوا في العاصمة وجاي تدور عليهم تاني عندي؟”**
شعر عمر بالأرض تميد تحت قدميه، وتقدم خطوة نحوها متوسلاً بدموع حقيقية هذه المرة:
* **”شروق.. ارجعي لي.. أنا عرفت غلطتي، بسنت دمرتني وحياتي بقت أسوأ كابوس، وأنا متندم على كل ثانية ضيعتك فيها.. سامحيني، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي مرتي!”**
نظرت إليه شروق نظرة أخيرة ملؤها الاحتقار والشفقة، ثم أدارت ظهرها له وقالت بكل برود لموظف الأمن الواقف بجوارها:
* **”من فضلك.. اخرج هذا الشخص من الشركة فوراً، ولا تسمح له بالاقتراب من هنا مرة أخرى.. فوقتي أغلى بكثير من أن أضيعه في سماع أعذار .”**
التفتت إليه وهي تبتسم بانتصار قائلة قبل أن تغلق باب مكتبها في وجهه:
* **”كنت خايفة من المطلقة يا عمر؟ اطمئن.. أنا اليوم لست مجرد مطلقة، أنا سيدة مصيري ومن صنعت مجدي بنفسي.. بينما أنت، بقيت وحدك مع خيبتك.”**
وأُغلق الباب في وجهه ليبقى صاغراً، غارقاً في ندم أبدي لا ينفع معه بكاء ولا رجوع.



