
جرت سمر على المطبخ، ومسكت تليفونها، وفي لحظات كانت بتتصل بـ “حسنين”، خالها الكبيرة، الراجل العجوز العاقل اللي كلمته سيف على العيلة كلها، وراجل صاحب سوق وكلمة مسموعة في المنطقة. كانت بتكلمه وصوتها بيرتعش: “الحقني يا خالو.. في بلطجية برة على الباب عاوزين يكسروا البيت وبيتهجموا علينا، تعالي بسرعة ومعاك حد من الكبار!”.
في الوقت ده، كان الصوت برة بيزيد، وأخو العروسة بيزعق ويقول: “مش طالعين! والورق الرسمية والمؤخر اللي مضى عليه بالرضا هيوديه في ستين داهية، ويا إما تسلموا الفلوس اللي اتفقنا عليها، يا إما العمارة دي كلها هتعرف العريس النصاب كان بيبات فين الشهرين اللي فاتوا!”.
أنا مكنتش قادر أستحمل الكلمة دي بالذات.. كلمة “كان بيبات فين” قدام ولادي وجيراني. فتحت الباب بالراحة وسحبت سمر لورا، ووقفت على العتبة، وقضبت الباب بصايص بسيطة عشان الولاد ما يشوفوش المنظر.
بصيت في وشوشهم.. أخو العروسة، وش فيه غل وطمع جشع، والبلطجية الاتنين اللي معاه أشكالهم ترعب، ماسكين إقرارات ومؤخر وورق ملون في إيديهم.
قلتله بنبرة مليانة قهر وغضب كتمته بالعافية: “أنت عاوز إيه يا بني آدم أنت؟ إيه البجاحة دي؟ بقى أنتوا تنصبوا عليا وتستغلوني، وتجوزوني أختكم المغصوبة عشان تسددوا ديون أباطكم، ولما أعرف قذارتكم وأطلقها، جايين لحد بيتي تبتزوني؟”.
أخو العروسة ضحك ببرود وقرب من وشي وقال بثقة خبيثة: “يا أستاذ، القانون مبيعرفش القلوب والنوايا.. القانون بيعرف الورق! أنت ماضي برجليك على إقرار باستلام شبكة ومؤخر نص مليون جنيه، والشقة الإيجار باسمك، والإقرار ده معاير بالشهود والبصمة. هتتدفع بالذوق، ولا نعملك قضية تبديد ومؤخر محترم ونخلي المحامين يلبسوك كلبشات قدام عيالك وشغلك؟”.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات ثقيلة وصوت عصايا بتهبد على السلم. كان خال سمر، الحاج حسنين، طالع على السلم ومعاه اتنين من كبار المنطقة ورجالة من العمارة. الراجل بص للمنظر، وركز في وشوش البلطجية وفي أخت أخته (سمر) اللي واقفة في الصالة بتبكي.
الحج حسنين قرب بهيبة ووقَف بيني وبينهم، وقال بصوت حاد يزلزل المكان: “إيه المولد اللي معمول هنا ده؟ ومين الجدع اللي واقف يجعجع على باب أختنا في منطقتنا؟”.
أخو العروسة اتفاجئ بوجود الرجالة، بس طلع الورق ورشه في الوش: “إحنا مش جايين نعمل مشاكل يا حج، إحنا جايين ناخد حقنا بالورق والقانون. الأستاذ اتجوز أختنا وكتب كتابها ورمى عليها يمين الطلاق بعد ما قضى معاها يومين، وماشية يسيب إقرارات ومؤخر، وإحنا مش هنفرط في حق بنت ناس!”.
الحج حسنين بصلي بنظرة خلت الأرض تتشق وتبلعني من الخجل. بص للورق، وبعدين بص لأخو العروسة وقال بصوت هادي يرعب: “ورق إيه يا ولد؟ أنت فاكر نفسك شاطر وجاي تلعب في حارة المقاطعية؟ العيب مش عليك.. العيب على الخايب اللي فتحلكم الباب ودخلكم بيته وسابكم تطمعوا فيه.. انزلوا قدامي على القهوة تحت، مفيش حريم بتتفضح على أبواب الشقق في حارتي. انزلوا قدامي بدل ما أخلي حارة القاهرة كلها تتفرج على جثثكم!”.
البلطجية حسوا إن الجو اتقلب وإن المنطقة مش هتاكل فيها الشطارة والابتزاز، فنزلوا تحت تهديد رجالة المنطقة.
الحنزلت السلم ورا الحاج حسنين وكأني رايح للمشنقة برجلي. الخطوات كانت ثقيلة، والدنيا كلها بدأت تضيق في عيني. القهوة اللي تحت العمارة، اللي كنت بقعد عليها دايماً رافع رأسي وسط الناس، كانت النهاردة ساحة القصاص اللي هتدفع فيها ثمن طيشك وغبائك.
أول ما نزلنا، القهوة فضيت من زبائنها تدريجياً بنظرة واحدة من الحاج حسنين، والرجالة الصغار قفلوا الشراع وصدروا الكراسي. اتجمعت القعدة العرفية: الحاج حسنين في صدر الطاولة، وجنبه اتنين من كبار الحارة، ومن الناحية الثانية كان واقف أخو العروسة ومعاه البلطجية الاتنين، وعينيهم بتتطاير منها نيران الطمع والغضب. وأنا كنت قاعد في الزاوية، ساكت، مكسور، وحاسس إن هيبتي وكرامتي أتمسحوا بالأرض.
الحاج حسنين خبط عصايته الأبنوس في الأرض هبدة هزت القهوة، وبص لأخو العروسة وقال بنبرة صارمة: “هات الورق اللي معاك يا جدع أنت، وحاتلي القصة من أولها.. ومن غير لف ولدوران، لأن الكلمة الغلط هنا بحسابها!”.
أخو العروسة طلع الإقرارات ومؤخر الصداق من جيبه ورماهم على الطاولة بثقة خبيثة: “الورق أهو يا حاج.. إقرار رسمي ببصمته وإمضائه بإنه استلم شبكة بمبلغ وقدره، ومؤخر صداق مكتوب وموثق، وشقة إيجار ملتزم بدفع إيجارها لمدة سنة. الأستاذ دخل بيتنا من الباب، وطلب بنت ناس، ولما شبع وقضى مراده، رمى عليها اليمين في الغربة وداس على شرفها ورجع لمراته الأولى وكأن شيئاً لم يكن! إحنا ناس أصحاب حق، والورق ده لو نزل النيابة الصبح هيلبسه قضية تبديد ومؤخر محترم، ومش هينزل منها إلا وهو مكلبش!”.
الحاج حسنين مسك الورق، وطلع نظارته من جيبه، وبدأ يقرأ ببطء وتركيز. كل ثانية كانت بتمر عليا في السكوت ده كانت زي سنة. وبعدين رفع رأسه وبصلي بصة قاسية جداً، وقال: “الإمضاء دي إمضاءتك يا إبراهيم؟ والبصمة دي بصمتك؟”.
بصيت للأرض، والكلمات اتخنقت في حلقي قبل ما تطلع: “إمضائي وبصمتي يا حاج.. بس والله العظيم تحت التدليس والنصب! أنا أتقفل عليا مع صاحبي فلان وأهل البنت يوم كتب الكتاب، ودخلوني في زحمة ورغي وشبكة وهمية، ومضوني على إقرارات قالوا إنها ضمان حق للبنت عشان هيصونوا بنتهم في الغربة، ومكنتش أعرف إن ده فخ منصوبلي من أول يوم عشان يسددوا ديون أبوه!”.
هنا أخو العروسة زعق بصوت عالي: “نصب إيه وتدليس إيه يا نصاب! أنت كنت بكامل عقلك، وعارف أنت بتمضي على إيه! هو في راجل بيمضي على نص مليون جنيه وهو مغمض عينيه؟!”.
الحاج حسنين رفع إيده وسكّته بهيبة: “اقفل حنكك يا ولد لما الكبار يتكلموا!”. وبعدين لف وشها ناحيتي وقال بلهجة حادة زي الموس: “أنت غلطت يا إبراهيم، والغلطة الأولى إنك بعت بيتك الأصيل وعينك زغت ورا شهوتك ورخيص كلام صاحبك.. والغلطة الثانية إنك اتغفلت زي الأعمى ومضيت على ورق يكتفك من رقبتك. القانون مبيحْمِيش المغفلين يا ابن الناس، حتى لو كنت مظلوم في النية، إمضاءتك في الورق رسمية!”.
حسيت إن الدنيا دارت بيا، والأمل الأخير في القعدة العرفية بيضيع. لكن الحاج حسنين كمل كلامه وبص لأخو العروسة بنظرة تانية خالص، نظرة تعلب عتيق فاهم اللعبة: “بس تعال هنا يا شاطر.. أنت فاكر إنك لما تجيبلي الورق ده وتدش عليا بالبلطجية بتوعك هتاكل بعقلنا حلاوة؟ أنا التليفون اللي أم أولاده سجلت فيه مكالمتك مع صاحبك الخاين معايا دلوقتي على الواتساب، والرسائل المتبادلة بين صاحبه وبين أختك اللي بتتوسل فيها وتقول ‘ليه بتعملوا فيا كده وتدبسوني في راجل عشان تسددوا ديون أبوي’، كل ده موجود ومحفوظ!”.
أخو العروسة وشها اتغير، والألوان راحت منه، وعينيه بدأت تتردد بين الحاج حسنين وبين البلطجية اللي معاه.
الحاج كمل وهو بيمسح على لحيته: “أنت ورطت أختك، واستغليت راجل مغفل عشان تطلعوا بمصلحة، اللي متجهزة ضدكم مش قضية تبديد، دي قضية ‘تشكيل عصابي للابتزاز والتدليس والاتجار بالبشر’، وأنت عارف كويس أوي نفوذنا في النيابة وعارف إن أختك نفسها هي أول واحدة هتشهد عليكم لما تنزنق في التحقيق!”.
البلطجية اللي كانوا جايين مع أخو العروسة بدأوا يتراجعوا لورا، وواحد منهم قرب من أخو العروسة ووشوشه بصوت واطي: “إحنا ملناش دعوة بالمواضيع دي يا معلم.. أنت قلت لنا راجل أكل حقكم بالورق، طلعت القصة فيها نيابات وتشكيل عصابي! إحنا ماشيين!”.
أخو العروسة بقى واقف لوحده في صدر القهوة، الضعف والارتباك باينين عليه. حاول يستجمع شتات نفسه وقال بنبرة مكسورة: “يعني إيه يا حاج؟ البنت تطلق كده وتترمى من غير حق؟ والأضرار اللي لحقت بينا في البلد مين هيسددها؟”.
الحاج حسنين وقف، وضرب بعصايته في الأرض وقال بقرار حاسم لا رجعة فيه: “البنت ليها مؤخرها الشرعي اللي يرضي الله، مش المبالغ الخيالية اللي مضيتوا الراجل عليها بالنصب! هتاخدوا مبلغ بسيط يتكتب بيه تنازل رسمي عن كل الإقرارات والمؤخر والشقة، وتكتبوا إقرار عدم تعرض لإبراهيم ولا لبيته ولا لأولاده نهائياً. وإذا وافقتوا بالصلح ده أهلاً وسهلاً، والورق يتقطع قدام الرجالة دلوقتي.. وإذا رفضتوا، الورق اللي معايا هيترسل للنيابة العامة مع البلاغ الصبح، وأنت وأبوك وصاحبه الخاين هتناموا في الحجز الليلة!”.
أخو العروسة وقف مشنوق بين الخسارة الكلية وبين إنه يطلع بـ “حمص الشام” من الجوازة الشؤم دي. فضّل يتردد ويروح ويجي، وفي الآخر هز رأسه بقلة حيلة وقبل بالشروط.
تم تقطيع الإقرارات المكتوبة تحت النصب قدام عينيا، ومضى على إقرار التنازل واستلم مبلغ المؤخر الشرعي البسيط اللي دفعه الحاج حسنين من جيبه الشخصي على إنه دين عليا أردّه له، ومشي أخو العروسة يجر أذيال الخيبة والفضائح.
أول ما القهوة فضيت، قمت وقفت وجيت أبوس إيد الحاج حسنين وأشكره، بس زحزح إيده بعنف وبصلي بقرف وقال: “إياك تفتكر إني عملت كده عشانك يا إبراهيم.. أنا عملت كده عشان العرض والشرف، وعشان دموع سمر وولادها اللي مالهمش ذنب في القذارة اللي أنت جيبتها لحد عندهم. أنت طلعت من قضية النصب، بس حسابك مع مراتك وبيتك لسه يبدأ النهاردة.. اطلع فوق وشوف هتكفر عن ذنبك ده إزاي، ده لو وافقت أصلاً تبص في وشك تاني!”.
طلعت السلم وأنا رجل بتشيل ورجل بتحط. الاتهامات والقضايا راحت، بس الخراب الحقيقي كان مستنيني ورا الباب المقفول. فتحت باب الشقة بالمفتاح بالراحة، ولقيت الصالة فاضية وهادية تماماً، وشنطة سفر كبيرة محطوطة جنمب باب الشقة، وسمر واقفة جنبها وهي لابسة طرحتها…
ج حسنين لف وشها، وبص لسمر، وقالها بصوت دافي بس مليان أسى: “ادخلي جوة يا سمر مع ولادك وافلي الباب.. وأنت يا أبراهيم، انزل معايا تحت، الحساب وتقليب الأوراق مش هيكون هنا.. الحساب هيكون تحت قدام القعدة اللي هتحدد مين اللي ليه حق ومين اللي يتكسر رقابته!”.
نزلت وراهم والدموع بتخنقني، رجلي مش شايلاني، ومش عارف المواجهة اللي جاية تحت في القعدة العرفية هتكون إيه، ولا الورق المزور والمكتوب بتدليس ده هيوديني لحد فين، ولا سمر اللي سيبتها جوة بتقفل الباب ورايا بمفتاحين هتقبل ترجعلي تاني حتى لو المصيبة دي خلصت!



