
رجعت البيت في الساعات الأولى من الصباح، خطواتي كانت تقيلة كأني شايالة الجبل كله فوق ضهري. الشقة الصغيرة اللي أجدتها بسعر حنين كانت ضيقة وساكتة، بس لأول مرة السكوت ده مكنش بيخوفني.. كان بيطبطب عليا.
قعدت على طرف الكنبة، وبصيت لإيديا الناشفة اللي الشقا طبع عليها علامات مش هتتمحي. الأربعين مليون جنيه كانوا كفيلين يغيروا مجرى حياتي كلها في لحظة، بس الوجع اللي جوة قلبي مكنش فيه فلوس في الدنيا تقدر تمحيه. ابني اللي بعت الدنيا عشانه، شايف إن ألفين جنيه كتير عليا، وشايف إن طليقي ومراته يستاهلوا عشرة!
ما نمتش دقيقة واحدة طول الليل. مع أول ضوء للنهار، أخدت شنطتي الصغيرة وركبت أول عربية رايحة البلد.
المشوار كان طويل، وكل كيلو بقطعه كان بيرجعني لوراء، لسنين الفقر والشقا. لما وصلت، لقيت الحاج مصطفى مستنيني في مكتب المحامي. الراجل الطيب ده كان صديق والدي الله يرحمه، وهو اللي فضل ورا الإجراءات ومسابش حقي يضيع.
قعدت قدام الموظفين والورق المفرود. وقعت رسمي على استلام مبلغ التعويض عن البيت والمزرعة القديمة اللي حازم كان شايف إنها متسواش 50 ألف جنيه.
لما البنك أكد تحويل الـ 40 مليون جنيه في حسابي، الموظف بصلي باحترام شديد وقال: “ألف مبروك يا حجة، بقيتي من أصحاب الأملاك.”
رديت بصوت هادي وعين ناشفة: “الله يبارك فيك يا ابني.. البركة في الشقا.”
خرجت من البنك ومعايا كارت الحساب والوثائق الرسمية. أول حاجة عملتها إني أجدت شقة واسعة وفي مكان راقي في القاهرة، وقررت أبدأ أعيش.. مش رفاهية، لكن عشان أداوي ضهري اللي انحنى من الفقر، وعشان أثبت لنفسي إن الكرامة ملهاش تمن.
خلال الأسبوع الأول، حازم مصلش بيا ولا مرة. ولا حتى كلف نفسه يطمن أمه وصلت بيتها إزاي بعد ما سابت الأكل ومشيت. الألفين جنيه حُولوا على حسابي البريدي القديم كأنه بيأدي واجب ثقيل وبيخلص ذمته من ربنا!
كنت بشوف رسالة الإيداع بتيجي على تليفوني القديم، وببتسم بمرارة وأنا شايفة رقم الألفين جنيه جنب رقم الـ 40 مليون اللي في البنك.
بعد شهر تقريباً، عبد السميع وميرفت بدأوا يضغطوا على حازم. العشرة آلاف جنيه زيادة مكنتش مقضية طمعهم، وميرفت كانت عايزة تغير فرش شقتها وتشتري دهب جديد، أما عبد السميع فبدأ يرجع لعهده القديم ويجرب حظه في قعدات لعب ومراهنات مستترة، والفلوس بقت تطير من إيده.
وفي يوم، كنت قاعدة في شقتي الجديدة بعد ما عملت الفحوصات الطبية وبدأت علاج ضهري ورجلي مع أكبر الدكاترة، التليفون رن.. كان حازم.
رديت بنبرة هادية جداً: “أيوة يا حازم.”
صوته كان مشحون ومتوتر: “إيه يا ماما؟ مابتسأليش يعني؟ ولا بتتصلي تطمني عليا ولا على ولادي؟”
قُلت ببرود: “مش انتوا مرتبين حياتكم ومعندكوش وقت للنكد؟ أنا سايباكم براحتكم.”
اتنحنح وقال بخبث محاولاً يتودد: “بقولك إيه يا ست الكل.. بابا وضعه حرج شوية الشهر ده، وميرفت محتاجة تعمل عملية صغيرة، وأنا التزاماتي تقيلة وقسط الشقة خانقني.. هو انتي الألفين جنيه بتوع الشهر ده صرفتيهم كلهم ولا شايلا منهم حاجة؟ لو معاكي ألف جنيه بس فكة سلّفيني لآخر الشهر وهبقى أرجعهملك.”
غمضت عيني، وحسيت بنغزة في قلبي.. جاي يستلف من أمه الألفين جنيه اللي أداهوملها شحاتة!
قُلتله بثبات: “والله يا حازم، الألفين جنيه بتوعك أنا متصرفت بيهم.. ومبقاش معايا سلف لحد.”
صوته اتغير وبقى حد: “يعني إيه يا ماما؟ بتعاندي معايا؟ هو أنا مش ابنك؟ يعني قاعدة في البيت القديم ومش بتصرفي حاجة ومستخسرة فيا ألف جنيه؟”
قُلتله بابتسامة سخرية مش شايفها: “مين قالك إني قاعدة في البيت القديم؟ البيت القديم اتهد يا حازم.. اتهد من زمان.”
قال بذهول: “يعني إيه اتهد؟ انتي قاعدة فين دلوقتي؟”
رديت بكل هدوء: “أنا قاعدة في بيتي الجديد.. وفي ملكي.”
قبل ما يفهم أو يستوعب، قفلت السكة في وشه.
في نفس اليوم، قررت إن القرار اللي أخدته يوم العزومة لازم يتنفذ، بس بالتدريج وبطريقة تخليه يتمنى لو كان صان كرامة أمه ولو بكلمة حلوة.
نزلت مع المحامي بتاعي، وقررت أستثمر جزء من المبلغ. اشتريت حصة كبيرة في شركة مقاولات وعقارات ناشئة، وبقيت شريكة رئيسية فيها. ومن الصدف الغريبة—أو ترتيب ربنا—إن الشركة دي كانت من الموزعين والمتاعاملين الكبار مع الشركة الهندسية اللي حازم شغال فيها.
مرت الأيام، وحازم بيحاول يوصل الموقف مش فاهم أمه جابت فلوس منين عشان تقعد في شقة جديدة، وظن إنها شحتت من قرايبها أو أخدت إيجار جديد بالدين.
عبد السميع بدأ يزن على حازم أكتر، وميرفت بقت تروحله البيت وتعمل مشاكل مع مراته شيماء، وشيماء أصبحت تطرد عبد السميع وميرفت من البيت وتقولهم: “إحنا مش فاتحينها تكية لأبوك ومراته!”
البيت عندهم بقى جحيم، والحسب البركة اللي حازم حسبها بالورقة والقلم اتردت في وشه.
في يوم من الأيام، كان فيه اجتماع كبير في الشركة اللي شغال فيها حازم. الشريكة الجديدة في شركة العقارات الكبرى جاية توقع عقود توريد وشراكة بمليارات مع شركتهم، وكان لازم مهندسين الموقع والمشاريع يحضروا الاجتماع عشان يتلقوا التعليمات.
حازم كان واقف وسط المهندسين، لابس قميصه وبداته ومستني يثبت وجوده قدام الإدارة والمالكين الجداد.
باب القاعة اتفتح.. ودخلت أنا.
كنت لابسة شياكة تليق بمقامي، واثقة في خطوتي، وضهري اللي كان مائل بسببه مفروض ومصلوب، وجنبي المحامي الخاص وراجل أعمال كبير.
القاعة كلها وقفت احتراماً، وحازم عينيه وسعت بصدمة شلت لسانه!
بصلي وهو مش مصدق، لدرجة إنه فرك عينيه عشان يتأكد إن الست اللي داخلة تملك زمام الشركة دي هي أمه.. الست اللي كان فاكر إن كفايتها ألفين جنيه وركنة في بيت طين!
قعدت على رأس الترابيزة، وبصيت في عينيه مباشرة.. عينيه كانت مليانة ذهول، وخوف، وألف سؤال وسؤال.
تنحنح رئيس مجلس إدارة شركته وقال بكل احترام:
“نرحب بالدكتورة والحجة منال.. الشريكة الرئيسية والمستثمرة الجديدة في مجموعتنا!”
حازم حط إيده على الترابيزة ورجليه مكنتش شايلاه، وأنا بصلتله بثبات وابتسمت ابتسامة كفيلة تفهمه إن الحسبة اتعادت.. وإن التمن بقى غالي أوي.



