
وبصت في عيني وقالت من غير ذرة كسوف
الطفل اللي في بطن نجلاء ابن كريم
عيلتنا لازم يبقى ليها حفيد
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة كانت باقية جوايا
لو إنتي مش قادرة تخلفي له يبقى فيه غيرك هيخلف
الكلام فضل بيرن في وداني
كريم سكت
ونجلاء نزلت عينيها في الأرض
وحماتي اللي كانت بتقول لي زمان إني زي بنتها كانت واقفة بتدافع عن خيانتهم بكل قوة
وقفت مكاني من غير ما أتكلم
لا صرخت
ولا عيطت
ولا حتى وقعت التورتة من إيدي
لأني في اللحظة دي فهمت إن اللي حصل ماكانش غلطة ولا لحظة ضعف
دي كانت خيانة متخططلها من زمان
كلهم كانوا عايشين حياة كاملة من ورا ضهري ومستنيين أول ما أعرف الحقيقة أمشي في هدوء
لكن هما ماكانوش يعرفوا إن قبل ما أمشي من البيت ده كنت هكشف سر أخطر بكتير مستخبي جواه
سر هيقلب حياتهم كلها وهيخليهم يدفعوا تمن خيانتهم غالي
التورتة سقطت من إيدي على أرضية مدخل الشقة، وتناثرت قطع الفاكهة والكريمة، لكن الصوت اللي طلع ما هزّش حد فيهم.. كلهم كانوا واقفين في حالة ذهول من رد فعلي الهادئ اللي ما كانش على البال.
حماتي بصتلي بقرف وقالت بصوت حاد:
* إيه يا منى؟ بلعتي لسانك؟ ولا فاكرة نفسك هتصعبي علينا بالدموع؟ خلاص، الفيلم خلص.. اتفضلي اخرجي بهدوء ومن غير مشاكل، وشقتك هتوصلك ورقتك في أسرع وقت.
كريم مد إيده بتوتر وقال:
* منى.. استني.. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، تعالي نتفاهم جوة..
رفعت إيدي بابتسامة خفيفة وصوت هادي وبارد قطع كلامه تماماً:
* نتفاهم في إيه يا كريم؟ في مفرمة الحوض اللي بتصلحها بقميص نوم نجلاء؟ ولا في أمك اللي بايتة تطبخ لها شوربة فراخ عشان الحفيد المنتظر؟
نجلاء طلعت من ورا كريم وقالت بصوت مكسور مصطنع:
* يا منى حقك عليا.. أنا عارفة إني ظلمتك، بس غصب عني.. كريم بيحبني..
بصيت لنجلاء نظرة خليتها ترجع لورا خطوتين من كتر القوة اللي كانت في عيني، وقاطعتها بنبرة حازمة:
* اخرسي خالص.. اسمك ما يتطقش على لسونكم أنتوا الاتنين، وأنتِ يا حماتي.. افتكري كويس، كنتِ دايماً تقولي لي “المرأة صانعة بيتها”، وطلعتي إنتِ وأنتِ قاعدة على كرسيك مهندسة الخراب والخيانة.
حماتي ضحكت بسخرية وقالت:
* بطلي شعارات رخيصة، روحي شوفي نفسك أولاً.. ست البيت اللي مقصرة.
بصيت لها بثقة وأنا ببتسم ابتسامة غريبة خلت الرعب يدب في قلوبهم الاتنين، وقاربت منها خطوة وأنا بقول:
* تصدقي يا طنط؟ عندك حق.. أنا فعلاً ما بعرفش أعمل كل حاجة، بس في حاجات تانية بعرف أعملها كويس قوي.. زي إني أربط الخيوط ببعضها وأفهم اللعبة من أولها لآخرها.
كريم اتجمد مكانه وقال برعب:
* قصدك إيه؟ خيوط إيه؟
لفيت ضهري بحركة بطيئة، ومشيت ناحية التربيزة اللي كانت حماتي حاطה عليها طبق الشوربة، وبصيت على الموبايل واللاب توب القديم بتاع المرحوم جوز نجلاء اللي كان محطوط على جنب، وقعدت على الكرسي كأني صاحبة البيت.
* استنوا رايحين فين؟ قعدتكم عاجباني.. وخصوصاً إن السر اللي جيت علشانه، مش بس هيقلب حياتكم، ده ممكن يوديكم كلكم في داهية.. وخاصةً حضرتك يا طنط، ويا سيادة اللواء.. أقصد يا مهندس كريم.
حماتي اتغير لون وشها وقالت بصوت مهتز:
* إنتي بتقولي إيه؟ جنيتي ولا صابك مس؟
طلعت من شنطتي الفلاشة الصغيرة اللي كنت مخبياها، ورفعتها قدام عيونهم وقلت بنبرة هادئة:
* لما جوز نجلاء المرحوم الله يرحمه كان مريض في أيامه الأخيرة، كلمني وقال لي كلام غريب.. قال لي إنه خايف على مراته وبيتكلم عن ورث عيلته اللي اتحول كله فجأة لحسابات بره.. وقال لي إن كريم ابن خاله هو الذراع اليمين اللي بيخلص له كل الأوراق وهو فاقد الوعي. وأنا الصراحة كصديقة مقربة لنجلاء، كنت بساعدها تلم أوراق جوزها بعد ما مات، وفي إيدي أوراق وصية أصلية مش مسجلة في الشهر العقاري بالأسلوب الملتوي اللي إنتوا عملتوه، وصية بتقول إن كل مليم في شركة المرحوم وأملاكه يروح للجمعيات الخيرية لو ثبت حدوث تلاعب، وإن نجلاء مالهاش غير معاشه وبس!
نجلاء صرخت بصوت عالي:
* كدابة! دي أوراق مزورة! كريم قال لي إن الورث كله لينا!
كريم جرى نحوي بغضب وعايز يخطف الفلاشة من إيدي وهو بيكز على سنانه:
* هاتي الفلاشة دي يا مجنونة وإلا أقسم بالله أرميكِ بره الشقة دي جثة هامدة!
بس قبل ما يتحرك خطوة كمان، كان باب الشقة بيكسر من كتر الخبط، والصوت اللي بره نادى بصوت عالي وواضح:
* مباحث الأموال العامة ومباحث تنفيذ الأحكام.. افتح الباب!
الكل اتجمد في مكانه كأنهم تمثال شمع. كريم بص للباب برعب، وحماتي وقعت على الكرسي ووشها بقى أصفر، ونجلاء سابت نفسها على الأرض وهي بتعيط بانهيار.
بصيت لكريم وأنا بقوم من مكاني، وعدلت ياقة قميصه ببطء وقلت بصوت واطي في ودنه:
* مفاجأة أحلى من التورتة، مش كدة؟ أنا ما كنتش جاية أهون عليكو.. أنا كنت جاية أسلم البضاعة لأصحابها.. الباب اتفتح، وورقتك هتوصلك.. ومعاها الكلابشات لكل واحد فيكم.
الشرطة دخلت الشقة، وتغيرت ملامحهم تماماً.. المشهد كله اتقلب في ثواني، وانتهت الإمبراطورية اللي بنوها على كدب وخيانة وغدر، وسابوا وراهم طفل جاي في الطريق لعيلة ما بقاش ليها أي أصل ولا أساس.
أوض شقة نجلاء اتحولت في ثواني لمسرح جريمة حقيقي. ظباط الأموال العامة انتشروا في كل مكان، والكلبشات كانت بتلمع في إيد كريم اللي وقف كأنه جثة هامدة، مش مصدق إن الكدب والخداع اللي بنى عليهم حياته ضاعوا في لحظة.
حماتي كانت قاعدة على الكرسي بتهلوس بكلام مش مفهوم، من صدمة المفاجأة، ونجلاء منهارة تماماً على الأرض وبتعيط بدموع حقيقية على مستقبلها اللي ضاع وهي لسه في بداية حملها.
ضباط المباحث بدأوا يلموا الأوراق واللاب توب والفلاشة اللي سلمتها لهم بنفسي. رئيس قوة المباحث بص لي باحترام وقال:
* شكراً يا مدام منى، الملفات دي هي المستندات الرسمية اللي كنا بدور عليها بقالنا شهور لإثبات تلاعب شركة المرحوم وتحويل الأموال لحسابات سرية باسم كريم ووالدته.
بصيت لكريم نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر—لا غضب ولا حتى شفقة، مجرد فراغ تام. وقلت بصوت هادي:
* كنت مفكر إنك ذكي وإنك بتلعبها صح يا كريم.. بس الغبي هو اللي بياكل الحرام وهو فاكر إن بطنه هتشيله.
قبل ما يخدوه هو وأمه ونجلاء عربيات الشرطة، كريم بص لي نظرة توسل وانكسار وقال بصوت مهتز:
* منى.. عشان العشرة.. عشان سنين الجواز.. سامحيني، ابوس إيدك اقفي جنبي!
ضحكت بتهكم وقلت:
* عشرة إيه يا كريم؟ دي كانت مسرحية سيئة السمعة، وأنا نزلت الستارة خلاص.
خرجت من الشقة وخدت شنطتي معايا. الشارع كان هادي، والهواء النقي دخل صدري لأول مرة بحرية كأني كنت محبوسة سنين وسنين. ركبت عربيتي، وطلعت تليفوني واتصلت بالمحامي الخاص بيا عشان أبدأ فوراً في إجراءات الطلاق للضرر، ورفع كل القضايا اللي تضمن لي حقوقي كاملة.
بس الحكاية ما انتهتش هنا..
بعد مرور أسبوعين، كنت قاعدة في شقتي القديمة بلملم باقي هدومي وذكرياتي عشان أنقل لمكان جديد تماماً وأبدا حياة نظيفة وخالية من الكدب. وفجأة، جرس الباب رن.
فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص ما كنتش متوقعة أشوفه أبداً..
كان محامي المرحوم جوز نجلاء، ومعاه ملف ضخم جداً. وبص لي وقال بصوت جاد:
* مدام منى.. أنا عارف إنكِ تعبتي الفترة اللي فاتت، بس جيت أقولك إن في وصية تانية.. سرية جداً، والمرحوم سابها عندي وأمرني ما أفتحهاش إلا لو حصلت الفضيحة الكبرى دي.. والظاهر إن وقتها جه!
بصيت للملف المكتوب عليه اسمي، وقلت بصوت مشدود:
* وصية تانية؟ تقصد إيه؟
المحامي فتح الملف وطلع ورقة رسمية وقرأها قدامي بصوت عالي:
* “أنا المهندس… أوصي بأن تُحول كافة أسهم شركتي العقارية الكبرى وأملاكي الخاصة لـ (منى).. صديقة زوجتي الوحيدة والأمينة، لإنها الوحيدة اللي كانت قادرة تشوف الحقيقة وتحميني من طمع عيلة كريم ونجلاء اللي كانوا بيخططوا لتسميمي وسرقة أموالي…”
وقفت مكاني متجمدة، الكلمات نزلت على وداني كالصاعقة. مفاجأة جديدة هتقلب الموازين فوق راس الكل، وتخليني أكتشف إن السر اللي جوة الشقة ما كانش نهاية الحكاية.. ده كان مجرد البداية لقصة أكبر بكتير!




