روايات وقصص

حكايات منى 2

هاني سحب إيده بالعافية من إيد أحمد وهو بينهت من الغضب والكسفة قدام الجيران، وقال بصوت متلخبط: «شوف يا عم حسنين.. الأستاذ ومراته طاردين أختي وأمي ومسمعين الشارع كلام جارح عشان حتة أكل!» أنا وقفت بثبات، وبصيت لعم حسنين والجيران وقلت بوضوح: «لا يا عم حسنين.. اسمع الحقيقة من أصحابها! أنا عملت صينية بشاميل بتعبي وفلوس جوزي لولادي، حماتي نزلتني بيها غصب عني وضحكت عليا وقالتلي هتديني فلوس أعمل غيرها وما إدتنيش، ومروة خدت أكل بيتي كله ونزلت بيه، وسابوا ولادي الصغار بياكلوا مكرونة حاف من غير لحمة ولا حاجة! ولما جوزي جه واسترد أكل عياله من أخته، جايين النهارده بجوزها يقطعوا خلفنا على باب شقتنا ويقولوا بنعايرهم! ده بيتي وده قوت ولادي، وأنا مش هسمح لحد يستغلني تاني!»

عم حسنين بص لحماتي ولمروة ونظراته كانت مليانة عتاب واستنكار، وبعدين بص لهاني وقال: «عيب عليك يا هاني.. جاي تتخانق عشان صينية مكرونة مراتك خادتها من بيت أخوها؟ عيب يا ابني، الأكل ده تعب الست دي لبيتها ولعيالها، إنت تروح تشتري لمراتك أو هي تطبخ في بيتها، مش تيجي تعمل مشكلة مع أخوها عشان أخذ أكل عياله! يا حاجّة (وبص لحماتي).. الكلام ده ما يصحش، البيوت ليها حرمة، وندى ست أصيلة وطول عمرها شايلتكم في عينيها، ما يصحش يتعمل فيها كدة!»

مروة وشها بئى في الأرض من الكسفة قدام الجيران، وهاني بص لها بنظرة غضب مكتوم، حاسس إنه اتدبس في موقف زبالة وصورته اتهزت قدام كل سكان العمارة.

أحمد بص لهاني ومروة وحماتي، وقال بمنتهى القسوة والحسم: «عم حسنين والجيران يشهدوا.. الباب ده (وشاور على باب شقتنا) مقفول من النهاردة. محدش له عندي حاجة، ولا حد يتدخل في أكلي وشربي وبيت مراتي. ويا مروة.. رجلك ما تطأش الشقة دي تاني، وهاني لو فكر يرفع صوته هنا تاني، الحساب هيكون مع رجالة العيلة مش معايا أنا بس! انزلوا تحت!»

هاني مسك إيد مروة بغضب وشدها ونزل بيها على السلم وهو بيبرطم ويشتم في سِرّه من كتر الإحراج، وحماتي نزلت وراهم وهي بتبصلي بصلة غل وقهر وقالت بصوت واطي: «ماشي يا ندى.. بقيتي تنطقي وتجمعي علينا الجيران؟ والله لأوريكي!»

أحمد دخل الشقة ورزع الباب، ونظر لي ونفسه عالي. أنا وقفت مكاني مش مصدقة القوة اللي جاتلي، وولادي خرجوا من الأوضة وجريوا حضنوني. أحمد قرب مني، حط إيده على راسي وقال: «رفعتي رأسي يا ندى.. ولأول مرة تحسي إن ليكي كرامة وهيبة في البيت ده.» ابتسمت بوجع وراحة في نفس الوقت، بس جوايا كان في صوت بيهمسلي إن حماتي مش هتسكت على الهزيمة والكسفة دي قدام الجيران وهاني، وإن اللي جاي في البيت ده هيكون ألعن وأشد.

مرت أيام على الخناقة اللي حصلت على السلم، والشقة فوق كانت هادية بس هدوء يوتر الأعصاب، زي السكون اللي بيسبق العاصفة. حماتي ومروة قطعوا كلام معانا تماماً، ومبقوش يطلعوا ولا ينزلوا من قدام بابنا، لكن أنا عارفة حماتي كويس؛ السكوت ده مش استسلام ولا مراجعة نفس، ده تدبير لمصيبة جديدة.. ست زي دي خرجت من معركة قدام الجيران مكسورة العين ومتهانة، مش هتنام إلا لما ترد الكسفة دي أضعاف.

وفي يوم جمعة، أحمد كان قاعد في البيت مجاز، والجو دافي وجميل. قلت أستغل الفرصة وأفرّح ولادي، نزلت الصبح بدري اشتريت طلبات المحشي، وعملت حلة محشي مشكل مع فراخ محمرة في الفرن، الريحة كانت مالية الشقة ووصلة لأول الشارع. الولاد كانوا فرحانين وبيساعدوني، وأحمد قاعد في الصالة مبسوط وهو شايف الضحكة رجعت لبيته وتعب مراتي رايح لولادي وجوزي وبس.

على الساعة أربعة العصر، وفجأة من غير مقدمات، سمعنا صوت كلاكيس عربيات كتير تحت العمارة، وصوت دبة رجلين وطالعة على السلم.. مش شخص ولا اثنين، دول مجموعة كاملة! أحمد قام من مكان مستغرب، وبص من العين السحرية، ولقيته اتخشب مكانه وشها جاب ألوان. «في إيه يا أحمد؟ مين اللي طالع؟».. سألته وأنا بقرب منه بخوف. أحمد لفلي ووشه فيه حيرة وغضب مش فاهمه: «ده عمي حاج حسان وعمامي الاثنين الصغار، وخالي مصطفى.. جايبين كبارات العيلة كلهم وطالعين!»

قلبي اتخلع من مكانه. حماتي ما كفاهش جوز بنتها اللي اتكسف قدام الجيران، راحت اشتكت لكبار العيلة والرجالة الكبار اللي كلمتهم مسموعة في العيلة كلها، وزي ما توقعت.. حورت الحكاية وقلبت الحق باطل!

سمعنا خبطات حازمة على باب الشقة. أحمد فتح الباب ورحب بيهم، دخلوا الرجالة واحد ورا الثاني، وجوههم جادة وصارمة، وما فيش على وشوشهم أي ابتسامة. عم حسان، الراجل الكبير اللي كلمته سيف على الكل، دخل وقعد في نص الصالة، ووراه باقي العيلة. أحمد قال بنبرة احترام: «منورين يا عمي.. اتفضلوا، خير إن شاء الله؟»

الحاج حسان بص لأحمد بصلة تقيلة وقصية، وقال بصوت جهوري هز الجدران: «خير؟ هييجي الخير منين يا أحمد وأنت سايب بيتك للخراب؟ إحنا جايين من بلدنا مخصوص عشان نلم الفضايح اللي بقت على كل لسان في الشارع! إيه اللي وصلنا له ده يا ابن أخويا؟ تسمح لمراتك تطرد أختك من بيتك؟ وتصعّد الكلام لحد ما جوزها ينزل مهان؟ وتطول لسانها على أمك اللي ربتك وسهرت عليك؟!»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى