
بس أول ما قربت وشلت الغطا من على وشها ورفعت راسها عشان أحضنها… اللي شوفته بعيني خلاني أقف متسمرة في مكاني. منظر يتعدى حدود العقل …كنت ، كانت مسكت إيد المغسلة بقوة وصرخت وأنا بجز على أسناني نازلة زي النار على وشي: “أوقفي الغسل فوراً! محدش يمس قطرة مية تاني! بنتي… بنتي
!”
المغسلة اتخضت ورجعت لورا وهي بحيرة، وأختي، الصدمة مأثرة عليكِ، اتقي الله واستر الميت، جوزها والدكتور أكدوا إنه ومسكت فيا!”
عمها مسك مروان من إيده وفجأة لاحظ الخدوش الشديدة اللي في رقبتة وتحت ياقة قميصه، والنظر بين الناس بدأ يتغير من شفقة عليا لشبهة وريبة فيه. أعمامها أدركوا إن المنظر مش طبيعي، وعمها الكبير قال بصوت حاسم: “وقفوا كل حاجة، اتصلوا بالنجدة والشرطة حالاً، وبلاغ للنيابة، الجثة مش هتدفن قبل ما الطب الشرعي يشرحها ويشوف علامات الخنق والخدوش دي إيه سرها!”
مروان أول ما سمع كلمة “طب شرعي وتشريح” رجله خارت، وبدأ يبص حواليه للباب كأنه يدور على مخرج، بس أعمامها حاصروه ومنعوه يتحرك.
خلال نص ساعة، كانت عربيات الشرطة والنيابة ماليين الشارع، والضباط دخلوا المكان وشافوا قبل ما تنام في ترابها.
وبدأت التحقيقات في النيابة، وهناك كانت المفاجأة الأولى التي زلزلت الكيان كله…
في مقر النيابة، كانت جدران غرفة التحقيق باردة كالثلج، وأنا قاعدة على الكرسي وجسمي كله بيلتعش، مش من الخوف، لكن من القهر والغل اللي بينهش في صدري. أعمامها وأخوالها كانوا واقفين برة، والهدوء المريب يخنق أنفاس المكان، لحد ما دخل وكيل النيابة وبإيده ملف، ووراه طبيب شرعي بملامح جادة.
رفع وكيل النيابة رأسه وبصلي بصة مليانة شفقة وحزن، وقال بصوت خفيض: “يا أم ريهام… تقرير الطب الشرعي المبدئي وصل، وبلاغك كان في محله. بنتك الله يرحمها ما ماتتش بسكتة قلبية، التقرير أثبت وجود آثار خنق يدوي على الرقبة، وانسداد تام في المجاري الهوائية، بالإضافة للجلد والأنسجة اللي كانت تحت ضوافرها، وبتحليل الـ DNA المبدئي أثبتت إنها متطابقة مع العينات الأوليّة فرحتها وحرمها مني… بس ليه؟! عملت له إيه؟ ده كان يبان بيحبها ويبوس التراب اللي تمشي عليه!”
وكيل النيابة هز رأسه وقال: “هنا المفاجأة الكبرى اللي كشفتها تحريات المباحث وتفتيش شقة الزوجية وفتح تليفونات المتهم…”
سكت لحظة، وبص في الملف وكأنه مش مصدق الكلام مكتوب إزاي، وبعدين كمل: “مروان مكانش مرتاح مادياً زي ما فهمكم، ولا رجل أعمال ناجح ولا حاجة. مروان غرقان في ديون شيكات وإيصالات أمانة بملايين الجنيهات لشركاء وتجار خطرين، وكان على وشك السجن وتدمير حياته بالكامل. وقبل الفرح بأسبوعين بس، عمل وثيقة تأمين على حياة ريهام بمبلغ خيالي يغطي كل ديونه ويزيد، وثيقة تدفع للمستفيد -اللي هو هو- في حالة وفاة الزوجة في حادث أو بشكل مفاجئ!”
الكلمات نزلت على دماغي زي المرزبة. أغمضت عيني والحلم يرجع يضرب في عقلي تاني… ريهام وهي جاية لي دبلانة، وحاضنة بطنها من الجوع، وبقها فاضي ما فيهوش ولا سن… الجوع في الحلم مكانش جوع أكل، ده كان جوع للأمان! والطعام اللي كان في إيدها ومش عارفة تأكله بأسنانها المفقودة، كان طمع الوحش اللي اتجوزته، اللي حرمها من حياتها وأسنانها اللي بتدافع بيها عشان يأكل هو من دمها ويقضي ديونه!
في الوقت ده، اتفتحت باب الغرفة ودخلوا مروان وهو متكلبش بالحديد، حارس من اليمين وحارس من الشمال. كان وشه شاحب زي الأموات، عينيه زي الزجاج المكسور، ويده المعلمة بالخدوش المتغطية بالشاش بتترعش.
أول ما عيني جت في عينه، قمت وقفلت عليه الخطوة. كل حزن الدنيا اتحول لوحش جائع للقصاص جوايا. قربت منه، والحراس حاولوا يمسكوني بس وكيل النيابة أشار لهم يسيبوني.
خرجت من النيابة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الناس كانت بتعزيني وتبارك لي إن الحقيقة بانت، بس أنا ما كانش يهمني غير حاجة واحدة بس… ريهام.
رجعت البيت، ودخلت أوضة الغسل تاني، لكن المرة دي المكان كان هادي، وجثمان بنتي كان جاهز ومغسول بأيدي مغسلة ثانية أمينة، ومكفنة بالأبيض الناصع. قربت منها، مسكت إيدها الباردة، وبست رأسها.
قلت لها بصوت واطي ودموعي بتنزل على كفنها: “حقك بان يا حبيبتي… السر اللي جيتي تقولهولي في النوم كشفناه، وما خليتش وبعد ساعات، خرجت جنازة ريهام… كانت منطقة كاملة تبكي عليها، اندفنت عروسة السماء تحت التراب.
بس القصة ما انتهتش هنا… لأن بعد بأيام قليلة، وأنا قاعدة في بيتي الفاضي وسط ذكرياتها وصورها بفستان الفرح، جالي طرد مقفول على عنوان البيت باسم ريهام، مبعوث من مكتب بريد محلي قبل وفاتها بيوم واحد بس!


