روايات وقصص

حكاوى شيمو1

البيت يا هانم؟! إنتِ اتجننتي؟!”

وقفت مذهولة، دموعي نزلت في ثانية: “عمل؟! أنا أعمل عمل في بيتي ولجوزي؟! إنت بتصدق عليا الكلام ده؟!”
صوته يعلى أكثر: “أمال مين حطه هنا؟! البيت محدش بيدخله غيرنا! إنتِ بقيتي تصرفاتك كلها مش طبيعية، بتصرخي في العيال، بتتهمي الناس، ودلوقتي قرف وسحر في البيت؟!”
صرخت بأعلى صوتي وأنا بمتد لإيدي وبشاور على الباب: “سلفتيييي! سلفتك هي اللي دخلت البيت ده آخر مرة! هي اللي كانت واقفة عند الباب قبل ما تمشي وتقولي لسه مشوفتيش حاجة! هي اللي حطت الورقة في كتب العيال وهي اللي زرعت الزفت ده هنا عشان تخرب بيتي!”
حسام بصلي بنظرة خالية من أي رحمة، هز رأسه بأسى وقال: “إنتِ مريضة.. إنتِ فعلاً مريضة نفسياً ولازم تتتعالجي. أنا مش هقدر أعيش مع واحدة بتعمل أعمال وتلبسها في غيرها.”
ساب البيت وخرج وهبد الباب وراه. قعدت على أرض المطبخ وأنا بصرخ وببكي بالصوت الحياني. العيال جم يجروا عليا، إبراهيم الكبير مسك إيدي وهو بيعيط ويقول: “ماما متعيطيش، والله هنذاكر لوحدنا، والله مش هنعمل دوشة بس متعيطيش!”
حضنتهم وأنا بحس إني بضيع.. بيتي بينهار، جوزي بيضيع مني وبيتهمني في شرفي وديني، وعيالي مرعوبين.
ثاني يوم الصبح، وأنا قاعدة زي الجثة في الصالة، تليفوني رن. كان رقم سلفتي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك التليفون. فتحت الخط وسكت.
سمعت صوتها الهادي جداً، وصوت ضحكة مكتومة، وقالت:
“إيه يا حبيبتي؟ سمعت إن حسام ساب البيت وزعلان؟ تؤ تؤ.. زعلتيني والله. مش قلتلك يا أم إبراهيم.. إنتِ لسه مشوفتيش حاجة؟”
اتنفضت من مكاني وزعقت في التليفون: “إنتِ عاوزة مني إيه؟! حرمتيني من عيالي ودمرتي علاقتي بيهم، ودلوقتي بتخربي بيتي مع جوزي؟! إنتِ إيه؟ شيطان؟!”
ضحكت بصوت عالٍ المرة دي، وقالت بنبرة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“أنا؟ أنا مظلومة يا حبيبتي.. مش إنتِ اللي اتهمتيني بالحسد قدام جوزك؟ يبقى تستاهلي تشوفي الحسد على أصوله.. بس على فكرة، الكيس اللي حسام لقاه ده كان مجرد تسخين.. الحاجة الثقيلة بجد، إنتِ شربتيها بإيدك البارحة.. والمفاجأة الكبيرة هتكون النهاردة بالليل لما حسام يرجع عشان يطلقك!”

سمعت الكلمة منها والتليفون وقع من إيدي على السجادة. الرعب شلل حركتي، ووداني بقى فيها صفير زايغ. “شربتيها بإيدك.. والطلاق بالليل!” الكلمات كانت بتتردد في دماغي زي صدى صوت في بئر مهجور.
بصيت للكوبايات والمشربيات اللي في المطبخ برعب. افتكرت كباية العصير اللي شربتها إمبارح بالليل عشان أهدي أعصابي بعد ما حسام خرج وزعق.. هل هي دخلت المطبخ المرة اللي فاتت؟ أيوه! دخلت بحجة إنها بتجيب مية لنفسها قبل ما نختلف وتخرج.
مسكت بطني وحسيت بفجأة بمغص حاد وتقل غير طبيعي، كأن أحشائي بتتقطع. العرق نزل مني مغرق وشي، وركبي ما شالتنيش فقعدت على الأرض. العيال اتلموا حواليا مرعوبين، إبراهيم بيبكي ويقول: “ماما مالك؟ حاسة بإيه؟! نجيب الدكتورة؟”
رديت بصوت مخنوق ومتقطع: “يا إبراهيم.. خُد إخواتك وادخلوا الأوضة واقفلوا على نفسكم.. أيًا كان اللي هيحصل، متخرجوش إلا لما أقولكم.”
الولد مكانش فاهم حاجة، بس الخوف من شكلي خلاه ينفذ كلامي فورًا. سحب إخواته ودخل، وسمعت صوت تكّة المفتاح في الباب.
قومت بالعافية وأنا سانده على الحيطة، حاسه إن البيت بيلف بيا، والنور بيطفي ويرجع في عينيا. صليت ركعتين بالعافية، بدموع مغرقة وشي، ودعيت ربنا يربط على قلبي وينقذ بيتي وعيالي من الست دي. بعد الصلاة، افتكرت كلامها.. “النهارده بالليل هيجي يطلقك.”

سألت نفسي: أنا هستسلم؟ هسيبها تأخد اللي هي عايزاه وتخرب بيتي وتأخد حسام وتفرح فيا؟ لأ.. لو كانت هي بتستعين بالشر، أنا معايا ربنا.
فتحت الموبايل بإيد بتترعش واتصلت بأمي. أول ما سمعت صوتها انفجرت في العياط. حكيتلها كل حاجة من أول يوم المذاكرة لحد المكالمة الأخيرة والكيس والورقة. أمي صرخت: “يا لهوي يا بنتي! الست دي ناوية على خراب كامِل! إوعي تقعدي لوحدك، أنا وجوز أختك جايينلك فورًا ومعانا الشيخ عبد التواب رجل طاهر وبيعرف في الأمور دي.”
ساعة واحدة وكانت أمي مع جوز أختي والشيخ عبد التواب في البيت. الشيخ طلب يشوف المكان اللي لقينا فيه الكيس الأسود، ورش مية بملح وقرأ سورة البقرة بصوت هز أركان الشقة. وأنا قاعدة، حسيت جسمي بيترعش وبيخرج منه سخونية رهيبة، ومع كل آية كانت بتتأرا، المغص اللي في بطني كان بيقل تدريجيًا وكأن جبل كان على صدري وانزاح.
الشيخ عبد التواب بصلنا وقال بنبرة جادة: “البيت ده فيه أذى معمول ومعمول بدقة عشان يفرّق بين الزوجين ويدمر نفسية صاحبة البيت. الكيس اللي جوزك لقاه كان خطة عشان يخليه يشك فيكي، والسحر الحقيقي كان معمول في حاجة متشروبة عشان يعمل طباع حادة وعصبية وغير منطقية مع العيال وجوزك.”
أمي مسكت إيدي وقالت: “طب وحسام يا شيخ؟ ده جايلها بالليل عشان يطلقها!”
الشيخ قال بثقة: “حسام مش في وعيه، هو تحت تأثير الأذى ده كمان ومقسّى قلبه. لما يجي، محدش يزعق ومحدش يتخانق.. سيبوني أنا أستقبله مع جوز أختك.”
الساعة جت تسعة بالليل. الباب اتفتح هبدة قوية. حسام دخل، كان شكله متبهدل، عينيه حمرة وزي ما يكون مش شايف قدامه، ومسك في إيده ورقة الطلاق اللي جابها من المأذون!
أول ما دخل وشاف الشيخ وأمي وجوز أختي، زأر بصوت مكتوم: “إيه ده؟! إيه اللمة دي؟! جايبة أهلك عشان يشهدوا على طلاقك؟ أنا خلاص مبقتش طايق البيت ده ولا الست دي! إنتِ طالق يا…”
قبل ما يكمل الكلمة، الشيخ عبد التواب وقّفه بصوت جهوري وقرأ أواخر سورة البقرة وآية الكرسي، ومسك كباية مية مقرئ عليها ورشها فجأة في وش حسام!
حسام اتنفض اتفاضة مرعبة، وجسمه بدأ يترعش، والورقة وقعت من إيده على الأرض. قعد على أقرب كرسي وهو بيتنفس بصعوبة شديدة وكأنه كان غرقان وبيطلع للسطح ياخد نفسه. عينيه بدأت تروح وتيجي، وبص للمكان باستغراب وقال بصوت ضعيف ومهزوز: “إيه ده؟ إنتو هنا ليه؟ أنا.. أنا فين؟ وفي إيه في إيدي؟”
أمي قربت منه ودموعها نازلة: “يابني افهم.. بيتك كان بيتخرب وإنت مش حاسس!”
الشيخ عبد التواب قعد قدامه وهداه، وبدأ يشرح له اللي حصل، ووراله الورقة اللي لقيتها في الكتب، وحكيتله أنا على المكالمة الأخيرة لسلفتي بالصوت والصورة، وتفاصيل الكيس اللي هي زرعته في بيتنا عشان تلبسه فيا.
حسام حط إيده على رأسه وكان هيتجنن: “أنا.. أنا كنت حاسس إن في غمامة على عينيا، كل ما أبصلها أو أفتكرها أحس بغل وكراهية ومش طايق أسمع صوتها.. أنا ازاي صدقت إن مراتي تعمل كدة؟!”
بصلي حسام بعيون مليانة ندم ودموع، وقام قرب مني ومسك إيدي وهو بيترعش: “سامحيني.. والله ما كنت في وعيي، أنا كنت حاسس في حاجة بتسوقني غصب عني!”
لكن الفرحة مكملتش..
في نفس اللحظة، تليفون حسام رن. كان أخوه الكبير (جوز سلفتي). حسام فتح السبيكر والصوت كان واضح للكل.
أخوه كان بيبكي ويصرخ بصوت هيستيري: “لحقني يا حسام!! الحقني يا أخويا! مراتي اتجننت.. قفلت على نفسها الأوضة مع الولاد ومولعة نار في البيت وبتقول كلام غريب مش مفهوم! الحقني بسرعة!”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى