
“حاضر يا حازم، هكون عندك بكرة الساعة 12 الضهر، هجيب معايا شوية أوراق كنت عايزك تشوفها.”
في تلك الليلة، لم تنم داليا. فتحت جهاز الكمبيوتر الخاص بها، وبدأت في تجميع “الملف 97”.
من خلال علاقاتها القديمة في الكلية وبعض زملائها في مجال التقنية، بدأت تحفر خلف ريم الألفي ووالدها رجل الأعمال المعروف. اكتشفت المفاجأة الأولى: والد ريم يدير شركة استيراد وتصدير كبيرة، وحازم يعتمد كلياً على والد ريم في الحصول على عقود لتأسيس شركته الناشئة، بل إن حازم كان قد وقّع على إيصالات أمانة وشيكات لشركة الألفي كضمانات مالية لمشاريع لم تبدأ بعد!
حازم لم يكن يخدم ريم بدافع الحب فقط، بل كان عبداً لمال والدها ومستقبله مرهوناً برضاها.
في اليوم التالي، في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، وصلت داليا إلى شقة حازم في التجمع.
كان ينظر إليها بابتسامة صفراء مليئة بالاستخفاف، يضع ضمادة صغيرة زرقاء على ذراعه ليتمثل دور المريض الذي يتعافى بمعجزة.
قال حازم بنبرة تمثيلية:
“داليا حبيبتي.. تسلم إيدك على كيس الدم، الدكتور قال إن الفصيلة دي هي اللي أنقذتني من نزيف داخلي كان هيضيعني.. أنتِ بجد أصيلة.”
ابتسمت داليا ابتسامة هادئة، وشعرت بقرف شديد يخنقها، لكنها تمالكت نفسها وقالت:
“أهم حاجة سلامتك يا حازم.. الفلوس والدم وكل حاجة تهون عشانك.”
جلس حازم على الكنبة، وسحب ملفاً من على الطاولة وقال:
“بصي بقى، المقلـ.. قصدي الحادثة دي أخرتنا شوية، ومحتاج منك 3 حاجات عشان نخلص أوراق الشقة والشركاء الجداد. أول حاجة: تعملي لي تنازل عن الشقة الصغيرة اللي كتبها باسمك باباكي قبل ما يسافر. تاني حاجة: تمضي على ورقة إنك تنازلتي عن أي حقوق في مشروع التخرج اللي عملناه سوا. وثالث حاجة: توفقي إننا نأجل الجواز سنة كمان عشان الظروف.”
كانت هذه هي الضربة رقم 97، 98، و99 التي كان يخطط لها لإكمال مائة انتقام وتدميرها بالكامل قبل أن يرميها لريم.
نظر إليها حازم ينتظر بكيها أو اعتراضها كالعادة، لكن داليا حركت رأسها بهدوء، وأخرجت من حقيبتها قاطعة أوراق وقلمين، وقالت:
“مفيش مشكلة يا حازم.. أنا موافقة على كل ده، بس بشرط واحد صغير.”
عقد حازم حاجبيه باستغراب: “شرط؟ شرط إيه؟”
قالت داليا وهي تنظر في عينيه مباشرة:
“بابا وهو بيخلص أوراق مرسى مطروح، اكتشف إن الشقة المكتوبة باسمي عليها شرط مانع للتصرف إلا بتوقيع الشريك التاني.. والشريك التاني ده هو أنت، بس أنت لازم تمضي على إقرار استلام النسبة عشان التنازل يكمل قانوناً.”
أخرجت داليا ورقة مطبوعة بعناية فائقة، كانت قد أعدتها طوال الليل. الورقة في ظاهرها إقرار استلام عقاري، لكن في أسطرها الوسطى المكتوبة بلغة قانونية معقدة ومدمجة، كانت عبارة عن تنازل رسمي وموثق من حازم عن كفالة الشركة والتزامات الشيكات لصالح جهة استثمارية منافسة لوالد ريم الألفي!
حازم، بجهله القانوني وغروره الشديد وثقته بـ “هبل داليا” كما كان يصفها، لم يقرأ التفاصيل. مسك القلم ووقع وهو يبتسم بسخرية:
“أدي التوقيع يا ستي.. ها، هتمضي لي أنتِ على تنازل الشقة وباقي الحاجات؟”
أخذت داليا الورقة، وضعتها في حقيبتها بعناية، ثم وقفت بثبات وقالت:
“هعوضهالك بكرة في التجمع العائلي بتاع عيلة ريم الألفي.. مش أنت عزمتني هناك عشان تحتفل بشفائك؟”
ارتبك حازم وتغير وجهه: “أنا عزمتك؟ مين قالك إن فيه تجمع؟”
داليا بابتسامة غامضة: “ريم بنفسها بعتت لي الدعوة على الواتساب الصبح.. وقالت لي لازم أحضر بنفسي عشان تشوف مفاجأة المرة الـ96!”
هبطت دقات قلب حازم فجأة. كيف علمت داليا بدعوة ريم؟ ولماذا ذكرت رقم 96؟
قبل أن ينطق بحرف، كانت داليا قد أغلقت الباب وراءها وغادرت.
في مساء اليوم التالي، كان الفندق الفخم في التجمع الخامس يشهد حفلاً ضخماً أقامته عائلة الألفي بمناسبة فوز ريم باستثمار جديد لمركزها الرياضي، وحضر الحفل كبار رجال الأعمال، بالإضافة إلى حازم وأصحابه الأربعة (شريف وكريم والاقربين منه)، الذين كانوا يقفون في زاوية القاعة يضحكون ويتناولون العصير.
كان حازم متوتراً طوال الليل، يقلب في هاتفه وينظر نحو الباب، خوفاً من أن تفسد داليا الحفل أو تتسبب في مشكلة قد تغضب ريم أو والدها.
وفجأة.. صمتت الموسيقى في القاعة.
انفتحت أبواب القاعة الرئيسية، ودخلت داليا.
لم تكن داليا القديمة ذات الملابس البسيطة والشعر المطفأ.. كانت ترتدي فستاناً أسود أنيقاً للغاية، وتضع مساحيق تجميل هادئة أبرزت ملامحها القوية، وتمشي بثقة وثبات لفتت أنظار جميع الحاضرين، بمن فيهم والد ريم الألفي بنفسه.
اقتربت ريم من حازم ووشوشته بغل: “إيه اللي جاب الجربوعة دي هنا يا حازم؟ مش قلت لي إنك خلصت عليها في موضوع بنك الدم؟”
حازم وهو يبتلع ريقه بصعوبة: “مش عارف.. هي قالت لي إنك أنتِ اللي عزمتيها!”
تقدمت داليا بخطوات متزنة نحو المسرح الصغير حيث يقف والد ريم، وحازم، وريم، وشلتهم. أخرجت من حقيبتها شريط ذاكرة (فلاشة) صغيرة، وأعطتها لمهندس الصوت والبروجكتور المسئول عن العرض التقديمي لشركة الألفي، وقالت له بصوت جاد: “السيد الألفي طلب مني أعرض الفلاشة دي قبل كلمة ريم.”
المهندس، ظاناً أنها سكرتيرة أو منظمة للحفل، وضع الفلاشة فوراً في الجهاز.
وفجأة، انطفأت أضواء القاعة، وظهرت على الشاشة الكبيرة خلف المسرح صورة واضحة جداً..
كان مقطع فيديو مصور بجودة عالية من داخل غرفة الـ VIP في بنك الدم بنفس المستشفى الخاص!
ظهر حازم في الفيديو وهو يجلس بكامل صحته، يضحك ويقول:
“مش قادر أصدق إن داليا بلعت الطعم ووقعت في الفخ للمرة الـ96!”
ثم ظهر صوت شريف وهو يضحك:
“فاضل 3 بس.. 99 مقلب وانتقام، والشرف يكمل! وبعدها ترميها وترجع لريم!”
ثم ظهر صوت حازم الواضح وهو يقول بكل استحقار:
“ما تعملوش دراما.. هي اللي هفية وبتبلع أي حاجة، حد كان أجبرها تجري ورايا؟”
عمّ الصمت المطبق في القاعة. رجل الأعمال الشديد، والد ريم، يتطلع إلى الشاشة بذهول ووجهه يتحول إلى اللون الأحمر من الغضب. والحاضرون من كبار الشخصيات يبصون لبعضهم في صدمة واشمئزاز.
حازم اتجمد في مكانه، وجهه اصفرّ تماماً، وصحابه (شريف وكريم) بدأوا يتراجعون للخلف يحاولون الهروب من القاعة.
لكن المفاجأة لم تكن الفيديو فقط..
قامت داليا بمسك الميكروفون ببرود تام، وشغلت شاشة العرض لتغير الصورة إلى مستند قانوني آخر.
وقالت بصوت رنان هز أركان القاعة:
“مساء الخير جميعاً.. بما إننا في حفل احتفال بالنجاح والشرف، أحب أقدم للجميع حقيقة المرة الـ96. كيس الدم اللي تبرعت بيه لإنسان مجرد من الإنسانية اترما في الزبالة، بس الدم ده كان غالي أوي.. عشان كشف لي حقيقة الخدعة.”
التفتت داليا لوالد ريم وقالت:
“يا سيادة المستشار الألفي.. حازم اللي حضرتك مؤتمنه على مشاريعك، مضى لي النهاردة الصبح على تنازل كامل عن حصص شركتك لصالح الشركة المنافسة ‘مجموعات الشروق’، كتعويض عن حقوق مشروعي المسروق منه من 3 سنين! والورق الموثق موجود حالياً في قسم الشرطة وفي الهيئة العامة للاستثمار!”
صرخ حازم بكل قوته: “كذابة! دي مجنونة! أنا ممضيتش على حاجة زي دي!”
طلعت داليا هاتفها وشغلت مكالمة صوتية عالية من خلال السبيكر:
صوت حازم وهو يقول بوضوح: “أنا موافق تمضي يا داليا، وهات التوقيع أهو.. أهم حاجة نخلص.”
صدمة والد ريم كانت مدوية. التفت لحازم وضربه بقوة على وجهه أمام جميع الحاضرين والصحفيين، وصرح بصوت هز المكان:
“يا حوان! أنت بتلعب بيا وببنتي وبفلوسي؟! الأمن يمسك المتخلف ده وشلته فوراً!”
هرع أمن الفندق والتقطوا حازم وشريف وكريم، وسحبوهم للتراب وسط صراخ ريم التي بدأت تبكي بهستيرية بعدما تحول حفل تخرجها ونجاحها إلى فضيحة بجرس في كل الصحف والمواقع التي كانت تغطي الحدث!
وقفت داليا في منتصف القاعة، تنظر إلى حازم وهو يُساق للإهانة والقبض عليه بتهم التزوير والابتزاز والاحتيال، بينما كان صحابه يتبادلون الاتهامات بين بعضهم ويصرخون.
نظرت داليا إلى ذراعها، إلى مكان الإبرة والتجلط الأزرق، ثم ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.. ابتسامة نصر حقيقية.
سحبت حقيبتها، ومشيت بخطوات ثابته ونوايا جديدة نحو الباب الخارجي للفندق، حيث كانت سيارة والديها تنتظرها في الأسفل للانطلاق فوراً إلى مرسى مطروح، تاركة خلفها رماد الـ96 إهانة، لتبدأ هي الفصل الحقيقي من حياتها الجديدة.. بعدما حولت نقطة دم واحدة إلى قنبلة دمرت كل أعدائها في ليلة واحدة.

