Uncategorized

حكايات امانى السيد

شدت فستاني بإيد بتترعش، ورفعت وشها ليا والدموع مغرقة خدودها، وسألتني بصوت مخنوق قطع قلبي لمية حتة:ماما… هو بابا نسي اسمي؟ هو مش عارف إني أنا بنته؟ طب ليه شايلها هي ومش عايز يبصلي؟”
في اللحظة دي، يوسف لف وشه بالصدفة، وعينه جت في عيني وفي بنته الواقفة جنبي.. لكنه بصلها ببرود تام وتجاهل كأنه ما يشوفهاش أصلاً، وسابهم واقفين وقرب مني بخطوات سريعة وقال بصوت واطي وحاد:
— “بلاش دراما وهبل النهاردة.. دي بنت يتيمة وغلبانة، وأنا حبيت أفرحها حرام يعني؟!”
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة، رجع بكل برود مسك إيد عشيقته، وضحك مع البنت، ودخلوا قاعة الحفلة قدام عيون الكل اللي كانوا متابعين المشهد بذهول.
فريدة رفعت عياها ليا وقالت بصوت يقطع القلب: “هو مش بيحبني يا ماما؟
دخلنا وراه القاعة، وكأننا بنمشي في كابوس مش بينتهي.
لقيناه على المسرح الصغير جوه القاعة، ماسك المايك وبصوت عالي بيضحك ويعزم كل الحاضرين من أهالي وأولياء أمور: “يا جماعة، الشرف ليكم كلكم، العزومة دي مني على قهوة وكافيه لكل الموجودين احتفالاً بتخرج روحي وقلبي كارما!”. الكل سقف وهلل وراح ناحية البوفيه، وهو نزل وفتح علبة الهدية الضخمة الفخمة قدام الكل، وطلع منها “عروسة الباليه” اللي كانت بنتي فريدة بتحلم بيها، ولبسها بنفسه للبنت التانية، وهي بتتنطط حواليه بفرحة وسعادة عارمة.
في اللحظة دي، اتحولت القاعة كلها حواليهم. الأمهات والآاتسامرات والمدرسين بقوا ملمومين حوالين بنت عشيقته، بيبصلها بانبهار وإعجاب وبتمنوا لها الفرحة، وكأنها هي الملكة وبنت الوحيدة اللي موجودة.أما فريدة.. فبقت شبه منبوذة في جنب القاعة، واقفة لوحدها بروب التخرج الواسع عليها، باصة للأرض ودموعها نازلة بصمت، والكل بيعدي جنبها من غير ما حتي يبص لها، كأنها نكرة أو شبح ملوش مكان وسط الفرحة دي.دقربت منها، نزلت لمستواها، وضميتها لحضني جامد وهي بترتجف وبتعيط بوجع وقهر: “يا ماما.. هو ليه الناس كلها بتحتفل بيها هي.. وأنا كأن مفيش حد شايفني؟ هو أنا مش تخرجت زيها؟”
كلماتها كانت خناجر بتغرز في قلبي، بصيتله هو وعشيقته كانهم اسره واحده واقف حاضنها من وسطها وشايل بنتها و الهدايا قدامهم والناس ملمومه حواليهم وانا وبنته بقينا متفرجين والقهره كسره قلبى لكن اللى عملته معاه بعد كده كانت الصدمه
مسحت دموع فريدة بإيدي اللي كانت بترجف من شدة القهر، وقفت على حيلي ونفضت عن كتافي أي أثر للضعف. الوجع اللي كان في عين بنتي حرق آخر ذرة تردد جوايا، وحوّل الحزن لنار باردة مش هتنطفي إلا بردّ اعتبارها قدام نفس الناس اللي اتجاهلوها. مسكت إيد فريدة ومشيت بيها بخطوات واثقة وصوت كعبي بيضرب في الأرض بثبات يلفت الانتباه، متجاهلة تماماً نظرات الشفقة العابرة.
طلعت درجات المسرح الصغير بخفة وحسم. يوسف كان واقف تحت، ساند إيده بتملك على كتف الست التانية، والضحكة مالية وشه وهو بيتلقى التهاني. مريت من جنب المسؤول عن الصوت، ومديت إيدي وسحبت المايكروفون من على الحامل بجرأة خلت مهندس الصوت يتراجع خطوة لورا من هيبة الموقف.
خبطت على المايك بصباعي خبطتين رنّوا في كل ركن من أركان القاعة، فانقطع الضحك، وسكتت الموسيقى الخلفية فجأة، والتفتت كل الرؤوس للمسرح. يوسف رفع راسه مخضوض، وملامحه بهتت لما شافني واقفة وماسكة إيد فريدة تحت الأضواء.قربت المايك من شفايفي، وبصوت هادي ورزين، لكنه شق صمت القاعة زي حد السيف، اتكلمت:
— “مساء الخير لكل الحاضرين… بعتذر لو قاطعت الاحتفال العظيم اللي بيقيمه الأستاذ يوسف المحترم على شرف البنوتة كارما. حبيت بس أشارك الحاضرين بحقيقة صغيرة تليق باليوم السعيد ده.”
عينه وسعت برعب، وساب الست اللي جنبه وخطى خطوة سريعة ناحية المسرح وهو بيحاول يبتسم بابتسامة مصطنعة وقال بصوت واطي ومبحوح: “انزلي يا مجنونة، بلاش فضايح هنا!”
كملت كلامي ونبرة صوتي بتزيد قوة وثبات، وبصيت في عين كل أم وأب في الصالة:
— “الأستاذ يوسف اللي عازم حضراتكم كلكم وبيدفع بسخاء عشان فرحة ‘كارما’، وبيمثل دور الأب الحنون اللي ضحى بكل مواعيده وسفرياته عشان يحضر… يبقى في الحقيقة جوزي، وأبو البنت اللي واقفة جنبي دي، فريدة. بنته اللي قفل السكة في وشها وهي بتترجاه يحضر تخرجها وقال إنه مسافر ومش فاضي، بنته اللي استخسر فيها اللعبة اللي في إيد كارما وقالها مش هدفع مبالغ هايفة في لعب عيال!”القاعة كلها شهقت في نفس واحد. الهمهمات اتفرقت في المكان، وبدأت نظرات الانبهار بالراجل الكريم تتحول لنظرات احتقار واشمئزاز بتبص عليه وعلى الست اللي اتسمرت مكانها ووشها اتقلب أصفر من الرعب والفضاحة، وبقت بتحاول تخبي وشها ورا شعرها من عيون الأمهات اللي حاصروها بنظرات نارية.
يوسف اتجمد على أول درجة من درجات المسرح، وشه شاحب وعينيه بتدور في الصالة بعجز تام، مش قادر يدافع عن نفسه ولا ينكر حقيقة البنت اللي نسخة طبق الأصل من ملامحه.
بصيت له من فوق لتحت باحتقار كامل، ونزلت عيني على خاتم الجواز في إيدي، قلعته ببطء ورميته قدام رجليه على المسرح، وصوت سقوطه على الخشب رنّ في سكون المكان:
— “قدام كل الناس اللي حاولت تشتري برستيجك قدامهم بالكدب والتخلي عن ضناك… أنا وبنتك بنعلن إنك برا حياتنا للأبد. فريدة مش محتاجة أب زيك عشان تفرح، وأنا مش محتاجة راجل ملوش أمان في ضهري. يوسف… أنا بطلب الطلاق منك حالاً وقدام كل الحاضرين دول كشهود.”
سيبت المايك يزن على المسرح، ونزلت لمستوى فريدة، وشلتها على كتفي قدام عيون الكل.
الصمت المخيف اللي سيطر على القاعة انكسر فجأة بصوت تسقيف خافت من واحدة من الأمهات، وثواني وكان المسرح بيتهز بتصفيق حاد ومؤازرة من أولياء الأمور والمدرسين اللي وقفوا يعوضوا فريدة عن كل لحظة انكسار، بينما يوسف انكمش مكانه، غرقان في خزي وفضيحة عمره ما هيعرف يغسل عارها. خرجت بفريدة لبرة القاعة وأنا رافعة راسي، وعارفة إن النهاية دي كانت في الحقيقة أول خطوة في حياتنا الحقيقية.يوسف مالحقش يستوعب الصدمة، عروق رقبته نفرت من الغيظ، وطلع المسرح باندفاع وهو بيشد المايك من إيدي بعنف، وحاول يداري وشه المحروق بابتسامة صفرا مرتعشة وهو بيبص للناس اللي بدأت تتهامس بحدة:
— “يا جماعة متصدقوش الكلام ده! الست دي مريضة نفسياً وغيرانة وبتحاول تبوظ فرحة البنت وتعمل شو رخيص! أنا أصلاً منفصل عنها من شهور ودي طليقتي وبتحقد على حياتي الجديدة، والبنت دي حتى مش…”
قطع كلمته قبل ما يكمل قذارته، لكن نظرته كانت كافية تفضح نيته في التنصل من بنته عشان ينجي نفسه. بصيت له بابتسامة باردة كلها ثقة، ومديت إيدي للمسؤولة عن التنظيم والميس المشرفة على المرحلة اللي كانت واقفة جنب المسرح مصدومة وفاغرة بقها.قربت منها، وبصوت واضح وهادي سمعه يوسف والصفوف الأولى:
— “مس رانيا… من فضلك اطلعي هنا، وافتحي كشف الحضور وقايمة أسماء دفعة التخرج اللي في إيدك حالا. اقري قدام أولياء الأمور اسم بنتي فريدة كامل من واقع شهادة ميلادها، واقري اسم البنوتة كارما كامل واسم والدها المسجل عندكم.”
المشرفة ارتبكت وبصت للمديرة اللي شاورتلها بحزم إنها تطلع، الجو في القاعة بقى مشحون بطاقة حبست أنفاس الكل، حتى الأطفال سكتوا من هيبة الموقف. مس رانيا طلعت ووقفت جنب المايك بإيد بترتعش، فتحت الكشف المطبوع، ودورت بصباعها بين السطور بينما يوسف عينه بتجحظ برعب حقيقي وعرقه بينزل شلالات على قميصه الفاخر.
قربت الميس الورقة لعينيها وقالت بصوت مسموع في المايك:
— “الطالبة: فريدة يوسف أحمد التهامي… اسم الأب المسجل: يوسف أحمد التهامي.”
القاعة رجعت تتهامس وشهقات الأمهات عليت، لكن الضربة القاضية كانت في السطر اللي بعده لما قلبت الميس الصفحة وقالت:والطالبة: كارما شريف عبد الرحمن… اسم الأب المسجل: شريف عبد الرحمن، والأستاذ يوسف غير مسجل بصفة قرابة للطالبة.”
الكلمات نزلت زي صاعقة كهربية شلت يوسف تماماً. الست اللي معاه صرخت بصوت مخنوق وسحبت بنتها من إيدها وجريت وسط الممرات بتداري وشها والناس بتبعد عنها باشمئزاز وبيبصوا لها باحتقار معلن.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى