منوعات

حكايات اسما 2

كلماتي نزلت زي الصاعقة على أحمد، وقف مكانه باصص لي بعيون واسعة كأنه مش مصدق إن دي مراته الهادئة اللي لسه متجوزها من أربع شهور هي اللي بتتكلم بالجرأة والصرامة دي. صدره بيطلع ونزل بسرعة من العصبية، وشد شعره بإيده وقال بصوت عالي ومليان غضب:
— إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟! أنتي بجد واعية للي طالع من بوقك؟! أمي في السن ده وعايزة تعمل أصل وتساعد، وأنتي بتقولي كلام يوجع ويخرب! أنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟! أرادد أمي وأطردها عشان خاطرك؟! ولا أقاطعها عشان هان عليكِ تزعليها مني؟!
وقفت مكاني، الدموع كانت ناشفة في عيوني من كتر القهرة، بس صوتي كان ثابت وحاد زي السكين:
— محدش طلب منك تطرد أمك يا أحمد! ولا طلبت منك تقاطعها! أنا كل اللي طلبته، وكل اللي هفضل مصرة عليه، إن يكون فيه حدود تحترم بيتنا وخصوصيتنا. أوضة نومنا دي خط أحمر، ههدومنا الخاصة، بحياتنا اللي لسه بنبنيها.. لو هي مش قادرة تفهم ده، حضرتك المفروض تفهمها بهدوء وباحترام إن لينا كيان مستقل، مش تبصلي أنا على إني غلطانة ومأفورة!
قرب مني خطوتين، وعنيه بتطق شرار، وقال بنبرة تهديد واضحة:
— طالما أنتي شايفة إن الموضوع كبير كده، وإن أمي بتمثل خطر على حياتكم المقدسة.. أحب أقولك إن طريقتك دي هي اللي هتهد البيت على دماغنا، وأنا مش هقبل أبداً إن مراتي تعامل أمي بالطريقة دي أو تكلمني بالألوب ده!
سابني ودخل قفل باب أوضة النوم في وشي، وسابني واقفة في الصالة لوحدي، وسط سكون الليل وبرود البيت اللي كان من ساعات قليلة مليان ضحك وفرحة.
حسيت ساعتها إن الحبل اتشرخ بجد، وإن المشكلة مبقتش مجرد تدخل حماتي في هدومي، المشكلة بقت في أحمد نفسه.. اللي مش فاهم يعني ايه “بيت مستقل” ولا يعني إيه زوجة ليها كرامة وخصوصية مفروض يحميها حتى من أقرب الناس ليه.
عدا الليل بأكمله عليا وأنا قاعدة على الكنبة في الصالة، لا جالي نوم ولا قدرت أدخل الأوضة اللي بقا هو نايم فيها وواخد جنب لوحده. كنت باصة للحوائط الجديدة وبتذكر وعوده ليا قبل الجواز: “هعملك أسعد ست في الدنيا”، “بيتنا هيكون مملكتنا الخاصة”.. فين كل ده؟ فين الكلام ده كله اللي انهار قدام أول اختبار حقيقي؟
لما طلع النهار، الشمس دخلت من الشباك باردة، وسمعت صوت حركة أحمد وهو بيتحرك جوه عشان ينزل شغله. دخلت المطبخ بسرعة، عملت كوباية قهوة وسكت تماماً من غير ما أنطق بكلمة لما خرج من الأوضة وماسك شنطته. بص لي نظرة عتاب وسخرية صامتة، وقال بجفاف:
— أنا نازل الشغل، وراجع على أهلي أقعد معاهم كام يوم أطمن عليهم وأصالح أمي اللي نامت زعلانة بسببك، وابقي فكري كويس في طريقتك دي لحد ما أرجع!
سابني ونزل وخلاني وحدي تماماً في الشقة الواسعة دي، اللي اتحولت بقدرة قادر لسجن كبير ومظلم.
قعدت على الترابيزة وبكيت بدموع حارقة، حسيت إنها نهاية الطريق.. لكن جوايا صوت تاني كان بيقولي: “لو سكتِ النهاردة وبلعتي الإهانة وسكوتي، بكرة هتدخل أوضة نومك وأنتي قاعدة، وهتتحكم في كل تفصيلة في حياتك وحياة ولادك لو جابنا ربنا أطفال”.
مسحت دموعي بقسوة، وفتحت الموبايل.. كان لازم آخد موقف، بس مش أي موقف. اتصلت بماما وحكيت لها كل اللي حصل من أوله لآخره من غير ما أنقص كلمة واحدة، وكنت سامعة صوت صدمتها وهي بتقولي بغضب:
— يعني حماتك تدخل أوضة نومك وتنشر هدومك الخاصة قدام الكل، وجوزك بدل ما يقف جنبك ويحفظ كرامتك، يسيبك ويمشي يراضي أمه ويعاقبك؟! ده اسمه تخخريب مقصود لبيتك من أوله يا بنتي، وإذا ما وقفتيش وقفة رجالة إنتي وأحمد من دلوقتي، الباب ده هيتفتح لكل من هب ودب يتدخل في حياتكم لحد ما تتهد!
كلام ماما نزل على قلبي زي الدواء المر، خلاني أحس إني مش لوحدي، وإني فعلاً مش مبالغة.
قعدت أفكر في حل.. أحمد رايح يقعد مع أهله، ودي فرصة ذهبية ليا عشان أفكر بعقل، وأحط النقط على الحروف. جهزت شنطة صغيرة فيها هدومي الأساسية، وكتبت ورقة وسبتها على ترابيزة الصالة في نص الشقة، وكتبت فيها بوضوح:
“أنا مش هقعد في بيت أهلي زعلانة، ولا هعمل مشاكل.. أنا نزلت عند أهلي لحد ما تقدر تقعد مع نفسك، وتفكر كويس هو إحنا جوازنا اتنين مستقلين بيبنوا بيتهم، ولا أنا ضيفة عند أهلك وماليش أي رأي أو خصوصية.. لما تعرف إجابة للسؤال ده، ابقى اكلمني”.
خدت شنطتي، وقفلت باب الشقة بالمفتاح ورايا، وركبت التاكسي وأنا حاسة إن المعركة الحقيقية لسه مابتداش، وإن الأيام اللي جايين هتكشف إذا كان أحمد هيعرف يحافظ على بيته، ولا هيختار يرضي أمه على حساب مستقبله معايا.
وصلت بيت أهلي، وأول ما ماما فتحت لي الباب وحضنتني، انفجرت في عياط هستيري.. وفضلت قاعدة في حضنها، وأنا بستنى أسوأ احتمال، وبستنى أحمد يعمل إيه لما يلاقي الشقة فاضية والورقة مستنياه!
عدت الساعات كأنها سنين، كنت قاعدة في بيت أهلي عيوني مثبتة على الموبايل، وكل قلبي متعلق برنة منه أو رسالة تبين رد فعله على اللي عملته.
الساعة بقت بالليل، ولقيت تليفوني بيرن.. “أحمد”.
قلبي دق بسرعة، خدت نفسي بعمق وفتحت الخط، وقولت بصوت ثابت:
— ألو يا أحمد.
جابه صوته المليان عصبية وصدمة، وكأن مش مصدق اللي هو شافه:
— إنتي بجد اتجننتي؟! إنتي إزاي تسابي الشقة وتمشي وتروحي عند أهلك؟! هو ده الحل في نظرك؟! الهروب؟! بدل ما تقعدي تستني نتناقش، تهربي وتسبيلي البيت بالورقة اللي عاملاها زي العيال دي؟!
رديت عليه بكل هدوء وصلابة كنت مستغرداها من نفسي:
— أنا ما هربتش يا أحمد.. أنا سبت لك البيت عشان تفكر على إضافتك، مش عشان تهرب إنت كمان وتروح لأهلك وتسيبني لوحدي أدفع ثمن تدخل مش أنا سببه أصلاً. أنا مش طفلة، ومش هقبل أعيش في مكان مش آمنة فيه حتى في أوضة نومي، وماليش أي اعتبار أو خصوصية.
زعق في التليفون وقال بصوت عالي:
— اعتبارات إيه وخصوصيات إيه اللي جننتيكِ دي؟! أمي راحة ترتبلك الشقة تقومِ تقومي الدنيا وتسيبي البيت عشان كلمتين زعلوكي؟! أنتي كده بتهدّي بيتنا بإيدك! لو رجعتي لقيتي الشقة فاضية والورقة دي، يبقى إنتي اللي مش عايزة تكملي!
كلمته دي وجعتني، بس كملت بثبات:
— أنا اللي عايزة أكمل يا أحمد، وعشان كده نزلت.. عشان أعرفك إن بيتنا ده ليه حرمة، ولو إنت مش قادر تحميه وتحافظ على حدودنا مع أهلك، يبقى من حقنا نعرف إحنا رايحين على فين. أنا مش هرجع غير لما نتفق اتفاق نهائي: خصوصياتنا خط أحمر، ولا أنا ولا أمك ولا أي مخلوق يقرب لها.
سكت أحمد لفترة طويلة، وسادت المكالمة صمّت رهيب، كنت سامعة فيه صوت نفسه السريع وهو بيفكر، وبعدين قفل السكة في وشي!
حرارة الخط المقطوع نزلت عليّ زي الصاعقة.. حسيت إن الدنيا اسودت قدام عيوني، وإنه اختار أمه ورفض تماماً إنه يراجع نفسه أو يراضيني. ماما دخلت عليا الأوضة وشافت دموعي، حضنتني وقالت بحنية:
— معلش يا حبيبتي، خليه ياخد صدمته.. الرجالة في الأول بيتعصبوا عشان متعودين إن الأهل مفيش عليهم رقابة، بس الصمت ده هو اللي هيخليه يراجع نفسه كويس ويعرف إنه غلط.
عدا يومين تانيين من غير أي اتصال من أحمد. كنت عايشة في عذاب وتفكير مستمر، هل فعلاً كده الجوازة دي انتهت بعد 4 شهور بس؟! هل كل الحب اللي بينا راح هباءً عشان حماتي مش قادرة تفهم معنى الاستقلال؟!
لحد ما جه يوم بالليل، كنت قاعدة مع أهلي، ولقيت باب الشقة بيخبط.
ماما فتحت الباب، وفجأة لقيت أحمد واقف قدامنا!
كان شكله متبدل وتعبان، عيونه حمرا من قلة النوم، وشعره مش متظبط، وبص لي بنظرة طويلة مليانة مشاعر متلخبطة.. حب، عتاب، وتعب.
دخل ووقف قدامي وسط أهلي، وقال بصوت مكتوب وخافت:
— قومي معايا يا سارة.. روحي معايا بيتنا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى