
الشمس طلعت ثاني يوم هادية ونورها مالي الصالة، كأن البيت كان بيتنفس لأول مرة بعد كابوس طويل.
قمت من النوم بدري على ريحة قهوة دافية طالعة من المطبخ. خرجت لقيت أحمد واقف قدام البوتاجاز، لابس هدوم شغله، وبيعمل فطار بسيط زي ما كنا بنعمل زمان قبل ما مي تدخول حياتنا. بص لي وابتسم ابتسامة كان بقالي شهور ما شفتهاش على وشه، ابتسامة صافية طالعة من قلبه رغم التعب اللي في عينيه.
— صباح الخير يا أمي.. صباح الفل والروقان في بيتك.
— صباح النور يا حبيب أمك.. صحيت بدري ليه كده؟ إنت ما نمتش طول الليل.
— نمت مرتاح يا أمي.. والله نمت ساعتين بس حسيت إني ما نمتش زيهم من سنين. الحمول اللي كانت على كتافي انزاحت خلاص.
قعدنا أفطرنا مع بعض في هدوء تام. ما كانش فيه صوت غير حركة الشوك وصوت الراديو الواطي اللي متعودة أفتحه الصبح. السفرة اللي كانت شاهدة بالليل على الإهانة والسرقة، رجعت تاني لمكانها الدافي.
على الساعة 10 الصبح، التليفون رن. المرة دي كان عمها الكبير، راجل كبير في السن معروف في عيلتهم بالحكمة. أحمد فتح السبيكر.
— السلام عليكم يا أحمد يا ابني.. أنا الحاج عبد الجواد عم مي.
— وعليكم السلام يا حاج.. أهلاً بحضرتك.
صوت الراجل كان فيه خجل واضح ونبرة أسف شديدة:
— يا ابني أنا اتكلمت مع مي وأبوها من الصبح بدري.. وبصراحة كده، البنت اعترفت بكل حاجة بعد ما ضغطنا عليها. اعترفت بالدهب والفلوس وبكل كلمة قالتها لحاجة نادية. أنا جاي أقولك إننا مكسوفين منك ومن والدتك، والراجل المحترم ما يرضاهوش اللي حصل ده في بيت ست فاضلة استقبلت بنتنا وفتحت لها بيتها.
أحمد رد باحترام بس بدون أي تراجع:
— على راسي من فوق يا حاج عبد الجواد، وإنت راجل مقامك كبير عندنا، بس اللي حصل تجاوز كل الحدود. أمي خط أحمر، واللي تمد إيدها على دهب أمي وتهينها في بيتها ما ينفعش تفضل مراتي دقيقة واحدة.
الحاج عبد الجواد اتنهد بأسى:
— عندك حق يا ابني، وأنا مش جاي أترجاك ترجعها لأن اللي عملته يكسر العين ويخرب البيوت. أنا بس اتصلت عشان أعتذر لك وللحاجة نادية باسم العيلة كلها.. وعايز أستأذنك، أنا وأخوها جايين على الساعة 12 نلم باقي حاجتها من الأوضة ونقفل الصفحة دي بهدوء ومن غير مشاكل.
— تنوروا في أي وقت يا حاج.. الحاجة جاهزة ومتلمة في الشنط، وتفضلوا تشربوا الشاي معانا كمان.
فعلاً، على الساعة 12 الظهر، الباب خبط. فتح أحمد لقيت الحاج عبد الجواد ومعه أخو مي الكبير، وشهم في الأرض ومعاهم كرتونة فاضية عشان يلموا فيها باقي الحاجات الرفيعة.
أخوها قرب مني أول ما دخل، وطى على إيدي باسها وهو يتلعثم:
— حقك عليا يا طنط نادية.. والله ما كنا نعرف إن بنتنا بالسوء ده، إحنا انكسرنا قدامكم النهاردة بسبب تصرفاتها وطمعها.
— مسامحاك يا ابني عشان خاطر أهلك الطيبين، لكن مي هي اللي خسرت نفسها وخسرت الراجل اللي كان شايلها في عينيه.
دخلوا الأوضة مع أحمد، ولموا باقي الشنط والميك أب والهدوم اللي كانت مالية الدولاب. العملية كلها ما أخدتش نص ساعة. وهم طالعين، الحاج عبد الجواد حط ظروف على الترابيزه، وقال لـ أحمد:
— ده باقي مصاريف الكهربا والمية اللي بنتنا استغلت الحاجة نادية فيهم طول الـ 6 شهور.. ده حقكم ومش هنسيب قرش حرام يلمس عيلتنا.
أحمد حاول يرفض، بس الراجل حلف يمين معظم إن الفلوس دي تدخل البيت كحق لأمي.
بعد ما مشيوا وقفلنا الباب، الصمت رجع تاني، بس كان صمت راحة وأمان. أحمد مسك الظرف وحطه في إيدي:
— ده حقك يا أمي.. والبيت ده من النهاردة هيرجع زي ما كان طول عمره.
قعدت على الكنبة وبصيت لـ أحمد وقلتله:
— والآن يا ابني.. الأيام اللي جاية محتاجة ننظم حياتنا من جديد، وإنت لازم تركز في شغلك ومستقبلك.
لكن أحمد بص لي بابتسامة غريبة وقال:
— شغلي؟ هو أنا ما قلتلكيش يا أمي على المفاجأة اللي كانت المفروض تتقال على السفرة إمبارح قبل ما مي تبدأ كلامها القذر؟
أحمد قعد قدامي على الترابيزة، وبص لي وعينيه فيها لمعة أمل بعد كل الشحوب والكسرة اللي كانوا فيهم إمبارح.
— مفاجأة إيه يا أحمد؟ إنت كنت خافي عليا حاجة تاني؟
ابتسم وفتح محفظته، وطلع منها ورقة مطوية بعناية وحطها قدامي على السفرة:
— الورقة دي يا أمي كنت مستني العشا بتاع إمبارح عشان أفتحها وقدامك وقدمها لـ مي.. بس ربك كان راسم سيناريو تاني خالص عشان يكشفها على أصلها قبل ما تشاركني في فرحتي.
مسكت الورقة وفتحتها.. كانت خط كتابي رسمي ومختوم بختم إدارة الشركة اللي شغال فيها. قريت أول السطور وعيني مش مصدقة: “قرار ترقية وتعيين أحمد حسن نائباً للمدير العام لقطاع الفروع…”
رفعت عيني لبص له بالذهول:
— إنت اترقيت يا أحمد؟
أحمد هز رأسه بفرحة وصوته مخنوق بالدموع:
— أيوة يا أمي.. اترقيت والمرتب اتضاعف أكتر من مرتين، غير البونص السنوي! الترقيات أعلنوها من يومين، وكنت جايب الورقة ومجهز الفلوس عشان أقول لـ مي إننا نقدر دلوقتي نأجر شقة كبيرة ورقية، وكمان أبدأ أرد لك كل جنيه دفعافيه في مصاريفنا طول الـ 6 شهور اللي فاتوا!
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وفخر بابني اللي شقي وتعب:
— ألف مبروك يا حبيبي.. ألف مبروك يا أحمد! ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً.. والله يا ابني إنت تستاهل كل خير عشان نيتك كانت صافية وطيبتك مالهاش حدود.
أحمد مسك إيدي وباسها بقوة:
— البركة دي دعواتك يا أمي.. ودعوات أبا الله يرحمه. عارفة يا أمي؟ أنا طول الليل كنت بفكر وبقول الحمد لله إن ربنا كشفها في نفس اليوم اللي جاتلي فيه الترقية.. تخيلي لو كانت عرفت بالترقية والمرتب الجديد؟ كانت هتفضل تمثل عليا وتسرق فيكي وتستغلنا أكتر وأكتر، وكان هيبقى الخروج من حياتها أصعب بكتير!
— الحمد لله يا ابني.. ربنا ليه حكمه في كل دقيقة وكل موقف. الشدة دي جات عشان تفرز النافع من الضار.
— عشان كده يا أمي.. أنا قررت قرار مش هراجع نفسي فيه تاني.
بصيت له باهتمام:
— قرار إيه يا أحمد؟
أحمد بص حواليه في البيت، الشقة الداشية اللي اتربى فيها والتي عرق فيها أبوه حسن الله يرحمه عشان يشتريها:
— الشقة اللي كنا هنأجرها أنا ومي.. أنا مش هأجرها. أنا هفصل الجزء الخلفي من شقتنا هنا، الأوضة الواسعة بالبلكونة اللي على الشارع، وهعملها حمام صغير ومدخل خاص.. وهفضل قاعد معاكي هنا يا أمي. مش هسيبك لوحدك تاني أبداً، ولا هسمح لأي بني آدم يدخل حياتي ويحسسك إنك غريبة في بيتك. الفلوس الزيادة في المرتب هنصرفها على البيت هنا، نجدده ونخليه أحسن بيت في المنصورة كله.
قلبي انشرح لكلامه، بس قلت له بحنية الأم:
— بس إنت لسه صغير يا أحمد.. وحياتك قدامك، ولازم تتجوز وتعمل عيلة وتجيب لي أولاد أفرح بيهم.
أحمد ابتسم ابتسامة هادية وهو بيقوم يقف ويشد كتافه بثقة:
— النصيب يجي في وقته يا أمي.. والست اللي تدخل حياتي بعد كده، لازم تعرف إن شرطها الأول والأخير هو إنتِ.. احترامك وخدمتك وكرامتك فوق أي حاجة. لكن دلوقتي.. أنا عايز أستمتع بالراحة والهدوء اللي حرمتنا منهم 6 شهور.
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن برقم جديد مش متسجل عنده. أحمد بص للموبايل، وبعدين بص لي وقال:
— ده مش رقم مي ولا رقم حد من عيلتها.. ده رقم المحامي بتاعي اللي طلبته الصبح بدري عشان يجهز أوراق الطلاق الرسمية وحفظ حقوقنا.

