روايات وقصص

حكايات امانى 2

صوت خبطات أحمد على باب الأوضة كان عامل زي طلقات  ، بيحاول يكسره بعصبية وهو بيصرخ بصوت عالي ملاش أى تحكم: “افتحي يا إيمان بقولك! إيه قلة الأدب والجنون ده! افتحي الباب قبل ما أكسره على دماغي ودماغك!”
حماتي بره كانت بتزعق وتلطم على وشها وصوتها جاب آخر الشارع: “سيبها يا أحمد.. سيب قليلة الأصل دي! دي طردتنا من قعدتنا وعليت صوتها علينا! طلقها حالاً واديني بنتك واقعد لوحدك في البيت اللي هربت منه البركة!”
سلايفي كانوا واقفين ورا الباب بيهمسوا بصوت واطي فيه شماتة وخباثة، شيماء قالت بصوت سمعته كويس من وراء الخشب: “أنا قلت من الأول البت دي خدت على الصمت لحد ما شافت نفسها علينا.. أحسن أهي ولعت بينهم عشان تعرف تحترم الكبير!”
وقفت قدام الدولاب بهدوء تام، الهدوء ده كان مرعب حتى لنفسي، مكنش فيه دمعة واحدة نازلة، بالعكس.. حسيت بروحي بترجعلي مع كل هدوم كنت بطبقها وأرميها جوه الشنطة. خلصت شنطتي وقفلت السوستة بتاعتها بقوة، مسكت التليفون بتاعتي وفتحته وبعت رسالة قصيرة لأخويا الكبير (محمود)، راجل ضهر وسند مبيسمحش بظلم: “تعال حالا خدني من بيت جوزي، وماتنساش تجيب معاك خالى أو حد من العيلة.”
بعدها بخمس دقایق، صوت خبط أحمد على الباب وقف فجأة، وجه مكانه صوت زعيق أخويا محمود من بره الصالون وهو داخل بصوت عالي يهز البيت كله: “فين أختي يا أحمد؟! إيه قلة الأدب دي والناس متلمة على الباب؟! مراتي راجل تتهان في بيتكم عشان خدمة هوانم حضراتكم؟!”
أحمد حاول يتدارك الموقف ويرد بصوت مهزوز بس فيه عصبية زائفة: “تعال يا محمود ادخل.. أختك اتجننت وطردت أمي وأخواتي وشربتنا المر في بيتنا!”
محمود قاطعه بصوت صارم ومرعب: “أنا ما أسمعش صوتك! أختي لا عمرها جابتلكم عار ولا قصرت في أصلها، بس أنتم استغلتوها ونسيتوا إنها بنت ناس ومش شغالة عندكم! وسّع كده لما أخد أختي وحاجتها، وكل واحد يرجع لبيته ويعرف قدر مراته!”
باب الأوضة اتفتح بعنف، ودخل محمود عيونه شرارة من الغضب، بس أول ما شافني واقفة وماسكة شنطتي وملامحي ثابتة، حضنني بقوة وقال بحنان: “يلا يا إيمان.. الباب اللي ماقدرش قيمتك ما يلزمناش دقيقة واحدة.”
طلعت بره الأوضة، كانت حماتي قاعدة على الكنبة بتزعق وتدعي عليا، وشيماء وسارة قاعدين عاملين زعلانين، وأحمد واقف مكسور ومصدوم من سرعة الأحداث. بصيت لهم كلهم نظرة أخيرة من غير ما أنطق بحرف واحد، ومشت بخطوات ثابتة ورا أخويا لحد ما خرجنا بره الشقة خالص.
ركبت العربية مع محمود، وطول الطريق عيون الناس في الشارع كانت بتبص علينا، بس أنا حسيت بـ حريّة عمري ما حسيتها قبل كده. وصلنا بيت أهلي، بابا الله يرحمه كان دايماً يقولنا “كرامة البنت هي راس مالها”، ومحمود استقبلني بحفاوة وقال لي كلمتين ريحوا قلبي: “قعدتي هنا مرفوعة الراس، ولا كائن على وجه الأرض يقدر يجيب سيرتك بكلمة وحشة.”
فات أسبوع كامل.. أسبوع مكنش فيه تليفون واحد من أحمد، كان فاكر إني راجعة “أدب” كم يوم وهمشي وراه زي الخاتم في الصاد، وكان فاكر إن أهله هيجيبوا راسه ويقولوا له “رجع مراتك”. بس اللي مكنش حاسبه إن بيته اتقلب فوق ورا تحت من غيري!
في اليوم الثامن، بالليل متأخر، لقيت تليفوني بيرن.. رقم أحمد. سيبه يترن لحد ما فصل لوحده، وبعدها بعشر دقايق رجع رن تاني. فتحت الخط من غير ما أتكلم بحرف واحد.
الصوت جه من الناحية التانية مكسور ومرهق، وواضح عليه التعب والخناقات اللي دايert في البيت: “إيمان.. بطلي جنان وتعالي.. البيت من غيرك بايظ، والمواعين متركومة في الحوض لعل وعسى، وأمي زهقت من أكل بره وعايزاكي ترجعي.”
ضحكت بصوت عالي لأول مرة من أسبوع، وقلت ببرود تام: “المواعين متركومة؟ أمك زهقت؟ أمال سلايفك الهوانم اللى كانوا قاعدين يتأمروا راحوا فين؟ ما يخدموها يا أحمد، ولا أصلهم ما اتعوضش على الشقا زي ما قلتوا؟!”
أحمد قال بصوت فيه رجاء وتوسل: “يا إيمان بالله عليكِ ما تواجهينيش بكلام إخواتي، شيماء وسارة مش طايقين يدخلوا المطبخ أصلاً، والبيت ولع خناقات من أول يوم مشيتي فيه، وأنا تعبت.. تعالي وكل شروطك متنفذة، هعملك شقة لوحدك ومش هندخل حد في حياتنا.”
رديت عليه بكل حسم وقوة وأنا باصة قدامي: “الشروط اللي تتنفذ مش عشان ترجعني عشان أخدمك أنت وأهلك، الشروط تتنفذ لوحدك لما تعرف إن مرارتك مش خادمة، ولما إخواتك وأمك يتعلموا يكلموني باحترام. غير كده يا أحمد.. خلي المواعين تملى البيت، وخلي الشغالة الجديدة اللي تدورو عليها تونسكم.. سلام!”
قفلت السكة في وشه من غير ما استنى أسمع رده، ورميت التليفون على السرير، وبصيت لنفسي في المراية بابتسامة نصر حقيقية.. الشغالة استقالت للأبد، والقصة لسه فيها فصول تانية كتير.
البيت عند أحمد كان عبارة عن قطعة من جهنم.. الكلمة دي مكنتش مبالغة، دي كانت حقيقة نقلها ليا أخويا محمود بعد ما قابل واحد من جيرانهم صدفة في الشارع وقاله أخباره.
شيماء وسارة رفضوا رفض تام يدخلوا المطبخ أو يعملوا أي حاجة لحماتي، وكل واحدة فيهم مسكت في جوزها وقالتله بالحرف: “هي إيمان كانت شغالة عندكم وعندنا؟ روحوا هاتوا شغالة بالأجر تخدم أمكم، إحنا مش جايين نشتغل عند حد!” وأحمد اللي كان مكسور ومتبهدل وسط خناقات إخواته وطلبات أمه اللي مبخلصش، لقى نفسه واقع في ورطة عمره؛ البيت اللي كان فجأة “الجنة” اللي قاعد فيها براحته، بقى كابوس مقرف مليان تراب ومواعين وسخيفة، وأكل من برا مبقاش يعجب أمه ولا يخارجهم.
فات شهر كامل.. شهر كامل وأنا في بيت أهلي، ملكة مرفوعة الراس، بساعد أمي بحب واختيار، مش بـ قهر ولا خوف ولا إجبار. لحد ما في يوم، وأنا قاعدة مع أخويا محمود في الصالة، لقينا باب البيت بيخبط خبطات هادية.. مش خبطات أحمد العصبية بتاعة زمان.
محمود قام فتح الباب، ولقى أحمد واقف وراقه.. بس مش أحمد المغرور المتكبر اللي كان قاعد وسط إخواته يضحك على مراته؛ ده كان أحمد التعبان، اللي عيونه غرقانة في السهر والتفكير، وراسه مطاطية في الأرض.
محمود بص له ببرود وقال بحِدّة: “جاي تاني ليه يا أحمد؟ مش كفاية اللي عملته؟”
أحمد مد إيده بورقة، وبصلي بندم وتوسل وقال بصوت مكسور: “أنا مش جاي أخدك بالغصب يا إيمان.. أنا جاي أقولك إنك حقك رجع تلات مرات. شوفي الورقة دي.. دي عقد شقة تمليك في العمارة اللي جنبنا، باسمك لوحدك، ومفيش مفتاح مع حد لا أمي ولا إخواتي، ومفيش دخول لحد بيتك إلا بإذنك ورضاكي.”
الكل سكت في البيت، أمي طلعت من جوه وبصت للورقة ولأحمد باستغراب، ومحمود ربع إيده وقال: “والأهل؟ أهلك اللي كانوا بيستقووا عليها؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى