Uncategorized

حكايات اسما السيد 3

أما أنا… فأمسكت بيد زوجي وخرجنا إلى ضوء الشمس المشرق.
رفعتُ هاتفي واتصلت بابنتي التي كانت في تلك اللحظات تهبط في مطار المالديف. عندما جاءني صوتها الدافئ الفرح قائلاً:
— “ماما! إحنا وصلنا، المكان ساحر زي ما حلمت بالظبط! شكراً يا ماما إنك خليتي اليوم ده ملكي أنا وبس!”
حبستُ دموعي، وابتسمتُ من كل قلبي، وقلت لها:
— “يا روح قلب ماما… اليوم ده كان بدايتك، وكان نهايتهم.”

لكن، قبل أن نصل إلى سيارتنا، رن هاتف زوجي مرة أخرى… وكان المتصل هذه المرة هو موظف الشهر العقاري المسؤول عن تركة والدي القديمة، ليخبرنا بأمر سيفجر مفاجأة أخيره لم تكن في حسبان أحد!

توقف زوجي طارق في منتصف الطريق، وأصابعه تجمدت على شاشة الهاتف. نظر إليّ بنظرة مذهولة وهو يضع المكالمة على الميكروفون الخارجي، ليأتينا صوت موظف الشهر العقاري متوتراً ومسرعاً:
— “أستاذ طارق؟ أستاذة نادية؟ أنا بكلمكم بخصوص طلب كشف التحديد المساحي وإعلام الورثة المرفوع على أرض ومحلات والد الأستاذة نادية الله يرحمه… الأرض اللي في وسط البلد!”
قبضتُ على يد زوجي وسألته بصوت مشدود:
— “خير يا فندم؟ المحلات دي أمي وأختي من سنين بيقولوا إن أبوي كان بايعها بعقود أصلية قبل ما

— “ده الكلام اللي كان متسجل صوريًا يا أستاذة نادية! لكن النهار ده، وبعد قرار النيابة العامة بالحفظ والتحفظ على أموال وشركات والدتك وأختك نيفين، مكتب الخبراء فتح الأرشيف القديم للتفتاش. اتضح إن العقود اللي ادعوا إن والدك باع بيها المحلات والأرض كانت عقود صورية ومزورة بمعرفة والدتك، ومسجلة بتاريخ لاحق لوفاة والدك! المحلات دي قيمتها السوقية النهار ده بتتجاوز 180 مليون جنيه… والأرض والمحلات كانت متسجلة بالكامل باسمك إنتِ وباسم أختك مناصفة، ووالدتك كانت المحروسة عليها وبتنهب إيراداتها لمصلحتها ومصلحة بنتها طوال 20 سنة!”

شعرتُ بالدوار والأرض تدور بي. طوال عشرين عاماً، كانتا تقنعانني بأن والدي فقيراً ومديوناً، وأنني يجب أن أتحمل الشظف وأقبل بفتات المساعدة منهما. طوال عشرين عاماً، كانتا تؤجران المحلات وتستوليان على الملايين باسم الحرمان الذي افترضتاه عليّ، لتصرفاه بباذخ على بنت أختي وتدللانها حتى أصبحت

!
لم ننتظر لحظة واحدة. تحركنا برفقة المحامي أستاذ عادل فوراً إلى مقر الشؤون القانونية ومكتب خبراء وزارة العدل. هناك، أطلعنا الخبير المالي على كافة السجلات: طوال العقدين الماضيين، كانت أمي تحوّل أرباح تلك المحلات التجارية إلى الحسابات السرية لشركة أختي، الحسابات التي انفتحت أبوابها الساطعة أمام النيابة العامة النهار ده بعد بلاغ العريس المخدوع.
وفي هذه الأثناء، دخلت النيابة العامة في جولة جديدة من
استُدعيتُ مجدداً إلى غرفة التحقيق، لكن هذه المرة بصفتي صاحبة الحق والوريثة الشرعية المنهوبة.
كانت أمي وأختي تجلسان على مقاعد المتهمين، والحديد يربط معصم أختي، بينما كانت أمي تحاول تغطية وجهها بشال أسود من الخزي. عندما أطلع وكيل النيابة أختي وأمي على عقود الملكية الصريحة والمزورة وأرقام الإيرادات المحتجزة، صرخت أختي نيفين بوجه أمها وهي في حالة هستيرية كاملة:
— “انتِ السبب! انتِ اللي ضيعتينا وضيعتي بنتي! قلتيلي نادية غبية ومش بتدور ورا أبوه، ونحتفظ بالملايين دي لبنتي عشان تعيش ملكة! أهو بنتي اتفضحت وجوازتها اتخربت وإحنا هنعفن في السجن!”
أمي لم تستطع حتى الرد هذه المرة. كانت تنظر إليّ بعينين فارغتين من أي قوة، وقد انكسر فيها ذلك الشموخ الزائف والديكتاتورية التي مارستها عليّ وعلى بنتي لسنوات طويلة.
وقف وكيل النيابة وأصدر قراره المشدد:
— “تعديل التهم الموجهة للمتهمتين إلى التزوير في محررات رسمية وعقود تركات، والاستيلاء على أموال القصر والورثة، والغسل المالي. مع استمرار حبسهما 15 يوماً على ذمة التحقيق، وتعيين حارس قضائي على المحلات والأرض لصالح الوريثة الشرعية السيدة نادية.”
خرجتُ من مبنى المحكمة وأنا أشعر لأول مرة في حياتي بأني أقف على أرض صلبة. لم يكن الأمر يتعلق بالـ 180 مليون جنيه أو بالثروة التي عادت إليّ، بل كان يتعلق بالحقيقة التي أشرقت أخيراً، وبالعدالة التي اقتصت لابنتي ولكل سنوات الظلم التي عشتها.
اتصلتُ بابنتي في المالديف، سمعتُ صوت ضحكتها وهي تخبرني كم هي سعيدة وممتنة لي ولأبيها لأننا حمينا حلمها وجعلنا يومها أسطورة لن تنسى.
ابتسمتُ وقلتُ لزوجي وأنا أضع يدي في يده:
— “خلاص يا طارق… كابوس السنين انتهى، وحقنا وحق بنتنا رجع لحد عندنا.”
لكن القصة لم تنتهِ بعد… ففي الصباح التالي، وردنا اتصال هاتفي غير متوقع من محامي “بنت أختي”، يطلب فيه اللقاء بصفة عاجلة لأمر يتعلق بمستقبل العائلة بالكامل!
دخلنا مكتب المحامي في صباح اليوم التالي، والشمس تشرق دافئة وساطعة على المدينة، وكأنها تغسل كل أثار السواد والرعب التي عاشتها عائلتنا طوال السنوات الماضية.
كانت “بنت أختي” تجلس في زاوية المكتب. لم تعد تلك الفتاة المغرورة المدللة التي تعودت أن تأخذ كل شيء من يد ابنتي بغير حق. كانت تطأطئ رأسها للأرض، ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، وملامحها يكسوها عملوه فيكي وفي ‘سالي’ جُرم ما يغتفرش. أنا جيت عشان أقولك… أسفة.”
سكتت لثوانٍ وهي تخنق عبراتها، ثم تابعت

— “طول عمري كنت فاكرة إن أمي وجدتي بيحبوني لما بيفضلوني على سالي… ما كنتش فاهمة إنهم بيزرعوا فيا السم والكبر، وإنهم كانوا بيستغلوني كواجهة عشان يسرقوا حقك وحق بنتك. أنا النهاردة سلمت للنيابة كل الهدايا والمجوهرات اللي اشتروهالي من الفلوس الحرام دي، وتنازلت رسمياً عن أي قرش أو ممتلكات باسمي مش من حقي.”
نظر المحامي إلينا وقال بلهجة صادقة:
— “السيدة نادية… موكلتك قررت تبدأ حياتها من الصفر، بعيداً عن أمها وجدتها، وهي جاية ترجعلكم باقي المستندات وعقود ملكية بعض العقارات القديمة اللي كانت متسجلة باسمها وهي قاصر من غير ما تفهم، عشان تصحح أخطاء عيلتها.”
نظرتُ إليها بقلب أم؛ لم أشعر بالشماتة، بل شعرت بالرحمة لشبابها الذي دمرته أنانية أمها وجدتها.
قمتُ من مقعدي، واقتربتُ منها، ثم وضعتُ يدي على رأسها وقلتُ بمنتهى الهدوء والثبات:
— “أنا سامحتك إنتِ يا بنتي… لأنك كنتِ مجرد ضحية لتربية فاسدة وأحقاد ما لكيش ذنب فيها. أمنيتك إني أشوفك بتصلحي حياتك وبتعتمدي على نفسك بالحق والحلال. لكن أمك وجدتك… القانون هو اللي هيقول كلمته في حقهم، والعدالة خدت مجراها.”
أنهينا الإجراءات القانونية واسترددنا كل حق سُلب منا طوال عقود.
صدر الحكم القضائي النهائي بحبس أختي وأمي بالسجن المشدد في قضايا التزوير والنصب وغسيل الأموال، واُستردت كافة المحلات والأرض التجارية لصالحي، ليعود الحق لأهله بعد طول انتظار.
وبعد مرور شهرين…
كنتُ أقف مع زوجي طارق في صالة مطار القاهرة الدولي بانتظار عودة ابنتنا وزوجها من رحلة زواجهما العاطرة.
عندما أطلت ابنتي بفستانها البسيط وابتسامتها المشرقة التي تملأ وجهها أملاً وحياة، ركضت ونطت في أحضاني، وقالت وهي تمسك بيدي بقوة:
— “ماما… أنا شفت صور القاعة والأرض المرفوعة على الأخبار… وشفت كل حاجة حصلت. شكراً إنك ما سمحتيش لحد يكسرني، وشكراً إنك وقفتِ في وجه الظلم وأخدتِ حقنا وحق بابا.”
ابتسمتُ، ونظرتُ إلى زوجي وإلى ابنتي، وقلتُ وأنا أتنفس بقلب ملؤه السلام والسكينة:
— “اللي يحمي حلم بنته ويصون حقها يا سالي… ما يضعفش أبداً. اليوم ده ما كانش بس نجاتك إنتِ… ده كان اليوم اللي اتولدت فيه أنا من جديد.”
وهكذا… انطوت صفحة الظلم والتنازلات إلى الأبد، وأشرقت شمس الحق والأمان على بيتنا، ليعيش كل منا الحياة التي يستحقها بشرف وكرامة.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى