
تجمدت في مكاني والظرف الأحمر الداكن يزن في يدي كأنه قطعة من الجمر.
الرجل ذو البدلة السوداء لم ينتظر منا أي إجابة، بل استدار بخطوات متزنة واختفى بين الزحام خارج مبنى النيابة، مفضلاً تركنا في مهب الذهول.
فتح زوجي طارق الظرف بسرعة ببديهة مشدودة، وأخرج منه عدة أوراق رسمية تحمل شعارات بنكية وأختاماً لشركات مسجلة في الخارج. كانت الأوراق تتضمن كشوفات حسابية لشركة المقاولات التي ادّعت أختي وأمي أنها “مغلقة منذ ثلاث سنوات”.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في التفاصيل: الشركة لم تكن مغلقة، بل كانت تُستغل كواجهة مالية متوارية، وتمر عبرها تحويلات ضخمة بمئات الآلاف من الدولارات! وفي أسفل إحدى الصفحات المليئة بالأرقام، كان هناك ملحق خاص بعقد تأسيس الشركة، يحمل اسم شريك صامت… اسم شخص لم يخطر على بالي قط في هذه المعركة.
كان الاسم: **زوج أختي الراحل**… والد بنت أختي!
أمسك طارق الورقة وقربها من عينيه غير مصدق، ثم نظر إليّ بذهول وقال بصوت خفيض:
— “نادية… زوج نيفين الله يرحمه ما ماتش وهو مديون وزي ما أختك وأمك كانوا بيستجدوا منك كل شهر عشان مصاريف بنته! الراجل ده كان سايب ثروة ضخمة وحسابات مقفولة، وأمك وأختك كانوا حاطين إيديهم عليها وبيحلبوها من تحت لتحت، وكانوا بيستغلوا طيبتك عشان يدفعوا مصاريفكم إنتِ وطارق في المناسبات مجرد غطاء وهمي!”
سقطت الأوراق من يد طارق على أرض الشارع.
المرارة التي شعرت بها في هذه اللحظة تجاوزت حدود أي ألم سابق. طوال عشر سنوات بعد وفاة زوج أختي، كنتُ أنا وزوجي نقتطع من قوت يومنا ومن مدخرات عملنا لنساعد أختي وبنتها. كنا ندفع أقساط مدرسة بنت أختي، ونتكفل بمصاريف دروسها، ونشتري لها هدايا أعياد ميلادها حتى لا تشعر باليتم أو النقص مقارنة بابنتي. وفي المقابل، كانت أمي وأختي تستنزفاننا عاطفياً ومادياً، بينما كانتا تديران أموالاً طائلة من خلف ظهرنا، وتخططان لرميي في
أمسك المحامي أستاذ عادل بالورقة ورجع بها فوراً إلى قاعة التحقيق داخل مبنى النيابة، بينما وقفتُ أنا وطارق ننتظر بالخارج.
بعد نصف ساعة، خرج وكيل النيابة بنفسه من مكتبه، وبصحبته اثنان من ضباط الأموال العامة. كانت أختي نيفين تُساق أمامهما والحديد يلتف حول معصميها، بينما كانت أمي تجلس على كرسي متحرك أحضره أفراد الأمن، ووجهها أصفر كأن الحياة انسحبت منه تماماً.
عندما رأتني أختي، صرخت بصوت بائس ومبحوح:
— “نادية! والنيابة يا نادية ما تعرفيش حاجة! أقسم بالله جوزي هو اللي كتب الأوراق دي قبل ما يموت وقال لأمي ما تعرفكيش! أمي هي اللي كانت بتدير الحسابات دي وهي اللي قالتلي نسيب نادية تصرف علينا عشان ما تشكش في الثروة!”
أمي رفعت رأسها بصعوبة، ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالغضب والشر، رغم وضعها الصحي والنفسي المنهار، وقالت بصوت يرتجف:
— “طول عمرك غيرانة من أختك وبنتها يا نادية! طول عمرك فاكرة إنك أحسن منها عشان جوزك بيشتغل وبنتك شاطرة! كنت عايزاهم يتحرموا من فلوس أبيهم عشان تفضلي إنتِ اللي بتتفضلي عليهم؟ أيوه… أنا اللي أخدت الفلوس، وأنا اللي خططت فرح بنتك، لأن بنتك ما تستاهلش يفرح لها حد، وبنت أختك هي اللي كانت لازم تكون الست الأولى في العيلة دي!”
كلمات أمي كانت القشة التي قطعت آخر للتسامح في قلبي. لم أعد أرى أمامي أمي التي حلمت برضاها طوال حياتي، بل رأيت امرأة تملكت منها الأحقاد والمرض النفسي حتى بيتها وأولادها بيدها.
اقتربتُ من الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه أمي، ونزلت لمستواها، ثم قلت لها بصوت حاد، وثابت، وجليدي لم يسمعوه مني قط:
— “إنتِ ما دمرتيش فرح بنتي يا أمي… إنتِ التفت وكيل النيابة إلى الضباط وقال حاسماً:
— “تُضم المستندات الجديدة إلى قضية الكسب غير المشروع والتزوير والغسل المالي، وتتحفظ الأموال العامة على جميع الحسابات والممتلكات الخاصة بالمتهمتين فوراً.”
سحبت الشرطة أختي وأمي نحو سيارة الترحيلات المسقوفة بالحديد. كانت بنت أختي تقف عند زاوية المبنى بفستانها المتسخ، تنظر إلى أمها وجدتها وهما تُقادان إلى السجن، دون أن يتبقّى لها شريك، أو عريس، أو مال، أو حتى مأوى تعود إليه.




