
وقفت في نص المكتب، الموبايل في إيدي كأنه قطعة جمر مولعة. الدم اتجمد في عروقي، وعيني بتتثبت على كلمات الرسالة المجهولة:
“الوصية السرية موجودة مع محاميكِ أستاذ عادل!”
أستاذ عادل؟ المحامي اللي فتحت له قلبي ورسائل المجهول وأوراق الميراث؟ المحامي اللي كان بيمشي معايا خطوة بخطوة في التحريات والنيابة ويوجهني لإسقاط سامح ونهى وراء الشمس؟
بصيت لـ دكتورة منى اللي كانت قاعدة على الأرض بتبكي وتترعش من الخوف. مسكتها من ذراعها بقوة وقومتها:
— قومي يا منى! أستاذ عادل له علاقة بـ ميرفت وبأبويا ووصيته؟ انطقي قبل ما أنهي حياتك هنا بكتل أوراق التزوير دي!
منى رفعت رأسها بذهول والرعب مالى عينيها، وبدأت تتلعثم بصوت مبحوح:
— أستاذ عادل؟ عادل المحامي بتاعكم؟! أيوة.. أيوة يا هدى! عادل مش مجرد محامي العيلة.. عادل هو المستشار القانوني اللي فتح الشركات الوهمية لسامح ولنهى بره مصر من 15 سنة! هو اللي كان بيكتب العقود المطبوعة المزوّرة وهو اللي بياخد نسبته في السر من كل صفقة!
مسكت رأسي بإيديا الاثنين من شدة الصدمة. كل حاجة كانت بتمشي بتدبير شيطاني محكم. عادل كان بيلعب على كل الأطراف! كان بيساعد سامح يسرقني، ولما عرف إن الميراث الضخم بقى معايا وإنني كشفت سامح، استغلني عشان أخلص له من سامح ونهى وطارق، ويخلو له الجو عشان يستولي على الثروة كلها للشركة الكبيرة اللي بره!
سحبت دكتورة منى ودخلتها غرفة الخزين الصغيرة وقفلتي عليها بالمفتاح من بره، ورغم صراخها وخبطها على الباب، سيبتها ونزلت جري للشارع.
ركبت عربيتي، ودست بنزين وأنا حاسة إن عقلي هيتفجر. فتحت الموبايل وبعت رسالة للرقم المجهول:
— “أنت مين بالضبط؟ وليه بتكشف لي كل ده بالقطارة؟ وليه عادل بيعمل كده طالما أبويا مات وكتب الميراث لي؟”
خلال ثواني، الموبايل رن بنفس الرقم المجهول!
المرة دي ما كانتش رسالة.. كانت مكالمة صوتية!
فتحت الخط وإيدي بترعش، وحطيت الموبايل على أذني بصمت ترقب.
جالي صوت ست.. صوت ناعم بس مليان مرارة وحزن قديم، صوت مش غريب عليا أبدًا بس مكسور بفعل السنين:
— “أهلاً يا هدى.. أنا ميرفت.”
الصرخة اتقطعت في زوري.. اتسمرت مكانى في العربية وقفت على جانب الطريق:
— ميرفت؟! أنتِ اللي بتبعتي لي الرسائل دي كلها؟ أنتِ اللي كشفتِ لي سامح ونهى وطارق؟ ليه؟ بعد 30 سنة جاية تلعبي دور الملاك والمنقذ؟
سمعت تنهيدة طويلة وموجوعة من الناحية التانية من الخط:
— “أنا مش ملاك يا هدى.. أنا كنت شيطانة في يوم من الأيام، وشاركت في ظلمك من 30 سنة لما أعمى الحب المزيف عيني وخلاني أسمع كلام عادل وسامح. بس أنا ادفعت التمن غالي قوي.. سامح وعادل استغلوني ورموني بره اللعبة أول ما نهى ظهرت، ولما حبيت أصلح غلطتي وأحميكِ وأحمي أبوكِ.. عادل هددني بقتل ابني الوحيد!”
قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة:
— أبويا.. أبويا كتب وصية سرية فعلاً؟
ردت ميرفت بصوت مبحوح:
— “أبوكِ الله يرحمه اكتشف المؤامرة قبل وفاته بأسبوع واحد. اكتشف إن عادل وسامح بيحضروا أوراق مزورة لعقد بيع وشراء وهمي يخليهم يستولوا على كل أملاكه بعد موته. أبوكِ أخد مجازفة كبرى وركب خطورة كبيرة، وراح لمحامي تاني كبير في السر وكتب وصية جديدة متسجلة في المحكمة وشهر العقاري، ينقل فيها ملكية 70% من الميراث لمؤسسة خيرية وحسابات مغلقة باسم أحفادك المستقبليين بشرط حرمان سامح وعادل من أي ولاية مادية عليه، والـ 30% الباقية لكِ بشرط إدارة أصولها بنفسك بدون توكيلات.”
— والوصية دي فين دلوقتي يا ميرفت؟!
— “الوصية الأصلية عادل استولى عليها يوم وفاة أبوكِ بعد ما دخل بيته مع دكتورة منى.. بس أنا قدرت أخد نسخة منها بالخفاء وشيلتها في مكان أمين. عادل دلوقتي بيحاول يدفعك تنقلي الأصول والميراث باسم شركة استثمارية جديدة هو مدبر أوراقها، بحجة إنها تحميكِ من القضايا والديون المترتبة على قضايا سامح! لو وقعتِ على أوراق الشركة دي بكرة.. الميراث كله هيروح منه رسمياً وبقوة القانون!”
الغمامة اتمسحت من على عيني كلياً. افتكرت كلام عادل الصبح في المكتب لما قال لي: “مدام هدى، لازم نعمل شركة محاصة فوراً ننقل ليها أصول الميراث عشان سامح والنيابة ما يتحفظوش على أموالك بصفته زوجك!” كان بيحضر الفخ الأخير لي!
أخدت نفس عميق وقلت لـ ميرفت بصرامة:
— ميرفت.. لو أنتِ فعلاً عايزة تكفري عن ذنبك وعن اللي عملتوه في أبويا وفي حياتي، هتقابليني بكرة الصبح ومعاكِ نسخة الوصية الحقيقية.
ميرفت ردت بتوتر:
— “عادل مراقبني يا هدى.. وممكن يقتلني لو عرف إنني اتكلمت. بكرة الساعة 9 الصبح، عادل طالبك في مكاتبه عشان توشحي على أوراق الشركة الجديدة. إياكِ توقعي! أنا هكون مستنياكِ في الكافيه اللي جنب مكتبه، وهسلمك أوراق الوصية والتسجيلات الخاصة بعادل وسامح يداً بيد.”
— اتفقنا.. بكرة الساعة 9 الصبح.
قفلت المكالمة. رجعت البيت بحذر، سحبت دكتورة منى من غرفة الخزين وقعدتها في الصالة، وواجهتها بكل التفاصيل اللي ميرفت قالتها لي. منى انهارت واعترفت بكل كلمة، وأكدت إن عادل هو الرأس المدبر الكبير اللي كان بيمشي سامح ونهى زى العرائس الماريكانات.
جبت ورقة وقلم ورسمت خطة المواجهة الأخيرة بكرة.
ما نمتش طول الليل. فضلت قاعدة باصة لأوراق أبويا وصوره القديمة، ودموعي بتنزل على ذكراه وعلى الغدر اللي عاش فيه في أيامه الأخيرة.
الساعة 8:30 الصبح..
وصلت لمكتب أستاذ عادل المحامي في وسط البلد.
كان مكتب فخم، ديكوراته بالكامل تعكس ثراء فاحش غير مبرر لمحامي عادية.
دخلت عليه، كان قاعد ورا مكتبه الخشبي العريض، وشه منور بابتسامة الماكر النبيل، وحاطط أمامه ملف كبير مليان أوراق رسمية جاهزة للتوقيع.
— أهلاً يا مدام هدى! صباح الخير.. البلاغات اللي قدمناها إمبارح جابت نتائج ممتازة وسامح ونهى وراء الشمس دلوقتي. جه الوقت بقى نأمن مستقبلك وميراثك قبل ما أي حد يقدر يمس مليم منه.
قعدت قصاده بمنتهى الهدوء، وحطيت شنطتي على الركبة، وبصيت للملف:
— أوراق إيه دي يا أستاذ عادل؟
عادل فتح الملف بحماس مزيف وناولني القلم:
— دي أوراق تأسيس شركة الاستثمار العقاري الخاصة بكِ، هننقل ليها كل أموال الميراث والأصول.. وأنا هكون الوكيل القانوني والمشرف على الإدارة عشان نضمن حمايتها من أي مطالبات قانوينة من طرف سامح أو ديونه. بصمي ووقعي هنا يا مدام.
مسكت القلم ببطء، وبصيت في عينيه بثبات يزلزل الأرض تحت رجليه:
— وعقد الوصية الحقيقية اللي كتبها أبويا قبل ما يموت بأسبوع.. هننقله للشركة دي كمان يا أستاذ عادل؟
ابتسامته اتجمدت على وشه فجأة، القلم اللي في إيده سقط على المكتب، وعينيه اتوسعت بذهول ورعب ما قدرش يخفيهم!
تراجع لورا في كرسيه ببطء، ونبرة صوته اتغيرت كلياً من الود المفتعل للبرود القاتل:
— أنتِ.. أنتِ عرفتِ موضوع الوصية منين يا هدى؟
وقفت ببطء، ورميت القلم في نص الملف المفتوح على مكتبه. نظرتي ليه كانت حادة كالمشرط، خالية تمامًا من أي خوف أو تردد.
— عرفت من نفس المكان اللي عرفت منه إنك فتحت حسابات بره مصر لسامح ونهى.. ومن نفس المكان اللي عرفت منه إنك استوليت على أوراق أبويا يوم وفاته يا أستاذ عادل.
عادل بلع ريقه بصعوبة، وشه أصفر، لكنه حاول يستجمع شتات نفسه بسرعة المحامي المخادع المعتاد. قفل الملف بقوة، وسند كفوفه الاثنين على المكتب وقام وقف قصادي، وعينيه لمعت بتهديد مكتوم:
— هدى.. بلاش لعب عيال! أنتِ مش فاهمة حجم اللعبة اللي أنتِ داخلة فيها. الوصية دي لو ظهرت، أنتِ شخصيًا مش هتحصلي غير على 30% بس من الميراث، والباقي هيروح لمؤسسات وحسابات مغلقة! أنا كنت بحميكِ وبجيب لك حقك وبخلي الميراث كله في إيدك!
ضحكت ابتسامة ساخرة هزت أركان المكتب:
— بتحميني؟ ولا بتجهز الفخ الأخير عشان تاخد الثروة كلها باسم شركتك الجديدة وتسيبلي القشور؟ أنت فاكرني لسه الست المغفلة اللي كانت بتتخدع بكلمة دافية وبدموع مزيفة؟ أنا بعت دهبي، ورهنت بيتي، وعشت 30 سنة فاكرة إني مابخلفش وعاجزة، وأبويا مات مقتول بأدويتكم القذرة عشان جشعكم اللي مالوش نهاية!
عادل وشه اتشنج، ومد إيده ببطء حطها على التليفون الأرضي اللي على مكتبه، وقال بصوت واطي وبارد:
— أنتِ مش هتخرجي من المكتب ده بأي أوراق أو أدلة يا هدى.. والأوراق اللي توهمتِ إنها معاكي مش هتنفعك لما تتفاجئي إن النيابة نازل لها بلاغ بإنك شريكة لسامح في الاختلاس والتزوير طوال الـ 30 سنة اللي فاتوا!
وقبل ما يرفع سماعة التليفون، باب المكتب اتفتح بحدة!
دخلت “ميرفت” وهي ماسكة في إيدها شنطة جلد سوداء كبيرة، ووراها مباشرة أستاذ إبراهيم، المحامي الكبيرة الشهير صاحب السمعة المعروفة بالنزاهة، ومعاه اثنين من أمناء الشرطة بزي رسمي!
عادل اتمسمر مكانه، والسماعة وقعت من إيده على السقف الزجاجي للمكتب وعملت صوت تجرش حاد.
ميرفت تقدمت بخطوات ثابتة، وحطت الملفات اللي في إيدها على ترابيزة المكتب قدام عادل، وبصت له بنظرة تشفي وانتقام:
— التسجيلات كلها بقت في النيابة يا عادل.. تسجيلات المكالمات اللي بينك وبين سامح، والعقود المزوّرة للشركات الأوفشور، والأهم من ده كله: أوراق التحاليل والتقارير الطبية للمرحوم والد هدى اللي أثبتت نسب المواد السامة في أدويته!
عادل بص لميرفت برعب وصرخ فيها بذهول:
— أنتِ اتجننتِ يا ميرفت؟! أنتِ بتدمري نفسك معانا! أنتِ مسجلة في العقود دي وشريكة من البداية!
ميرفت ابتسمت بمرارة والدموع في عينيها:
— أنا سلمت نفسي للنيابة من ساعة بالظبط يا عادل.. اعترفت بكل حاجة من 30 سنة لحد النهارده. مستعدة أدخل السجن وأدفع تمن كل غلطة عملتها في حق هدى وأبوها، بس على الأقل مش هسيب واحد مجرم زيك يكمل أكل في جثث الناس الساذجة!
المحامي أستاذ إبراهيم تقدم وطلع إذن ضبط وإحضار رسمي صادراً من نيابة الأموال العامة وقضايا القتل العمد:
— أستاذ عادل.. حضرتك مطلوب فورًا للتحقيق بتهم الاستيلاء، والتزوير، والتآمر في قتل المرحوم، وغسيل الأموال. وتفضل معانا بدون أي شوشرة.
أمناء الشرطة تقدموا وقفلوا الكلابشات في إيد عادل. عادل بصلي بعيون مليانة غل وهو بيتسحب لبره المكتب، وصرخ بصوت حشرجي:
— فاكرة إنك كسبتِ يا هدى؟ الفلوس دي لعنة! الميراث ده كان لعنة على أبوكِ وهيفضل لعنة عليكِ! مش هتهني بمليم واحد!
بصيت له وهو بيتسحب للخارج، وقلت له بثبات:
— اللعنة كانت وجودكم في حياتي يا عادل.. والنهاردة الشياطين كلها اتجمعت في القفص.
خرجت من المكتب وأنا حاسة بوزن جبال بيتشال من فوق صدري. ميرفت وقفت جنبي في الممر، وبصت لي بعيون مكسورة وقالت:
— هدى.. أنا عارفة إن كلمة أسف مش هتصلح اللي اتكسر في 30 سنة.. ولا هترجع المرحوم أبوكِ. بس أنا حبيت أقفل الملف القذر ده ورجلي في السجن، عشان أريح ضميري قبل ما أقابل ربنا.
هزيت رأسي ببطء:



