روايات وقصص

حكايات انجى 2

أبويا بص لها بمنتهى البرود، وسحب إيده منها وقالها كلمة واحدة قبل ما يلف وشه ويمشي: “اللي ما صانش كرامة بنتي، ما يلزمناش نصون مستقبله… القانون بياخد مجراه يا أم محمود.”

بعد اللي حصل في المحكمة، الدنيا اتقلبت رأساً على عقب في بلدهم. محمود وأخته باتوا ليلتهم في الحجز على ذمة التحقيق في قضية البلاغ الكاذب والضرب، وحماتي كانت بتلف حول نفسها في الشوارع، مش عارفة تعمل إيه ولا تروح لمين. الكبر والفرعنة اللي كانت فيهم يوم الصباحية اتمحت تماماً، وحل مكانها الذل والخوف من الفضيحة والحبس.

تاني يوم، جابوا ناس من كبار المحافظة والبلاد المجاورة، واستأذنوا بابا إنهم ييجوا بيتنا في “جلسة حق” كبيرة، عشان يترجوه ويدفعوا أي شرط جزائي، مقابل إن بابا يتنازل عن القضايا والمحاضر وما يوديش محمود وأخته في داهية.

بابا وافق يقعد معاهم، مش خوفاً ولا ضعف، بس عشان يخليهم يدوقوا طعم الهوان قدام كبار العائلات. بيت أبويا اتملى بالرجالة، ومحمود جه مع كبار عيلته وهو وشه في الأرض، عاقد إيديه ومش قادر يرفع عينيه في بابا ولا عمي. حماتي كمان كانت قاعدة في أودية الحريم جوه مع أمي، بتبكي وتتحايل على أمي وتستسمحها، والست اللي كانت بتقولي كلام جارح بقت تترجى أمي وتقولها: “حقك عليا يا أختي، ابني وبنتي هيضيعوا، اعتبري البت زي اختهم وغلطت!”

في المجلس، كبير القعدة بص لأبويا وقال: “يا حاج، إحنا عارفين إنك مظلوم، وإن اللي حصل مع بنتك ما يرضيش ربنا ولا العبد. بس محمود وأمه خدوا درس عمرهم ما هينسوه، والنهاردة إحنا جايين تحت طوعك وفي حماك، والرجالة دي كلها بتتأسفلك، ونطلب منك تتنازل عن القضايا ولو عايز أي تعويض مالي إحنا خدامينك.”

أبويا قعد بكل هيبة، وبص لمحمود وقال بصوت هز القعدة كلها: “أنا فلوس التعويضات دي ما تلزمنيش، ولا شقى عمري أقبضه تمن لإهانة بنتي. أنا كرامة بنتي عندي بكنوز الدنيا. محمود افتكر إن عشان بنتي دخلت بيته بقت مالك أمه، وافتكر إن طيبة أهلي ضعف. والنهاردة هو وافق أمه وأخته في التبليغ الكاذب عشان يلبسني أنا وأخويا قضية افتراء!”

محمود قام وقف من كتر الخجل، ودموعه نزلت، وقال قدام الرجالة كلها: “حقك على راسي يا عمي، أنا اتعميت ومشيت ورا كلام أمه، وأنا أعترف قدام ربنا والناس دي كلها إني ظلمت مراتي، وإني ما كنتش راجل معاها في أول يوم، وأنا مستعد أكتب إقرار على نفسي بأي حاجة تطلبها بس سامحني وما تضيعش مستقبلي.”

أبويا بص لعمي وليا، وأنا كنت واقفة ورا الباب سامعة كل كلمة، ومشاعر الانتصار لكرامتي كانت بتملا قلبي. بابا قال للرجالة: “أنا هتنازل عن حقنا في القضية بشرط واحد… محمود يكتب إقرار رسمي قدام القعدة دي والمحامي، إنه اعتدى هو وأخته على بنتي، وإن محضر الاقتحام كان كذب وزور، والإقرار ده يفضل معايا، لو فكر يذكر اسم بنتي أو أهلي بكلمة واحدة في أي حتة، الإقرار ده يترفع للمحكمة ويدخله السجن فوراً.”

محمود وباقي عيلته وافقوا فوراً وبدون أي تردد، ومضى على الإقرار وهو بيترعش. وبعد ما تنازلنا عن المحضر وخرجوا من المركز بعد أسبوع شقاء، بقت السيرة في البلد كلها عن “بنت الأصول” اللي أخذت حقها بالقانون والرجولة، وعن العيلة اللي اتأدبت وعرفت حجمها.

بس القصة ما انتهتش عند كده… لأن الأحداث اللي جرت بعد الجلسة دي، والجزاء اللي نزل على محمود وأمه وأخواته البنات، كان أغرب وأشد من كل اللي اتوقعناه.

مرت الشهور بعد الجلسة وتنازلنا عن القضايا، ورجعت لحياتي ونفسيتي بدأت تتعافى بالتدريج. كنت بحمد ربنا كل يوم إنه كشفلي محمود وأهله من أول يوم، ونجاني من حياة كاملة كان ممكن أعيشها في ذل وقهقهرة. أما محمود وأمه وأخواته، فسبحان من يمهل ولا يهمل، الجزاء نزل عليهم أسرع مما يتخيل حد.

البلد كلها عرفت حقيقتهم، وطمعهم وقسوتهم بقوا على كل لسان. أخته التي شاركت في الاعتداء، كانت مخطوبة لشاب من عيلة طيبة وفي حالهم. أول ما أهله عرفوا اللي عملته فيا، وإنها اتسحبت على المركز وباتت في الحجز في قضية ضرب وبلاغ كاذب، الشاب وأهله فسخوا الخطوبة فوراً، ورفضوا يناسبوا عيلة بتهين بنات الناس وتسرق أكلهم، وبقت قاعدالهم في البيت هي وأختها الثانية ومحدش راضي يتقدم لواحد منهم.

أما محمود، فبقى عايش في بيتهم مكسور ومطأطأ الرأس. الفضيحة طاردته في شغله وفي البلد، وحس بالندم على اللي عمله. أمه حاولت تخليه يخطب ويتجوز تاني عشان تداري على الفضيحة وتغيظنا، بس كل ما يروحوا يخطبوا بنت ناس، أهالي البلد يوصلولهم الحقيقة ويقولوا: “بلاش العيلة دي، دول بيسرقوا التلاجة في الصباحية ويضربوا العروسة!”، فكل البيوت قفلت أبوابها في وشه.

في يوم من الأيام، سمعنا إن محمود اتقبض عليه في شغله بسبب عجز مالي وتلاعب عمله في حسابات الشركة، وهو بيحاول يدبر فلوس المصاريف والمحامين والديون اللي طالته بعد ما كل حاجة انكشفت. أمه التي كانت تبصلي بقلة قيمة، بقت تلف على بيوت البلد بتستجدى الناس عشان يتدخلوا ويكفلوا ابنها أو يسامحوه، ومفيش حد راضي يقف جنبها بعد اللي عملته معايا ومع أهلي.

أنا في الوقت ده، ربنا عوضني بأحسن مما أستاهل. جالي عريس من أصل طيب، راجل بجد بيعرف ربنا ويقدر قيمة بنت الأصول. لما جه يتقدم، بابا قاله كل حاجة بكل صراحة، فالراجل قال لبابا: “بنتك كرامتها من كرامتي، وأنا مش جاي أتجوز عيلة، أنا جاي أتجوز بنت أصول وسند.”

يوم جوازي الثاني، بيتنا كان مليان فرحة وضحك، والتلاجة والفريزر اتملوا بشقى أبويا وحبه، بس المرة دي كان مع راجل يحميني ويصون أمانتي. طلعت من تجربة بيت العيلة وأنا متأكدة إن حق البنت اللي وراها رجالة ما بيموتش، وإن ربنا ما بيسبش مظلوم إلا لما يجيبله حقه وينصره قدام اللي ظلموه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى