
خلال أيام قليلة، تقدم الأستاذ سامح بأوراق داليا الرسمية إلى النيابة العامة والمحكمة الابتدائية، لتنضم رسميًا بصفتها الوريثة الشرعية المظلومة والناظرة المعينة على الوقف الخيري بجانبي.
حين علم طارق في محبسه بظهور أخته داليا، وبأن حيلته القديمة قد انكشفت بالكامل أمام القضاء، انهار تمامًا. وأدرك أن كل سنين المكر والخدع التي حاكها لم تزد أمه إلا صلابة وحكمة، ولم تزد جارتها إلا إصرارًا على صون الأمانة.
بدأنا أنا وداليا يداً بيد في تجهيز البيت. طلينا الجدران باللون الأبيض الدافئ، وأصلحنا درجات السلم المتآكلة، وغيرنا اللمبة القديمة فوق باب البيت لتنير الشارع من جديد. وأعدنا تقليم شجرة الياسمين حتى أصبحت أغصانها الثقيلة تتدلى بالورد الأبيض العطر فوق السور الواطي.
وفي المساء الذي سبق الافتتاح الرسمي للمؤسسة الخيرية، جلسنا أنا وداليا في البلكونة المعتادة نرتشف الشاي، ونسترجع ذكرى الحاجة فاطمة.
قالت لي داليا وهي تنظر إلى الشارع الهادئ:
— عارفة يا نادية… أنا طول الطريق كنت خايفة أرجع ألاقي أمي راحت والبيت ضاع. بس لما لقيتك إنتِ هنا، حسيت إن أمي ما ماتتش… حسيت إن رحمتها وكرامتها لسه عايشة في البيت ده.
ابتسمتُ وقلت لها:
— أمك هي اللي علمتنا إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة والنقطة المية اللي بتندفع بكرامة بتعيش العمر كله.
لكن، وقبل أن نغلق الباب ليلة الافتتاح الكبير، وصلتنا رسالة مستعجلة من المحكمة تحمل إخطارًا بقرب صدور الحكم النهائي والتنفيذي بقطع دابر طارق نهائيًا، بجانب مفاجأة أخير متعلقة بالصندوق الخشبي المغلق الذي تركه والد طارق والحاجة فاطمة في القبو منذ سنة 1972… صندوق لم يجرؤ أحد على لمسه من قبل!
مع إشراق صباح يوم الافتتاح، كانت أزهار الياسمين تملأ فناء البيت بعطرها، واللمبة الجديدة فوق الباب تُشع نورًا دافئًا يطرد ظلال السنوات الماضية. استجمعنا أنا وداليا شجاعتنا، ونزلنا برفقة الأستاذ سامح بدوي إلى القبو القديم أسفل البيت للبحث عن الصندوق الخشبي المغلق منذ عام 1972.
كان الصندوق قابعًا في زاوية هادئة تحت السلم، يعلوه غبار العقود. وبمفتاح فضي صغير كانت الحاجة فاطمة قد أرفقته في نهاية مفكرتها، فتح الأستاذ سامح القفل النحاسي الصديء.
لم يكن بالداخل ثروات أو مجوهرات، بل كان يحوي أمانة أعمق وأعظم؛ كان يضم الرسائل الأصلية والخطابات الشخصية التي تبادلها والد طارق والحاجة فاطمة أثناء بناء البيت، ومعها وصية قديمة جداً كتبها الأب قبل وفاته.
في تلك الوصية، كان الأب قد كتب بوضوح شديد أنه يوصي بالبيت والأرض لزوجته فاطمة لتتصرف فيهما كيفما تشاء لخدمة الفقراء والأرامل، مشيرًا بمرارة إلى أنه كان يتوقع جشع طارق منذ صغره وحذر من تسليمه أي ملكية مباشرة دون موافقة أمه وأخته داليا.
أزالت هذه الوثيقة التاريخية أي شك أو طعن قد يتقدم به دفاع طارق، وأغلقت القضية في المحكمة الاستئنافية بشكل نهائي وقطع دابر أي محاولة قادمة للتلاعب بالتركة. صدر الحكم البات والمشين بحبس طارق بالسجن المشدد لسنوات طويلة عن جرائم التزوير والنصب، ليطوى فصل جشعه خلف القضبان إلى الأبد.
في عصر ذلك اليوم، افتتحنا رسمياً «دار فاطمة للكرامة والآواة».
جاء الجيران وأهل المنطقة يشادون بما آلت إليه الأمور، ودخلت الدار أول ثلاث سيدات مسنات وجدن فيها مأوى كريمًا، وأكلاً دافئًا، ورعاية تشعرهن بأن قيمتهن لم تندثر.
وقفتُ مع داليا في البلكونة القديمة، ننظر إلى درجات السلم التي أُعيد ترميمها، وإلى شجرة الياسمين التي ترفل بالبياض. ابتسمتُ وأنا أستحضر صورة الحاجة فاطمة وهي تجلس في الصالة، وتذكرت تلك الفواتير الأولى التي دفعتها في السر بخجل وحرص على كرامتها.
التفتت إليّ داليا وضمت يدي بحرارة وقالت:
— أمي كانت عارفة يا نادية إن الـ 900 جنيه اللي دفعتيهم في السر ما كانوش مجرد فاتورة ميه… دول كانوا حبل نجاة للبيت كله وليه ولأنك صنتي كرامتها، ربنا صانك وخلاكي سبب في إن الخير ده يفضل عايش للكل.
نظرتُ إلى السماء ونفحت نسيم المساء الدافئ، وأنا أعلم في أعماقي أن الحاجة فاطمة تطمئن الآن في مرقدها، بعد أن أثمرت جيرتها طيبًا، وعادت الحقوق لأصحابها، وأصبح بيتها منارًا لكل محتاج، ينبض بالكرامة والخير إلى الأبد.



