روايات وقصص

حكايات منى 2

عدت الليلة دي بالعافية، الشقة كانت هادية بس الهدوء ده كان عامل زي سكون الجو قبل الإعصار. الولاد شبعوا وناموا مرتاحين، لكن أنا وأحمد فضلنا صاحيين طول الليل، هو يروح ويجي في الصالة مش عارف ينام من حرق الدم والتفكير، وأنا قاعدة على طرف السرير، جوايا مزيج من راحة النفس إني أخيرًا ناطقت وأخدت حقي، وخوف دفين من رد فعل حماتي ومروة.. أنا عارفة حماتي كويس، الست دي السكوت بالنسبة لها مش انسحاب، ده ترتيب لضربة أكبر.

أول ما الشمس طلعت، والشوارع بدأت تدب فيها الحركة، سمعت رزعة باب شقة حماتي تحت. طلعت من البلكونة ببراوة، لقيت مروة نازلة تجري على السلم، وشها مبلم وملامحها مليانة شر، وبتمسك تلفونها على وذنها وبتتكلم بصوت حاد ومسموع في بير السلم كله: «أيوه يا هاني.. تعالالي بسرعة على بيت أمي، أختك وأخوك أهانوني وكسروا نفسي ومسحوا بيا الأرض عشان لقمة! تعالى شوف مراته عملت فيا إيه وقالت إيه على أمك، تعالى خدي من هنا بدل ما أرتكب جيمة!»

قفلت البلكونة بسرعة وقلبي بدأ يدق زي الطبول. دخلت الأوضة لقيت أحمد بيتلبس عشان ينزل شغله، بصلني وشاف صفار وشي، قرب مني وقال بصوت رايق بس جاد: «في إيه يا ندى؟ بتتنفضِي كدة ليه تاني؟» قلتله بنبرة مرعوبة: «أختك مروة كلمت جوزها هاني وجايباه وجاي على هنا.. العركة هتكبر يا أحمد وهتدخل فيها رجالة، وهاني ده طبعه واعر وما بيصدق يفتعل مشاكل!»

أحمد ابتسم ابتسامة باهتة مليانة قسوة، وعدّل ياقة قميصة وقال بجمود: «يجيب اللي يجيبه.. هاني ده لو فاكر إنه هيجي يترجل في بيت أبوي أو يتطاول على مراتي عشان حتة مكرونة أختك كانت عايزه تخطفها، يبقى بيحفر القبر بإيده. اقعدي أنتِ مع ولادك وما تخرجيش إلا لما أقولك.»

أحمد قعد على الكنبة في الصالة، فتح تلفون وقعد يقلب فيه ببرود مستني اللحظة. ما كملناش نص ساعة، وسمعنا خبط شديد ورزع بدبابيس الجزم على السلم، صواريخ كلام نازلة وطالعة، وفجأة الباب بتاع حماتي اتفتح برزع، وصوت هاني جوز مروة جه يلعلع في العمارة وهو بيزعق في الصالة تحت: «يا حاجّة.. فين ابنك الراجل اللي سايب مراته تطول لسانها على الستات؟ فين أحمد اللي بياخد الأكل من إيد أختك ويهينها؟ انزل يا أحمد لو إنت راجل وانزل واجهني!»

أنا جسمي اتخشب من الخوف، الولاد صحوا مرعوبين وجريوا استخبوا ورايا. أحمد قام من مكان بخطوات هادية أكنه رايح مشوار عادي، فتح باب الشقة وقف على أول السلم، حط إيده في جيبه وبص لهاني تحت وقال بنبرة صوت ثقيلة ورايقة تُرعب أي حد: «أنا فوق أهو يا هاني.. إيه الصوت العالي ده؟ هو إنت داخل زريبة ولا داخل عمارة فيها رجالة؟ ارفع رأسك وبصلي كدة لما تتكلم معايا!»

هاني طلع السلم درجتين درجتين وشها محمر ووراه مروة وحماتي طالعين وراه يدفوه ويشجعوه. حماتي كانت ماسكة قلبها وبتصوت بصوت واطي: «يا لهوي يا هاني، افتح راسه.. مسح بكرامة أختك الأرض عشان صينية مكرونة!»

هاني وقف على البسطة اللي بين دورنا ودور حماتي، وشاور بإصابعه في وش أحمد وقال بغل: «إنت إزاي تسمح لمراتك تهين مروة وتعايرها بالأكل؟ مروة أختك يا كابتن! لما تاخد صينية مكرونة من بيتك، دي أختك وليها حق فيك وفي بيتك! تسيب مراته ترفع صوتها على أمك وأختك وتجرسهم؟ إنت ما فيش في وشك نقطة دم؟»

في اللحظة دي، أنا ما قدرتش أمسك نفسي.. الضعف اللي كان فيا امبارح اتمسح تمامًا لما شفت جوز أخت جوزي جاي للباب شقتي يقل أدبه على جوزي ويهينني. خرجت من الشقة ووقفت جنب أحمد، وبصيت لهاني في عينه وقلت بصوت جهوري هز بير السلم: «لأ يا هاني بيه! أختك مش جاية تأخد حقها، أختك جاية تتصعلك على طعام عيالي! أختك قاعدة تحت تتدلع وتقول ضهري وجاعني ومش قادرة أطبخ، وحماتي بتوزع شقايا وتعب وقفتي في المطبخ بالساعات وتديهولها، وترميني أنا وعيالي ناكل مكرونة مسلوقة بصلصة ناشفة! إنت جاي تتشطر على أحمد؟ طب ما تنزل تشتري لمرتك أكل من المطعم بدل ما تخليها تلم بواقي بيوت إخواتها وترجع بيها بيتك؟!»

الكلام نزل على هاني زي الدبش! وشه أصفر ووقف مذهول من الجرأة والحرقة اللي بتكلم بيها. مروة شهقت وصرخت: «شايف يا هاني؟ شايف قلة أدبها؟ بتقول عليا بلم بواقي البيوت؟!» هاني اتعصب زيادة ورفع إيده وكان هيتقدم خطوة ناحيتي وهو بيزعق: «إنتِ يا ولية أنتِ تسكتي خالص بدل ما…»

قبل ما يكمل كلمته، أحمد خطى خطوة واحدة وكانت كفيلة تغطي المكان كله، مسك إيد هاني اللي كانت مرفوعة وعصرها بعنف خلى هاني يتلوي من الوجع، وبص في عينه بنظرة موت وقال وهو بيجز على سنانه وصوته واطي ومرعب: «إيدك دي لو اتفردت ناحية مراتي تاني، هكسرهالك من المفصل يا هاني! مراتي تتكلم في بيتي وعلى باب شقتي زي ما هي عايزه، والكلمة اللي قالتها صح! إنت جاي تحاسبني أنا ومراتي عشان أختك كسلانة ومش عايزه تطبخلك؟ جاية تأخد غدا عيالي عشان تريح هانم في بيتك؟ إنت لو راجل وملي هدومك، كنت سألت مرتك الأول هي جايبة صينية الأكل دي منين ومين اللي تعب فيها!»

حماتي بدأت تصوت وتلطم على خدودها: «يالهاوي يا ناس! الابن بيضرب جوز أخته على السلم! العمارة جرا فيها إيه؟ الحقونا يا ناس!» الصوت العالي خلى جيران العمارة يبدأوا يفتحوا الأبواب. عم حسنين الراجل الكبير اللي ساكن في الدور الأرضي طلع يجري على السلم، وجنبه أستاذ مجدي جارنا في الدور الثالث. عم حسنين وقف بين أحمد وهاني وقال بنبرة حازمة: «جرى إيه يا جماعة؟ صلوا على النبي! إيه الفضايح دي على السلم من على الصبح؟ في إيه يا أحمد؟ إيه اللي جابك يا هاني تصرخ وتزعق كدة؟»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى