
سامح وقف مبهوت يبتص لأمه وهي واقفة بطولها على حيلها، صحتها أجدع من صحتنا إحنا الاتنين، مفيش حشرجة، مفيش خنقة، ومفيش إيد بتترعش!
نعيمة أدركت في لحظة إنها وقعت في الفخ، وأن قفزتها دي كشفت الدور كله، فبدأت تلف وتدور في المكان وعينيها بتروح وتيجي بغضب ورعب. حاولت تلم الموقف وسندت على إيد الكنبة بسرعة ورجعت توطي صوتها وتتظاهر بالضعف: “آه يا ضهري.. أنا.. أنا قمت من خوفي منك يا نيرة! أنتِ اتجننتي؟ جايبالي ماية بملح وعايزة تشرحي رقبتي بمشرط؟ أنتِ ناوية على قتلي ولا إيه يا سامح؟ شوف مرتك بتخوفني إزاي!”
سكتت لحظة، وبعدين كملت نبرة المسكنة اللي متعودة عليها: “وبعدين أنا.. أنا قلبي مقبوض من ريحة البرتقال، بس جسمي قاوم لما اتخضيت! الحساسية بتيجي وتروح، إيه الغريب في كده؟”
سامح بص لأمه، وبعدين بصلي. ملامحه كانت متلخبطة بين الشك اللي بدأ يدخل قلبه وبين الطاعة الأعمى اللي اتربى عليها.
أنا مديتلهوش فرصة يفكر أو يبرر لها. قربت من حماتي بملامح حادة جداً وابتسامة باردة الثقة، وقلت بصوت حاسم هز الصالة: “لا يا طنط.. الحساسية المفرطة Respiratory Anaphylaxis مابتروحش بلمسة سحر ولا بخضة! دي حالة لو جت بجد، صاحبها بيبصق دم وينتَفِخ لسانه ويرمي جثته على الأرض! حركة حضرتك الناشطة دي وصوتك اللي زي الرعد يثبتوا حاجة من اتنين: يا إما ربنا وهبك شفاء إعجازي في ثانية، يا إما الحساسية دي معندكيش منها غير اسم بس، بتظهر بس لما كيس البرتقال أكون أنا اللي شايلاه!”
نعيمة أوشكت تتجنن، وشها احمر وزعقت في وشي: “أنتِ بتقولي إيه يا جليلة الحيا؟ أنتِ بتكذبيني في بيتي وقدم ابني؟”
سامح اتدخل وصوته ملفت: “نيرة! الزمي حدودك! مهما كان دي أمي برضه وما ينفعش تتكلمي معاها كده!”
بصيت لسامح بكل برود وطلعت تليفوني من جيبي. فتحت المسجل ودست تشغيل، وصوت المكالمة اللي كنت لسه عاملاها طلع عالي في الصالة. الصوت ما كانش صوت الإسعاف خالص.. كان صوت صديقتي “هبة” وهي بتضحك وبتقول: “إيه يا نيرة؟ كل ده تمثيلية؟ أنتِ مسجلة المكالمة ولا إيه؟”
سامح اتصدم، عينيه اتوسعت وهو بيسمع التسجيل وفهم إن كل رعب الإسعاف والمشرط والعزل كان مجرد مسرحية أنا طبختها في دقيقتين عشان أطلع أمه على حقيقتها.
سامح بصلي بصدمة وقال: “أنتِ.. أنتِ كنتِ بتشتغلينا؟”
رديت بثبات: “أنا مابشتغلش حد يا سامح. أنا بس حبيت أوريك المريض الفعلي في البيت ده مين! أمك مش عيانة بحساسية البرتقال ولا شعر القطط ولا الملايات.. أمك عندها حساسية مني أنا! من وجودي، من قراراتي، ومن أي حاجة بشتريها بفلوسي أو بتدخل البيت بإيدي!”
نعيمة لما لقيت الكارت الأخير اتكشف، ما استسلمتش. بدل ما تتكسف، تحولت للهجوم الصريح. سابت المسكنة خالص، ووقفت بصلابة، وقالت بصوت مليان غل: “أيوة يا نيرة! أيوة مش طايقاكي ولا طايقة حاجتك! عايشة معايا في بيتي وبتحكمي وتسرحي، وكل ما تجيبي حاجة بتبقي عايزة تحسي إنك صاحبة البيت! أنا أم سامح، الكلمة كلمتي والحاجة اللي تقعد في البيت دي بأمري أنا! البرتقال اللي تجيبيه القرف بيبقى طالع منه، لكن البرتقال اللي ابن حبيبي يجيبه بيبقى سكر على قلبي! القط اللي جيبتيه كان يقرفني وميطبش بيتي، لكن القطة اللي جابها ابني تقعد في حضني! عندك مانع؟”
الصالة سادت فيها لحظة صمت رهيبة. الكلام كان صريح ومباشر لأول مرة. مفيش قناع حساسية، مفيش دموع مزيفة، مفيش “لحقني يا حبيبي”. كانت الحقيقة المجردة.
سامح كان واقف بيبص لأمه بذهول كأنه أول مرة يشوفها. هو طوال عمره مصدق إن أمه مسكينة وعيانة ومظلومة، والنهارده سمعها بعينيه بتعترف إنها كانت بتتبلى وتدعي المرض وتخلينا نخسر قطتي اللي بقالها عشر سنين معايا وتمشيني من بيتي لمجرد الكره والسيطرة.
تمتم سامح بصوت واطي ومكسور: “يعني.. يعني أنتِ يا أمي مكنش عندك حساسية من القط؟ ولا من البرتقال؟ ولا السجاد؟”
نعيمة بصت لابنها وارتبكت لحظة، بس غرورها منعها تعتذر، فقالت بدفاع مستميت: “كنت بنضف بيتك يا ابني! كنت بعرفها مقامها عشان متمشيش كلامها عليك! أنت بتصدق الغريبة وتكذب أمك اللي كبرتك؟”
بصيت لسامح وقلتله بنبرة ألم قديمة بس حاسمة: “فاكر سمسم؟ القط اللي اتربيت معاه عشر سنين وجيت أنت بكل قسوة رميته في الشارع في عز البرد عشان أمك كانت بتصرخ وتقول بتموت من شعره؟ فاكر دموعي وقهرتي يومها؟ فاكر لما طلقتني عشان قلتلك أمك بتمثل؟ أدي الحقيقة قدامك أهيه، بصوتها وعترفها.”
سامح وشو جاب ألوان، بص للأرض، وبعدين بص لأمه بنظرة خيبة أمل عميقة جداً. النظرة دي كانت بتمثل انكسار الصورة السحرية للست المظلومة اللي كان مستعد يضحي بكل حاجة عشانها.
نعيمة حسّت إن البساط بيتسحب من تحت رجلها، ورجعت تحاول تمسك رقبتها تاني وتعمل شغل الدوخة: “آه يا رأسي.. الضغط علي.. الحقني يا سامح الحقني…”
لكن المرة دي، سامح ما تحركش من مكانه. ما جراش عليها، ما طبطبش، ولا حتى سأل مالك. فضلت عيونه متعلقة بيا وبالموقف.
سحبت شنطة البرتقال من على الترابيزة، ومشيت لحد باب الشقة، فتحته على آخره، وبصيت لنعيمة وقلت: “المرادي يا طنط المسرحية انتهت.. والجمهور فهم القصة خلاص. من بكرة، أي حاجة هتدخل البيت ده هتدخل بكلمتي، والملايات اللي هفرشها هتنامي عليها ورجلك فوق رقبتك، والبرتقال اللي هجيبه هتاكليه وتدعيلي كمان.. لأن لو سمعت كلمة حساسية تاني، الملف اللي جواه اعترافك ده هيوصل لكل عيلتك وإخواتك عشان يعرفوا الست المريضة بجد إيه نوع مرضها!”
رميت شنطة البرتقال على ترابيزة السفرة، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بلمسة ثقة هادية، وسبت سامح واقف في الصالة يواجه أمه والحقيقة اللي عاش يتهرب منها سنين.
عدت ليلتها في الأوضة وأنا حاسة براحة غريبة ما حستهاش من سنين. لأول مرة أحس إن الثقل اللي كان كاتم على نفسي انزاح، وإن الموقف اتعكس تماماً. بره في الصالة، كان الصوت واطي جداً، سامح ما زعقش وما عملش خناقة كبيرة، بس سكوتة كان أقسى بكتير من أي كلام. سمعت خطواته وهو بيمشي في الشقة ببطء، وصوت باب أوضته وهو بيتقفل، وسب أمه قاعدة لوحدها في الصالة مع شنطة البرتقال واعترافها اللي هدم كل اللي بنته في سنين.
تاني يوم الصبح، طلعت من الأوضة بدري عشان أجهز نفسي للنزول للشغل. الصالة كانت هادية، ونعيمة كانت قاعدة على الكنبة مطأطأة رأسها، ولابسة طرحتها كأنها مستنية المحاكمة. أول ما شافتني طالعة، ما رفعتش عينها في عيني ولا نطقت بحرف، مفيش “شيلي القرف ده”، مفيش حشرجة، ومفيش تمسكن. كانت ساكتة تماماً كأن القناع اللي كانت لابساه اتخلع ومش عارفة تتصرف إزاي من غيره.
سامح كان قاعد في المطبخ بيشرب قهوة، وشه كان باهت وتحت عينيه سواد يبين إنه مانامش طول الليل. أول ما شافني، وقف وقال بصوت هادي ومكسور: “صباح الخير يا نيرة.”
رديت بجمود: “صباح النور.”
قرب مني خطوة، وقرب إيده كأنه عايز يمسك إيدي بس تردد ورجعها تاني: “أنا مانامتش طول الليل وأنا بفكر في كل كلمة اتقالت البارحة.. وفي كل اللي فات. أنا حاسس إني كنت أعمى، حاسس إني ظلمتك ظلم كبير أوي يا نيرة.. على مدار سنين وأنا شايفك أنتِ القاسية وأمي هي الضحية.. مسكتش مرة واحدة وأسأل نفسي ليه الحساسية دي مبتظهرش غير معاكي أنتِ بالذات.”
سكت شوية وبلع ريقه وصوته اتهز: “حقك عليا في كل دمعة نزلت منك.. حقك عليا في سمسم القط اللي حرمتك منه وبكيتِ عليه سنين.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللخبطة دي وعشان تسامحيني.”
بصيت في عينيه بثبات وقلتله: “الأسف ما بيرجعش اللي راح يا سامح، وما بيمسحش قهرة السنين. بس لو فعلاً عايز تبدأ صفحة جديدة، لازم تعرف إن البيت ده من النهاردة ليه نظام تاني خالص. أمك على راسي كست كبيرة، هحترمها وهخدمها لو تعبت بجد، لكن شغل التحكمات والمسرحيات والرخص ده انتهى للابد. أي حاجة تدخل البيت هتدخل، وأي قرار يتاخد في بيتي هتاخده معايا مش معاها.”
سامح هز رأسه بسرعة ومن غير تردد: “موافق.. موافق على كل اللي تقوليه. من النهاردة محدش هيدخل في حياتنا، وأمي أنا هقعد معاها وأفهمها الحدود دي كويس جداً.”
نزلت الشغل وأنا حاسة إن الهيبة رجعتلي. وعلى مدار الأيام اللي بعدها، بدأت أطبق خطتي بهدوء وبدون استفزاز.
دخلت البيت بسجاد جديد، فرشته في الصالة قدام عين نعيمة. وقفت تتفرج عليا وهي بلعانة لسانها، ولا فتحت بقها ولا قالت “جسمي بأكلني” ولا “الموكيت بيخنقني”.
وبعدها بأيام، غيرت ملايات السرير في أوضتها بملايات من اللي كانت بتقول إنها بتعملها بقع وتحسس جلد. نامت عليها ورجليها فوق رقبتها من غير ما تنطق بكلمة واحدة!
حتى الأكل، بقيت أنزل أجيب الخضار والفاكهة بنفسي، وأحط البرتقال والورد في نص الصالة، وكانت تقعد جنبهم تتفرج على التلفزيون وتشرط الفاكهة وتأكل منها وهي ساكتة تماماً، كأن جين الحساسية ده اتمسح من DNA بتاعها في ليلة وضحاها!
سامح كان بيتفرج على التحول ده وهو مصدوم من نفسه إزاي كان مغفل طول السنين دي ومصدق المسرحية الهابطة دي. معاملته معايا اتغيرت 180 درجة، بقى يحاول يرضيني بأي طريقة، ويبعد أمه عن أي احتكاك بيا.
لكن نعيمة، رغم إنها سكتت وانكسرت شوكة الحساسية عندها، إلا إن الغل جواها كان بياكل فيها. الست اللي اتعودت تسيطر وتلعب بكرت المرض والمسكنة، صعب عليها جداً تسلم بالهزيمة وتشوف كيدها أتقلب عليها والبيت بقى يمشي بأمري.
وفعلاً.. بعد حوالي شهرين من الهدوء الحذر ده، لما لقيت إن كرت الحساسية مات وما بقاش يجيب نتيجة مع ابنها، قررت تغير الخطة وتلعب لعبة جديدة ألعن وأخطر بكتير.. لعبة مش هتمس جسمها هي المره دي، لكن هتمس حاجة تانية خالص جوة البيت!


