روايات وقصص

توكتوك1

وقف الراجل قدامي وأنفاسه متقطعة، وعينيه رايحة جاية بيني وبين التوك توك كأنه بيدور على طوق نجاة وسط غرق كامل. مسك دراعي بجمود وقالي بنبرة ترتجف:
“الشنطة… أرجوك قول إن الشنطة معاك! الفلوس والموبايل مش مهمين… العينة! الأوراق والعينة اللي في القاع!”

أنا وقتها اتسمرت مكاني. كلمة “عينة” نزلت عليا زي الصاعقة. مديت إيدي ببطء لداخل التوك توك وطلعت الشنطة. أول ما شافها، الراجل ركبته خارت ووقع على الأرض في وسط الشارع، حضن الشنطة لصدره وبكى بصوت مسموع، بكاء راجل عجوز غلبان مكسور، مش بكاء سائح خايف على شوية دولار ولا موبايل حديث. الناس بدأت تتجمع وتتفرج علينا، وأنا واقف مش فاهم حاجة، بس في لحظتها أدركت إن الشنطة دي فيها سر أكبر بكتير من إني أستوعبه.

مسكته من إيده وقومته، ودخلته تقعد جوه التوك توك عشان نداري عن عيون الناس. طلع منديل مسح دموعه، وبصلي ونطق بعربية مكسرة جداً متقطعة مع إنجليزي، وبدأ يحكيلي السر اللي خلاني أندم إني فتحت الشنطة دي من الأساس.

الراجل طلع اسمه “دكتور ديفيد”، طبيب وباحث أورام ألماني. ديفيد قالي إنه مش جاي يتفسح ولا يتفرج على الآثار زي بقية السياح. ديفيد جاي في رحلة حياة أو موت لبنته الوحيدة “إيما” اللي عندها تسع سنين. إيما مصابة بنوع نادر جداً وخبيث من السرطان، والطب في أوروبا أقر بصعوبة حالتها، لكن فيه بروتوكول علاجي تجريبي شغال عليه فريق أبحاث مستشفى جامعي هناك، وكان ناقصهم مستخلص نباتي نادر جداً مش بيطلع غير في جزر معينة وفي فترات نموه مجرد أيام في السنة.

ديفيد صرف كل تحويشة عمره، وأخد إجازة وباع جزء من ممتلكاته عشان يسافر بنفسه، وبمساعدة مرشد محلي قدر يوصل للنبات ده، وأخد منه عينة حية محفوظة في أنبوب اختبار طبي معالج وبسائل حافظ ومعاه كل التحاليل والوثائق الطبية الخاصة ببنته. الأنبوب ده كان محطوط في جيب مخفي تحت البطانة الداخلية للشنطة، جيب أنا أصلاً مخدتش بالي منه ولا شفته لما فتحت الشنطة أول مرة!

ديفيد بصلي والدموع في عينيه وقالي: “الفلوس دي كانت المصاريف اللي هدفعها للمستشفى عشان يبدأوا تحضير الدواء فوراً أول ما أرجع، والموبايل عليه اتصالات الأطباء والخطوات.. لكن الأنبوب ده.. لو كان ضاع أو اتكسر، كانت بنتي تموت خلال أسابيع، لأن النبات بيموت ومفيش فرصة ثانية لجمعه السنة دي.”

الكلام نزل عليا فذهلني. بقيت واقف في نص الشارع بتبادل النظرات بين الشنطة والراجل وأنا جسمي بيقشعر. تخيلت لو كنت استسلمت للوساوس واستحللت الفلوس ورميت الشنطة باللي فيها في أي ترعة أو صندوق زبالة.. كنت هبقى متسبب في قتل طفلة ملهاش أي ذنب في الدنيا! كنت هبقى أخدت فلوس عشان أجيب جهاز لبنتي، على حساب حياة بنت تانية!

ديفيد فتح الشنطة بلهفة، وطلع الأنبوب الصغير وبص عليه ولقاه سليم. تنفس الصعداء كأنه اتولد من جديد. فتح جيب الفلوس وطلع حزمة كاملة من الدولارات وقدمهالي وهو بيترجاني أقبلها، وقال: “أنت أنقذت حياة بنتي.. دي أقل حاجة أقدر أقدمهالك، دي أمانتك وأخلاقك.”

أنا بصيت للفلوس.. الفلوس دي هي هي اللي كانت هتعمي عيني من يومين، وهي هي اللي كنا محتاجينها في البيت أشد الاحتياج. بس في اللحظة دي، الفلوس كانت طالعة قدامي ملهاش أي قيمة.. حسيت إن لو لمستها هبقى أخدت ثمن أمانتي، وأنا طول عمري متربي إن الأمانة ملهاش ثمن ولا بتتباع ولا بتتشترى.

رديت عليه بابتسامة وبصوت هادئ وقلت له بلهجة بسيطة حتى لو مش فاهمها كلها بس نبرتي وصلتله: “لا يا دكتور.. أنا عملت اللي ديني وضميري قالوا عليه.. ربنا يشفيلك بنتك وترجع لها بالسلامة، الفلوس دي أدفعها للمستشفى وعالج بيها إيما.”

ديفيد اتفاجأ، بصلي بذهول كأنه مش مصدق إن فيه بني آدم في الظروف دي ويرفض مبلغ زي ده. أصر وشدد عليا، وأنا أصررت على موقفي ورفضت أستلم منه ولا دولار واحد.

لكن الأحداث مقتصرتش عند النقطة دي.. ديفيد بص في ساعته وفجأة وشه اتغير تاني ورجعتله حالة الرعب! قالي إن طيارته المتجهة للقاهرة ومنها لألمانيا فاضل عليها أقل من ساعة ونص، ومفيش أي تاكسي ولا وسيلة مواصلات قادرة تتحرك في الزحمة الرهيبة اللي كانت قافلة الشوارع والمدخل المؤدي للمطار في الوقت ده بسبب حادث على الطريق الرئيسي.

بصلي ديفيد وقال بقلة حيلة: “لو الطيارة فاتتني، العينة هتفسد لأن السائل الحافظ ليها مدة صلاحية محددة، وأنا ضيعت وقت كبير في التدوير عليك!”

هنا، الشنطة وأمانتها خلصت.. وبدأت معركة تانية خالص، معركة ضد الوقت. بصيت للتوك توك بتاعي، وبصيت للشارع المقفول، وقلت للدكتور ديفيد: “اركب ورايا بسرعة، واحضن شنطتك.. المطار بعيد، والزحمة قافلة البلد، بس التوك توك ده هو اللي هيعديك من خرم الإبرة دلوقتي!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى