
في فرح ابني على مراته الجديدة، سمعت عروسته وهي بتقول لحفيدتي اللي عندها خمس سنين:— إنتِ مبقتيش أهم بنت في حياة باباكي… وابعدي عن صور العيلة!
وقتها حضنت حفيدتي ومسحت دموعها، واستنيت لحد حفل الزفاف. ولما بدأت كلمات التهنئة، وقفت ورفعت كوباية العصير وقلت جملة خلت القاعة كلها تسكت.
لما وصلت لسن الثامنة والستين، كنت فقدت جوزي، وبعده بسنين قليلة فقدنا مرات ابني وأم حفيدتي في حادثة مأساوية، وسابت وراها طفلة عمرها سنتين بس.
من يومها، أنا وابني عملنا كل اللي نقدر عليه علشان حفيدتي تكبر وسط الحب والأمان. كنت باخد بالي منها، وأجيبها من الحضانة، وأحكيلها عن مامتها، وأوريها صورها علشان تفضل ذكراها عايشة جواها.
ولما ابني قالي إنه اتعرف على واحدة وعايز يتجوزها، فرحتله من قلبي، وكنت أتمنى يبدأ حياة جديدة تعوضه عن السنين الصعبة اللي عاشها.
العروسة كانت باينة لطيفة، والأهم إن حفيدتي كانت بتحبها ومرتاحالها.
وبعد سنتين، حددوا ميعاد الفرح.
يومها، كانت حفيدتي طايرة من الفرحة. لبست فستانًا ورديًّا جميلًا، وفضلت تقول لكل اللي تقابله:
— أنا هتصور مع بابا في صور الفرح!
وقبل بداية المراسم، خرجت أدور عليها علشان أطمن عليها.
وأنا بقرب من الأوضة اللي كانت العروسة بتجهز فيها، سمعتها بتقول لحفيدتي:
— إنتِ مبقتيش أهم بنت في حياة باباكي… أنا دلوقتي أهم واحدة عنده، فابعدي عن صور العيلة!
وقفت مكاني مصدومة…وبعد لحظات، خرجت حفيدتي من الأوضة وعينيها مليانة دموع. قعدت على كرسي بعيد، وطأطأت رأسها وهي باصة على جزمتها الصغيرة.
قربت منها، وضميتها لحضني، وفضلت جنبها لحد ما هديت وبطلت عياط.
كنت عايزة أواجه العروسة في نفس اللحظة، لكني خفت أضايق حفيدتي أكتر أو أفسد فرحة ابني قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
علشان كده، استنيت لحد حفل الزفاف.
وقفت من مكاني، ورفعت كوباية العصير بإيد كانت ثابتة رغم إن قلبي من جواه كان بيغلي.
الناس كلها بدأت تبص ناحيتي.
ابني ابتسم وقال:
— أهو كده بقى… كلمة من أمي للعروسين.
ابتسمتله، لكن عيني راحت ناحية حفيدتي.
كانت قاعدة جنبي، ماسكة طرف فستانها الوردي بإيديها الصغيرين، وكل شوية تبص لأبوها وبعدين تنزل عينيها في الأرض.
أما عروسته، فكانت مبتسمة وسط الناس وكأن مفيش حاجة حصلت.
رفعت الكوباية أكتر وقلت:
— أنا مش هبارك للعروسين الأول… أنا عايزة أبارك لبنت صغيرة موجودة هنا.
القاعة هديت بالتدريج.
ابني بصلي باستغراب.
قلت:
— عايزة أبارك لحفيدتي… لأنها النهارده علمتني إن الطفل ساعات بيتوجع ويسكت، علشان خايف يبوظ فرحة الكبار.
وش العروسة اتغير فجأة.
اختفت ابتسامتها.
ابني لف ناحية بنته، وبعدين رجع بصلي وقال:
— ماما… تقصدي إيه؟
ما رديتش عليه.
بصيت للعروسة مباشرة وقلت:
— وعايزة أقول حاجة قدام كل الناس… الست اللي تتجوز راجل عنده بنت، ما بتاخدش مكان بنته. هي بتاخد مكان جديد في حياته، مكان يخصها هي.
بدأ الهمس ينتشر بين الترابيزات.
والعروسة حطت كوبايتها على الترابيزة وقالت بصوت واطي:
— حضرتك بتقولي الكلام ده ليه؟
قلت:
— علشان من أقل من ساعة، بنت عندها خمس سنين خرجت من أوضة تجهيزك وهي بتعيط.
ابني قام من مكانه مرة واحدة.
— بتعيط ليه؟!
حفيدتي اتخضت من صوته، فمسكت إيدها بسرعة.
قلتله:
— اقعد يا ابني… متخوفهاش.
لكن العروسة قامت هي كمان وقالت:
— واضح إن فيه سوء تفاهم.
بصيتلها وقلت بهدوء:
— يا ريت يكون سوء تفاهم. علشان أنا سمعت بودني جملة أتمنى إني أكون فهمتها غلط.
القاعة بقت ساكتة تمامًا.
حتى الموسيقى اتوقفت لما العامل المسؤول لاحظ إن كل الناس مركزين معانا.
ابني قرب مني.
— سمعتي إيه يا أمي؟
بصيت لحفيدتي.
ماكنتش عايزة أكرر الكلام قدامها.
انحنيت عليها وقلت:
— حبيبتي، ممكن تروحي مع خالتك تجيبيلي شنطتي من بره؟
هزت رأسها، لكن قبل ما تتحرك شدت إيدي وهمست:
— متزعليش بابا مني يا تيتة.
الجملة دي كسرت قلبي.
حضنتها وقلت:
— بابا عمره ما يزعل منك.
خرجت مع خالتها.
وأول ما الباب اتقفل وراها، بصيت لابني وقلت:
— مراتك قالت لبنتك: “إنتِ مبقتيش أهم بنت في حياة باباكي… أنا أهم واحدة دلوقتي، وابعدي عن صور العيلة.”
وش ابني اتجمد.
بص ناحية عروسته وكأنه مستني منها تضحك وتقول إن الكلام ده محصلش.
لكنها ما ضحكتش.
قال:
— الكلام ده حصل؟
ردت بسرعة:
— أنا ماقصدتش بالشكل اللي والدتك بتقوله.
قلت:
— يبقى حصل.
سكتت.
ابني قرب منها خطوة.
— إنتِ قلتي لبنتي تبعد عن صور العيلة؟
قالت بتوتر:
— هي كانت مصممة تدخل في كل صورة، وأنا كنت عايزة صور لينا إحنا الاتنين لوحدنا. ده يوم فرحي أنا كمان!
رد ابني:
— وصور لوحدنا دي محتاجة تقولي لطفلة إن مكانتها عند أبوها انتهت؟
بدأت دموعها تنزل.
— أنا ماقلتش إن مكانتها انتهت.
قلت:
— بس قلتي لها إنها مبقتش أهم بنت في حياته.
لفت ناحيتي وقالت:
— حضرتك من البداية مش متقبلاني.
اتصدمت.
— أنا؟
قالت:
— أيوه. طول الوقت صور أمها موجودة. طول الوقت بتحكوا عنها. وكل ما أحاول أقرب من البنت، أحس إن فيه واحدة متوفية أنا مطالبة أنافسها!
الكلمة وقعت على القاعة كلها تقيلة.
ابني بص لها بصدمة.
وأنا للحظة ماعرفتش أرد.
لأن لأول مرة فهمت إن المشكلة أكبر من جملة اتقالت لطفلة.
المشكلة كانت موجودة من زمان…
وإحنا كلنا ماخدناش بالنا.
ابني قال بصوت مكسور:
— إنتِ شايفة أم بنتي منافسة ليكي؟
ردت وهي بتمسح دموعها:
— أنا تعبت إني أحس إني دايمًا رقم اتنين.
قلت لها:
— وإنتِ علشان خايفة تكوني رقم اتنين… قررتي تخلي طفلة عندها خمس سنين تحس إنها رقم اتنين؟
سكتت.
محدش في القاعة اتكلم.
لكن قبل ما ابني يرد…
رجعت حفيدتي فجأة عند باب القاعة.
كانت واقفة لوحدها.
وفي إيدها حاجة صغيرة.
صورة قديمة لأمها.
جريت ناحية أبوها ومدتله الصورة وقالت وهي بتعيط:
— بابا… أنا ممكن أخبي صورة ماما لو هي بتزعلها… بس متخلينيش أبعد عنك.
ابني نزل على ركبته قدامها فورًا.
وحضنها بقوة.
وأنا كنت فاكرة إن دي أصعب لحظة في الليلة.
لكن اللي حصل بعدها كان أصعب بكتير.
لأن العروسة أول ما شافت الصورة اللي في إيد حفيدتي…
شهقت.
وبصت للصورة كأنها شافت شبح.
وبعدين قالت جملة محدش فينا كان متوقعها:
— الصورة دي… جت منين؟
رفعت حفيدتي عينيها وقالت:
— دي ماما.
العروسة قربت خطوة، ووشها بقى أبيض.
— لا… أنا قصدي الصورة نفسها. مين اداها لك؟
قلت باستغراب:
— الصورة دي عندنا من سنين.
لكنها فضلت باصة للصورة، وبعدين همست:
— مستحيل…
ابني وقف وهو شايل بنته وقال:
— إيه اللي مستحيل؟
رفعت العروسة عينيها ليه، وقالت بصوت مرتعش:
— لأن عندي نسخة من الصورة دي في بيتي من قبل ما أعرفك أصلًا.
وهنا…
أنا اللي حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن الصورة اللي كانت في إيد حفيدتي ماكانتش صورة عادية لأمها.
كان واقف جنب أمها فيها شخص إحنا قصيناه من النسخة اللي احتفظنا بيها من سنين.
شخص ابني نفسه ماكانش يعرف حكايته كاملة.
وساعتها فهمت إن اللي حصل في أوضة العروسة يمكن ماكانش بداية الحكاية…
يمكن كان مجرد الباب اللي فتح سر مدفون بقاله سنين.
يتبع…
✍️ الكاتبة: أسما السيد

