
وفي المساء، وقبل مغادرة صلاح إلى المطار لبدء مهمته الوطنية الجديدة، اجتمعنا في بيتنا القديم بعدما أغلقت السلطات الرسمية السرداب الأثري بشكل كامل وشُدّدت عليه الحراسة العسكرية.
قعد صلاح معايا ومع أبويا وأمي، وطلع من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها وطلع منها خاتم فضة قيم وبسيط، ولبسهولي في إيدي وقال لي بصوت واطي:
“ده الخاتم الحقيقي يا نوال.. خاتم زواجنا اللي مبني على أصل ونظافة وشرف. كل ما توحشيني أو تخافي، بصي للخاتم ده وافتكري إن صلاح معاكي وفي ظهرك دايماً.”
ودعنا صلاح ودموعنا تمتلئ أمالاً باللقاء القريب، وغادر المطار وسط حراسة خاصة.
ومرت الأيام والشهور.. مرت تسعة أشهر كاملة، تغيرت فيها حياتنا تماماً. أبويا استرد صحته وكرامته بين الناس، وأمي رجعت الزغاريد تملأ بيتها، وأنا عدت إلى دراستي وحياتي وأنا أحمل اسم رجل يشار إليه بالبنان في الشرف والبطولة.
وفي صباح يوم جمعة مبارك.. وأنا قاعدة في الصالة بقرأ كتاب، سمعنا صوت كلكسات عربيات كثيرة وراكبة بتدخل الحارة بصوت عالي وفرائحية!
جريت على البالكونة وأنا قلبي ينبض بشدة، ولقيت الحارة كلها متجمعة، وعربيات مصفحة واقفة، ونزل منها رجال بزي عسكري رسمي.. وفي النص، كان واقف صلاح! ببدلته العسكرية المزدانة بالأنواط والنياشين، ملامحه أشد وسامة وهيبة من أي وقت مضى!
رفع صلاح رأسه ونظر إليّ في البالكونة، وابتسم ابتسامة هزت كياني، وشاور لي بيده أن أنزل..
جريت على السلالم ونزلت، أول ما طلعت الشارع، صلاح تقدم خطوتين وفتح لي دراعاته قدام المنطقة كلها! جريت عليه وحضنته والناس كلها بتهتف وتزغرد في مشهد لن تنساه الحارة أبداً!
صلاح مسك إيدي وبص لأبويا وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع:
“يا حج عبد الصمد.. أنا رجعت من مهمتي ونفذت وعدي.. والنهاردة أنا جاي أطلب إيد نوال من جديد، بس المرة دي هنعمل أكبر فرح في القاهرة كلها، عشان العالم كله يعرف من هي نوال عبد الصمد ومن هو زوجها!”
لكن.. وأثناء ما الناس بتهتف والفرحة مالية الشارع كله.. قرب واحد من الضباط المساعدين لصلاح، وسلمه جواب أصفر مغلق.. صلاح فتحه وقرأ الورقة اللي جواه، وفجأة الملامح بتاعته اتغيرت وابتسامته اختفت، وبصلي ونظر لأبويا بنظرة مليانة اندهاش وقال:
“نوال.. عمك جلال طلب يقابلنا في السجن فوراً قبل صدور حكم عليه.. وقال إن عنده سر أخير عن طليقك حمدي وعيلته، سر هيغير كل حاجة إحنا فاكرين إننا عرفناها!”
انقبضت قلوبنا جميعاً في تلك اللحظة التي اختفت فيها الابتسامة عن وجه صلاح، وكأن الأقدار ترفض أن تمنحنا استراحة كاملة دون أن تنبش في رماد الماضي. تطلع أبويا إلى صلاح بنظرة تشوبها الذهول والحسرة، وقال بصوت متهدج:
“جلال؟! تاني يا صلاح؟ هو لسه عنده قسوة وغل يفرغهم فينا وهو واقف على أعتاب المشنقة?!”
صلاح وضع يده على كتف أبويا، ونظر إليّ بصرامة هادئة تمتص أي خوف، وقال بنبرة واثقة:
“يا عمي عبد الصمد، المجرم لما يدرك إن رأسه خلاص تحت حبل المشنقة، ما بيبقاش فاضل عنده حاجة يخسرها.. وساعتها بس، بيعترف بالحقيقة الكاملة عشان يريح ضميره أو ينقم من شركائه اللي غررو بيه. إحنا هنروح ونسمع منه، ومفيش أي سر في الدنيا يقدر يمسكم ولا يمس حارتنا تاني خلاص.”
في صباح اليوم التالي، تحركت برفقة صلاح وأبويا إلى سجن طرة شديد الحراسة. كانت أروقة السجن الباردة تهمس بعظة الحياة وفنائها. دخلنا غرفة الزيارة المغلقة، وقجلسنا ننتظر خلف الطاولة الحديدية، حتىُ فتح الباب الثقيل ودخل عمي جلال مقيداً بالحديد، يرتدي البدلة الحمراء.
كان جسده ناهلاً، ووجهه شاحباً كالأموات، وعيناه غائرتين مليئتين بالندم والخزي. أول ما وقعت عيناه على أبويا، انهمرت دموعه بصمت، وجلس على الكرسي وهو يطأطئ رأسه في الأرض، وقال بصوت خافت ومبتور:
“سامحني يا عبد الصمد.. سامحيني يا نوال يا بنتي.. أنا بعت ديني وأخويا وشرف عيلتي عشان سراب وفلوس حرام، وأدي جائي حبل بيلف حوالين رقبتي، والفلوس ما نفعتنيش ولا شالت عني طلقة واحدة من .”
أبويا نظر إليه بألم المسلم والأخ الشقيق، وقال بنبرة هادئة:
“المسامحة عند ربنا يا جلال.. أنت طلبت تشوفنا ليه في أيامك الأخيرة دي؟ إيه السر اللي عندك عن حمدي وأهله وتاني عايز تقول إيه؟”
رفع جلال رأسه ونظر إلى صلاح مباشرة وقال:
“يا صلاح بيه.. أنا ناديتكم عشان أريح ذمتي قدام ربنا قبل ما أقف قصاده. أنت وقضيتك وفريقك قبضتم على حمدي وأمه وأخته بتهمة التستر والمشاركة في، بس الحقيقة اللي ما حدش يعرفها.. إن حمدي طليق نوال مكنش مجرد أداة رخيصة في إيدنا إحنا وبس!”
سأله صلاح بنظرة حادة:
“أومال كان إيه يا جلال؟! اتكلم بصراحة.”
تنفس جلال بصعوبة وقال:
“حمدي وأمه وأخته، من قبل ما يتقدموا لنوال بسنتين، كانوا بايعين البيت بتاعهم والورشة اللي في الحارة لشبكة تهريب دولية ثانية أكبر من شبكة فاروق التامي! حمدي كان مضطهد ومكسور بعقود وأوراق دَين مزورة عملها عليه جوز أخته الكبير، وكان بيتظاهر قدام الناس إنه شخص بلا شخصية وماشيا ورا أمه وأخته عشان يداري على المصيبة دي. ولما إحنا أديناه أمر يتجوز نوال عشان نضغط على عبد الصمد، حمدي راح اتصل بالشبكة الثانية وسرب ليهم خريطة السرداب السرية مقابل إنه ياخد الملايين ويهرب بيها لبرة مصر ويتخلص من أمه وأخته وحارتكم كلها!”
شهقتُ وحطيت إيدي على بقي من ! اتاري الخسة والنذالة في طليقي مكنتش مجرد طباع، دي كانت أصل وفكر شيطاني محبوك!
كمل جلال كلامه وهو بيعيط:
“حمدي كان بيحضر لخطة عشان يقتل أمه وأخته يوم الفرح نفسه بجرعبطيئة في الأكل، عشان يلبّس الجريمة لعبد الصمد ونوال، وياخد الصناديق ويهرب في المهرجان اللي كان هيحصل! بس ربنا سبحانه وتعالى أراد إنك تظهر يا صلاح في هيئة العريس، وتوقف المهزلة دي وتنقذ نوال وأبوها وتكشفنا كلنا قبل ما يحصل في الحارة!”
ساد الصمت في الغرفة، وصلاح نظر لجلال بثبات وقال:
“يعني حمدي كان ناويأمه وأخته عشان الفلوس والهروب؟”
رد جلال:
“أيوة.. والتقارير الطبية والمستندات اللي بتثبت الكلام ده متخبية في خزانة سرية تحت أرضية ورشته القديمة في الحارة.. أنا خبيتها معايا عشان كنت ببتزه بيها، وده اعترافي المكتوب وموقع مني للنيابة العامة عشان تكتمل أوراق القضية
أبويا قام وقف، وبص لأخوه جلال بنظرة رحمة وأسى وقال له:
“استغفر ربنا يا جلال.. وادعيه يسامحك على اللي عملته في نفسك وفينا.”
جلال بكى بصوت عالي وقال:
“سامحني يا أخويا.. سامحيني يا نوال!”
خرجنا من السجن، وصلاح أرسل قوة فورية لورشة حمدي القديمة، وتم استخراج المستندات والمخططات الشيطانية التي كان يعدها. وانكشفت الحقيقة الكاملة أمام المحكمة وأمام أهل الحارة جميعاً.
صدر الحكم النهائي التاريخي:
* الإعدام لـ العميد فاروق التامي، وجلال عبد الصمد، وشفيق المحامي .
*
* السجن المشدد 15 سنة لأمه وأخته للتستر والمشاركة في المخططات .
وانتهت أسطورة الشر التي خيمت على حياتنا وسنين
إلى الأبد!
وبعد مرور شهر كامل.. تحولت حارتنا البسيطة إلى ملحمة من الأضواء والفرح!
أقام صلاح وأبويا أكبر حفل زفاف شهدته القاهرة. أغلقت الحارة بالكامل، وتزينت بأحبال الزينة والورود والأعلام، وحضر الفرح كبار قيادات الدولة والضباط، وأهل المنطقة جميعاً الذين جاؤوا ليشاركوا في زفاف “نوال” إلى بطل الحارة والوطن “الظابط صلاح”.
كنت أرتدي فستاني الأبيض الملكي، وأجلس في الكوشة وبجانبي صلاح ببدلته العسكرية وشرف أنواطه، وأبويا يبتسم بعز وفخر بين الناس، وأمي تزغرد والدموع تملأ عينيها من شدة الفرحة.
قرب صلاح مني، ومسك إيدي ونظر في عيني بنظرة مليانة حب وصدق وقال لي بصوت دافئ:
“افتكرتي يا نوال اليوم اللي وقفتي فيه تبكي في الكوشة والناس بتضحك عليكِ؟”
ابتسمت والدموع في عيني وقلت له:
“كنت فاكرة إنها عمري ونهاية حياتي يا صلاح..”
رد صلاح وهو يبتسم ويمسك إيدي بقوة أمام كل الحاضرين:
“ربك لما بيبتلي الإنسان، بيبقى بيجهز له جبر خاطر يعوضه عن كل لحظة وجع. يمِين أبوكِ مكنش ضياع، ده كان السبب اللي جابني ليكي عشان أكون سندك وحمايتك وعوضك طوال العمر.”
وعلى أصوات الأغاني والزغاريد وهتافات أهل الحارة باسم صلاح ونوال، بدأت حياتنا الحقيقية، حياة مبنية على الشرف والأصل والحب الذي لا يهزمه زمان ولا غدر خائنين. وكانت هذه هي النهاية السعيدة والكاملة لقصتنا!



