Uncategorized

حكايات امانى السيد

يوسف بقى واقف على خشبة المسرح كأنه عريان تماماً قدام مئات العيون، لسانه عجز عن نطق حرف واحد، والمايك اتزحلق من إيده ورن في الأرض بصوت عالي وجاف لخص حجم سقوطه المروع.
وطيت وشلت فريدة في حضني، رفعتها لفوق وبوست خدها والابتسامة رجعت تنور ملامحها البريئة بعد ما عرفت إن الحق ظهر، وفي اللحظة دي القاعة انفجرت بتسقيف حاد وهتافات تشجيع من المدرسين والأهالي اللي حاصرونا بدعوات ومباركات، وسابوا يوسف منبوذ ورا ضهرنا، غرقان في خزيه وفضيحته اللي عمر ما حد هينساها.
نزلت بفريدة من على درجات المسرح وسط ممر شرفي عفوي عملوه الأهالي والمدرسات، الناس كانت بتمد إيديها تطبطب على كتف بنتي، وواحدة من الأمهات سحبت من شنطتها باقة ورد صغيرة وعلبة شيكولاتة فاخرة ومدتهم لفريدة بابتسامة دافية: “ألف مبروك يا حبيبتي، إنتي أجمل وأشطر بنوتة اتخرجت النهاردة!”.
فريدة عينيها لمعت بفرحة حقيقية، حضنت الورد وضحكت بصوت عالي ملأ القاعة، صوتضحكتها كان كفيل يمسح أي أثر للخوف أو الانكسار اللي حسّت بيهم من دقايق.
على الجانب التاني، كان يوسف شبه مشلول، نزل من المسرح ورجليه مش شايلاه، الوشوش اللي كانت بتضحك له من شوية بقت بتبص له بقرف ونفور صريح، حتى الراجل اللي كان واقف يشاركه الضحك عند البوفيه لف ضهره ورفض يبص في عينه. لما حاول يقرب مننا ويمسك دراعي بعصبية وهو بيهمس بفحيح مكتوم: “انتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي باللي عملتيه ده؟ ورحمة أمي لـ…”
قبل ما يكمل جملته، اتدخل اتنين من أولياء الأمور بحزم ووقفوا حيطة سد بيني وبينه، واحد منهم زقه بخفة في صدره وقال له بنبرة صارمة: “الزم حدودك يا أستاذ واحترم المكان، كفاية اللي عملته لحد هنا وما تفرّجش الناس عليك أكتر من كده، اتفضل برا بهدوء بدل ما الأمن يخرّجك!”.
مديرة المدرسة شاورت لحراس الأمن، وفي لحظات كان اتنين من أفراد الأمن محاوطينه من الجنبين، بيقتادوه ناحية البوابة الرئيسية وسط عيون كل الحاضرين اللي تابعت خروجه كأنه منبوذ بيتطرد من مكان مش شبهه. كان ماشي موطي راسه، كتف مهدود، وغروره اتكسر قدام مجتمع كامل كان بيحاول يبني برستيجه المزيف على حساب طفلته.
خرجت بفريدة لساحة المدرسة في الهوا المفتوح، الشمس كانت دافية وكأنها بتطهرنا من كل السواد اللي عشناه جوه. بنتي رفعت راسها وبصتلي، عينيها صافية ومفيهاش دمعة واحدة، وقالتلي ببراءة:ماما.. إحنا خلاص مش زعلانين، صح؟”
نزلت لمستواها، بوست راسها بكل قوتي وابتسمت من قلبي لأول مرة من شهور طويلة:
— “ولا عمرنا هنزعل تاني يا روح ماما.. النهاردة إحنا الاتنين اتخرجنا، مش إنتي لوحدك.”مسكت إيد فريدة وخرجنا من باب المدرسة، كانت خطوتها خفيفة كأنها اتولدت من جديد، صوت زقزقة ضحكتها مع كل خطوة على الرصيف كان بينزل على روحي زي البلسم. وقفت تاكسي وركبنا، وقبل ما يتحرك طلبت من السواق يعدي على أكبر محل ألعاب في طريقنا.
دخلت المحل وأنا رافعة راسي، شلت فريدة وخليتها تلف بين الرفوف براحتها، مش بتدور على عروسة باليه عادية زي اللي استخسرها فيها أبوها، لأ، اخترنا سوا أكبر بيت عرايس ملون، وفستان أميرات كانت بتحلم بيه. دفعت تمنهم من تعبي وفلوسي الحلال وأنا حاسة برضا عمري ما دوقته قبل كده. الفرحة اللي شفتها في عيون بنتي وهي حاضنة علبتها وبتتنطط وسط المحل كانت تسوى الدنيا وما فيها.
أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب بالمفتاح، وحسيت إن الهوا جوه الشقة بقى أنضف. تليفوني مابطلش رن؛ رسايل يوسف كانت نازلة شتيمة وتهديد بالبهدلة في المحاكم، وبعدها بساعة اتقلبت لرجا وتوسل: “أبوس إيدك يا هدى افتحي، الفضيحة خربت بيتي، الست اللي معايا هربت وشغل أبوها لغى كل التعاقدات معايا، متخربيش بيتنا عشان لحظة غضب!”.
بصيت للشاشة بنظرة باردة تماماً، من غير ما ينبض في عروقي أي خوف ولا حتى شماتة. عملت لرقمه حظر بلمسة صباع واحدة، وفتحت كشف المكالمات وطلبت رقم محامي العيلة.
— “مساء الخير يا متر.. عايزة أرفع قضية خلع ونفقة ومؤخر بكرة الصبح، ومعايا فيديو كامل لواقعة الحفلة يثبت الضرر النفسي والإسقاط العلني لبنته، والشهود نص أولياء أمور المدرسة.”
المتر رد بنبرة واثقة: “حقك مضمون يا فندم، والقضية في جيبنا من أول جلسة.”قفلت السكة، وقعدت على الأرض جنب فريدة اللي كانت غرقانة وسط ألعابها الجديدة وبتغني لحن طفولي سعيد. بصيت للمراية وشفت ست تانية؛ ست خرجت من تحت رماد التهميش والقهر، واكتشفت إن قوتها الحقيقية مكنتش في راجل ملوش ضهر، لكن في كرامة اتولدت من حزن بنتها، وفي حياة جديدة لسه بتبدأ على بياض.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى