منوعات

على الزواج حكايات شروق 3

أثناء صعودهما في الأسانسير البانورامي نحو الطابق الخزني المصفح، سحبت ملك يد سليم وقالت بقلِق ظاهر:
«سليم.. أنا حاسة بخوف غريب. جنيف هادية زيادة عن اللزوم، ومشاعر الخيانة اللي عشتها من بابا لسه بتطاردني.»
ضم سليم يدها بين كفيه القويتين، ونظر في عينيها بثبات أذاب جزءاً كبيراً من خوفها:
«طول ما إيدِك في إيدي يا ملك، مفيش قوة على الأرض تقدر تمسك. الشفرة دي هتتقفل في الخزنة باسمك النهاردة، وننتهي من الكابوس ده للأبد.»
دخلا إلى القاعة الماسِية للبنك، وكان في استقرارهما مدير البنك العجوز «ميسيو دو بون»، الذي رحب بسليم بذهول شديد وهو يراه بكامل صحته وقامته الممشوقة، بعيداً عن كرسيه المتحرك وندوبه المستعارة التي كان يعرفه بها سابقاً.
قال مدير البنك بالفرنسية وهو يتقدم نحو الخزنة البيومترية المعقدة:
«سيد سليم.. لم أصدق الشائعات عن وفاتك. والآن أفهم لماذا كنت ترتدي ذلك القناع طوال سنوات.. لحماية هذه اللحظة.»
أخرجت ملك القلادة الفضية والشريحة البلاتينية، وضعتها في الماسح الضوئي المخصص، ثم وضعت إبهامها على لوحة التعرف الوراثي.
بدأت الشاشات تومض باللون الأخضر المتتالي: (تم التعرف على الشفرة الوراثية للآنسة ملك فريد الجبالي.. تم فتح الخزنة رقم 009).
ارتفعت البوابة الفولاذية الضخمة للداخل، لتكشف عن وثائق ملكية أرض سيناء الاستراتيجية، ومستندات أصلية تثبت أصول عائلتها التاريخية التي تقدر بالمليارات، بجانب الودائع المشفرة.
لكن.. وقبل أن تلمس ملك الوثائق بيديها..
توقفت أجهزة التكييف في البنك فجأة! وانطلقت صفارات الإنذار الحمراء برنين مدوٍّ زلزل القاعة!
تغيرت ملامح مدير البنك «دو بون» في ثانية واحدة؛ سحب بروداً شديداً، وتراجع إلى الخلف خلف زجاج مضاد للرصاص، بينما أغلقت الأبواب الفولاذية للقاعة محاصرة سليم وملك في الداخل!
صرخ سليم وهو يسحب ملك خلفه ويخرج سلاحه بلمح البصر:
«دو بون! أنت خنتنا؟! البنك مخترَق؟!»
ظهر عبر شاشات المراقبة المعلقة في السقف وجه رجل خفي يرتدي قناعًا أسود مطرزًا برمز «عقرب ذهبي» — الرمز الشهير لمنظمة «الظل» العالمية التي تسيطر على أباطرة المافيا ومراد الألفي!
تحدث صاحب القناع بصوت ميكانيكي معدني:
«سليم الجبالي.. مرحباً بك في جنيف. هل ظننت بحق أنك ستخدع منظمة الظل بقناعك البلاستيكي؟ مراد الألفي كان مجرد بيدق صغير في لعبتنا. نحن من حركنا والد ملك المقامر، ونحن من خططنا لكل خطوة ليصل المفتاح الوراثي إلى هذه الخزنة تحديداً!»
اتسعت عينا ملك برعب قاتل، وهمست:
«يعني… يعني فتح الخزنة كان هو الفخ اللي مستنيينه؟!»
أكمل صاحب القناع الأسود بسخرية قاسية:
«بالضبط يا مدام ملك. الشفرة الوراثية لا تفعل الملكية إلا إذا فتحت الخزنة بنفسك. والآن بعد أن فتحتِها، أصبحت الأصول والأرض بالكامل تحت سيطرتنا المباشرة عبر النظام الإلكتروني المخترَق للبنك. وأما أنت يا سليم.. فموتك هذه المرة لن يكون تمثيلاً!»
وفجأة، فتحت فتحات التهوية في السقف، وبدأ ينبعث منها غاز كيميائي أصفر سام وسريع الانتشار!
بدأ الغاز يملأ القاعة المغلقة بسرعة مرعبة. تساقط الحراس الشخصيون لسليم عند الباب مغشيًا عليهم فور استنشاقه.
شعر سليم برؤيته تتشوش وركبتيه ترتجفان، فالغاز كان شديد الفاعلية ويشل الأعصاب في ثوانٍ. لكنه، بكل ما أوتي من قوة وجسد رياضي صلب، خلع معطفه الثقيل ولفه حول رأس ملك ليكتم أنفاسها ويحميها من الغاز.
صرخت ملك وهي تراه يترنح ويسقط على ركبتيه أمامهامضمخاً بالعرَق:
«سليم! لأ! سليم اتنفس من المعطف معايا! متسيبنيش يا سليم!»
سقط سليم على الأرض بكامل طوله، وعيناه الخضراوان تحاولان التمسك بالحياة والنظر إليها لأخر لحظة. همس بصوت خافت للغاية وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
«اطلعي… من… الممر المائي… تحت الأرضية… يا ملك… تعيشي أنتِ…»
أغمض سليم عينيه تمامًا، وتوقف جسده القوي عن الحركة!
انفتحت الأبواب الفولاذية للقاعة، ودخل رجال مدججون بالسلاح يرتدون أقنعة واقية من الغاز تابعة لمنظمة «الظل»، وقاموا بسحب ملك بالقوة وهي تصرخ وتستغيث وتبكي بحرقة فوق جسد سليم الملقى بلا حراك على الأرضية الرخامية الباردة.
تم جر ملك وتكبيلها بالسلاسل الحديدية ونقلها داخل شاحنة سوداء مغلقة، لتبتعد بها في شوارع جنيف المثلجة إلى مكان مجهول.
في داخل الشاحنة المظلمة، كانت ملك تبكي بكاءً يمزق القلوب، تشعر بأن روحها قد أُقتطعت منها بموت سليم، الرجل الوحيد الذي أحبته من أعماق قلبها وأعاد إليها كرامتها.
لكن، وسط عتمة الشاحنة، شعرت ملك بتهتز في جيب ثوبها الداخلي!
مدت يدها المبللة بالدموع والمكبلة بالسلاسل لترجج هاتفاً خفيًا صغيراً جداً كانت قد أخذته من سليم سابقاً تحسباً للطوارئ.
فتحت الشاشة الصغيرة لتجد رسالة صوتية مسجلة ومؤقتة تعمل تلقائياً بصوت سليم المألوف والدافئ!
اشتغل الصوت الهمسي لسليم في أذنها عبر سماعة أذن دقيقة:
« ملك.. لو بتسمعي الرسالة دي، يبقى الغاز المشل للحرجة اشتغل وأنا ظاهرياً قُتلت قدامهم.. الغاز ده أنا متدرب عليه ومطعم ضده بنسبة 80%، وأنا غبت عن الوعي مؤقتاً بس عشان ياخدوكي لمقر زعيم “الظل” الحقيقي.. الممتلكات والشفرة مش مع المافيا، الشفرة اللي قروها كانت فخ إلكتروني أنا حطيته عشان يمسح حساباتهم هما! أنا صحيت دلوقتي.. وراكم مع رجالتي، وجه الوقت اللي هنهد فيه إمبراطورية الظل دي على دماغهم ونرجع حقك.. اثبتي يا ملك، جوزك جاي ياخدك!»

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى