
بقى يسألني عن رأيي في بعض الملفات، ويطلب مني أحضر اجتماعات مهمة. وفي مرة، وأنا خارجة من الشركة متأخر، لقيته واقف عند عربيته. قال: — إنتِ لسه هنا؟
— كان شغل لازم أخلصه.
بص للساعة وقال: — الساعة عشرة بالليل.
ابتسمت بتعب. — معلش يا فندم، الشغل كتير.
سألني: — هتروحي إزاي؟
— مواصلات.
وشه اتغير. — في الوقت ده؟
— متعودة.
طلب من السواق يوصلني، لكني رفضت في الأول. قال بهدوء: — اعتبريه إجراء أمان لأي موظفة بتتأخر في الشركة.
ومن يومها، بدأ يهتم إن الموظفين اللي بيتأخروا يكون ليهم وسيلة رجوع آمنة. ماكنتش أعرف إن اهتمامه بيا بدأ ياخد شكل تاني.
بعد ست شهور، أمي دخلت المستشفى. كنت محتاجة مبلغ كبير علشان العملية، واضطريت أطلب سلفة من الشركة. تاني يوم، آسر طلبني في مكتبه. قال: — والدتك عاملة إيه؟
استغربت إنه يعرف. — تعبانة يا فندم، بس الحمد لله.
— العملية إمتى؟
— لسه بحاول أوفر المبلغ.
فتح درج مكتبه، وطلع ملف. — الشركة عندها نظام دعم للحالات الطبية الطارئة، وطلبك اتوافق عليه.
اتصدمت. — بس أنا لسه مقدمة الطلب امبارح!
قال بهدوء: — الحالة مستعجلة.
دموعي نزلت غصب عني. — مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.
رد بجدية: — اشكريني لما والدتك تقوم بالسلامة.
وبالفعل، العملية اتعملت ونجحت. بعدها بأسبوعين، آسر طلب يقابل أمي. افتكرت إنه عايز يطمن عليها. لكن لما جه البيت، كان معاه عمه، وطلب إيدي للجواز! فضلت باصة له وأنا مش مصدقة. آسر الجندي، الراجل اللي اسمه بيتقال في نشرات الاقتصاد، جاي يتقدم لبنت بسيطة زيي؟!
أمي سألته: — وإنت ليه اخترت مريم يا ابني؟
بصلها باحترام وقال: — علشان بنت حضرتك عندها حاجات الفلوس متقدرش تشتريها. وبعدين بصلي وكمل: — عندها ضمير، وكرامة، وقلب نضيف… وأنا محتاج شريكة حياة، مش مجرد ست تحمل اسمي.
ماكنتش عارفة أرد. طلبت وقت أفكر. وهو وافق من غير ضغط. بعد أيام من التفكير والاستخارة، وافقت. اتجوزنا في حفل عائلي بسيط بناءً على رغبتي. ورغم إن آسر كان يقدر يعمل فرح يتكلم عنه البلد كلها، احترم قراري. لكن كان عنده طلب واحد.
قاللي ليلة كتب الكتاب: — مريم، أنا عايز جوازنا يفضل بعيد عن الإعلام شوية.
استغربت. — ليه؟
— عندي صفقة استحواذ كبيرة، وفي ناس بتحاول تستغل أي معلومة عن حياتي الشخصية علشان تضغط عليا.
سألته: — يعني هنخبي جوازنا؟
مسك إيدي وقال: — مش هخبيكي يا مريم، إنتِ مراتي قدام ربنا والناس اللي تهمنا، والجواز رسمي ومعروف لأهلنا. بس مش عايز الصحافة تدخل حياتنا دلوقتي.
وافتقت. ماكنتش بحب الشهرة أصلًا. وبدأت حياتنا مع بعض. أول شهور الجواز كانت مختلفة تمامًا عن اللي توقعته. آسر كان صارم مع الناس كلها، لكن معايا كان هادي وحنين. كان أحيانًا يرجع من الشغل مرهق، ويقعد جنبي من غير ما يتكلم.
أسأله: — مالك؟
يرد: — يوم طويل.
أقوله: — طب تحب أعملك شاي؟
يبتسم ويقول: — أنا محتاج أقعد معاكي بس.
وبعد أربع شهور من الجواز، عرفت إني حامل. كنت طايرة من الفرحة. اشتريت علبة صغيرة، وحطيت جواها صورة السونار، ومعاها ورقة مكتوب فيها: “مبروك يا بابا… استناني بعد كام شهر.”
لما رجع آسر، اديته العلبة. فتحها، وبص للصورة. فضل ساكت لدرجة إني قلقت. — آسر؟ إنت مش فرحان؟
رفع عينه، وكانت أول مرة أشوف فيها دموعه. — أنا هبقى أب يا مريم؟
ضحكت وأنا بعيط. — أيوه.
حضني وقال: — ده أجمل خبر سمعته في حياتي.
لكن الفرحة دي ماكملتش من غير مشاكل. بعد أسابيع، بدأت توصل لآسر تهديدات من منافسين ليه في الشغل. وفي نفس الوقت، حصلت أزمة كبيرة في واحدة من شركات المجموعة. آسر اضطر يسافر فترة علشان يتابع الأزمة بنفسه.
وقبل ما يسافر، طلب مني أقعد في الفيلا، وأي حاجة أحتاجها أطلبها من مدير مكتبه. لكن أنا كنت مخنوقة. كنت حاسة إني محبوسة وسط الخدم والحراسة. وفي يوم، حصل بينا خلاف في التليفون.
قلتله: — أنا مش عايزة أعيش طول عمرى مستنية حد يجيبلي كل حاجة!
رد بتعب: — مريم، أنا مش مانعك تخرجي، أنا بس قلقان عليكي.
— بس أنا محتاج أحس إني إنسانة طبيعية!
سكت شوية وقال: — حاضر يا حبيبتي، أول ما أرجع نتكلم.
قفلت المكالمة وأنا متضايقة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


