منوعات

حب عمرها اتجوز2

ابتسم أحمد بدموع الفرح والامتنان، وأدرك أن شقيقته قد بنت إمبراطوريتها ليس فقط علىطوب من النجاح، بل على صخرة من التسامح والقوة الحقيقية التي لا تهزم أبداً.

مرت الأيام والأسابيع، وأثبت أحمد كفاءة منقطعة النظير في عمله بالشركة، حتى أصبح الذراع الأيمن لشروق وسندها الحقيقي في كل خطواتها. وفي أحد الأيام، وبينما كانت شروق تطالع بعض التقارير المالية، دخل عليها أحمد ووجوهه ممتلئة بمزيج من التوتر والقلق.
وقف أحمد أمام مكتبها وقال بصوت متردد:
* **”شروق.. أنا عارف إن الموضع ده حساس وصعب، بس لازم أقوله لك. ماما تعبانة جداً، وفي المستشفى، وحالتها الصحية متدهورة للآخر.. وكل كلمة بتنطقها وهي في السكون أو في غيبوبة متقطعة بتبقا باسمك.. بتدعي ليل نهار إنها تشوفك وتطلب منك السماح قبل ما تنام عيونها للأبد.”**
تجمدت شروق في مكانها، وشعرت بأنفاسها تضيق. أمها! المرأة التي وإن شاركت في كسر قلبها يوماً، إلا أنها تظل أمها التي حملتها والدموع التي سالت من عينيها حفرت في وجدانها. نزلت دمعة حارة على خدها، فأدركت أن قسوة القلب مهما طالت لا يمكن أن تمحو صلة الرحم في لحظات الموت والضعف الإنساني الأخير.
قالت شروق بصوت مهتز ومتحشرج:
* **”العنوان يا أحمد.. وديني ليها حالاً.”**
في إحدى المستشفيات الكبرى بالقاهرة، دخلت شروق بخطوات بطيئة ومرتجفة، كأنها تعود بالزمن إلى المكان الذي هربت منه قبل سنوات. دخلت غرفة العناية المركزة، وهناك وجدت والدها.. العجوز الذي كان يوماً جبلاً شامخاً يهددها ويقسو عليها، أصبح اليوم شبحاً منكسراً، يجلس على كرسي بجوار السرير، لحيته غطاها الشيب بالكامل، ووجهه تحفره تجاعيد الندم والقهر.
حين فتح الباب ودخلت شروق، رفع الأب بصره المكسور نحو الداخل. ما إن رأى ابنته تقفأمامه بكامل هيبتها وأناقتها، حتى سقط على ركبتيه على الأرض، وانفجر في بكاء مرير أشبه بنحيب الأطفال، وهو يزحف نحو قدميها ليقبلهما، وهو يصرخ

:
* **”شروق!.. سامحيني يا بنتي.. سامحي أبوكي اللي ظلمك وبيعك! أنا السبب في كل اللي جرى لك، أنا الكسر ضهرك، أمك بتموت يا شروق ومش هترتاح في رحيلها غير لما تسمع كلمة سماح منك.. سامحي أبوكي العجوز المكسور!”**
لم تستطع شروق تمالك نفسها أكثر من ذلك؛ سقطت على ركبتيها على أرضية المستشفى الباردة، وجذبت رأس أبيها إلى صدرها وهي تضمّه بقوة، وانخرطت في بكاء حارق غسل كل أحقاد الماضي وآلامه. قالت بصوت متهدج:
* **”مسامحاك يا بابا.. مسامحاك والله العظيم مسامحاك، قوم معايا، شد حيلك عشاني.”**
وقفت شروق وسندت أباها، ودخلا معاً إلى غرفة العناية حيث ترقد الأم على سرير الأبيض، وقد غطى جهاز التنفس الصناعي وجهها. اقتربت شروق منها، وجلست بجوارها، وأمسكت بيديها الباردتين، ووضعت رأسها قرب أذنها وقالت بصوت دافئ يغمره الحنان:

* **”ماما.. أنا جيت.. أنا شروق بنتك.. فتحي عيونك، أنا سامحتكم كلكم.. قومي عشاني.”**
فتحت الأم عينها ببطء شديد، وحين رأت ابنتها الحبيبة أمامها، لمعت عيناها بدموع الفرح والارتياح الأخير. رفعت يدها الضعيفة لتلمس وجه شروق، وابتسمت ابتسامة هادئة وشفافة، وكأن ثقلاً جبالاً أزيح عن صدرها، ثم أغمضت عينيها بسكون تام وتوقف جهاز النبض عن الحركة إعلاناً لرحيلها، وهي تطمئن أن ابنتها قد سامحتها.
صرخ الأب بانهيار، واحتضن جثمان زوجته، بينما عمت المكان موجة من الحزن العميق.
مرت أيام العزاء بثقل شديد. وقفت شروق بجوار أبيها وأخيها أحمد، تتلقى العزاء في والدتها. وفي الليلة الأخيرة بعد انصراف المعزين، كان الأب جالسًا وحيداً في صالون البيت القديم، يدير عينيه في أركان الشقة المظلمة التي أصبحت موحشة وخالية تماماً إلا من طيف الذكريات والندم.
دخلت عليه شروق بملابس سوداء تحمل كوباً من الشاي الدافئ، ووضعته أمامه بهدوء. نظر إليها والدها بعيون دامعة ومليئة بالكسرة وقال بصوت ضعيف:
* **”عارف يا بنتي إني ما استاهلش منك نظرة رضا واحدة.. وعارف إن البيت ده بقى نكد وخراب عليكي من زمان. لو عايزة تمسحينا من حياتك تاني وترجعي لحياتك وشركتك، أنا هقدر ده ومش هفتح بوقي بحرف.”**
جلست شروق أمامه على المقعد المقابل، ونظرت إليه نظرة حنونة تملؤها الرحمة والغفران، وقالت بصوت ثابت وهادئ:
* **”أنا مبعتش حد من أهلي يا بابا، والماضي مات وخلص يوم ما سامحتكم. بس في نفس الوقت، أنا حياتي بقت هناك.. شغلي، وكياني، وأحلامي التي بنيتها بدموعي. ما ينفعش أسيب كل ده وأرجع أقعد هنا، لكن… مستحيل أقطعكم تاني.”**
أخذت شروق نفساً عميقاً وأكملت قائلة بابتسامة دافئة:
* **”حضرتك هتيجي تعيش معايا في المحافظة الساحلية.. بيتي واسع، وهناك هنعيش حياة جديدة، بعيداً عن زحمة العاصمة وذكرياتها المرة. وأحمد هيكون معانا برضه.”**

اتسعت عينا الأب بصدمة ممتزجة بفرحة عارمة لم تكن تخطر على باله. لم يجد كلاماً يعبر به عن امتنانه سوى أن يجهش بالبكاء مرة أخرى، وهو يرفع يديه للسماء يدعو لها من أعماق قلبه:
* **”ربنا يعوضك بكل خير يا شروق.. ويجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطر أبوكي المكسور.”**
وبينما كانت شروق تنظر من شقة والدها إلى الشارع المظلم، أدركت أن أقسى الابتلاءات هي التي تصنع أعظم الصلابات، وأن الإنسان حين يختار أن يعفو ويصفح، فإنه لا يريح قلوب الآخرين فحسب، بل يحرر روحه من سجن الكراهية، ليبدأ حياه جديدة تليق بامرأة لم تهزمها قسوة الدنيا، بل زادتها نوراً وقوة.
هدأت العاصفة التي عصفت بحياة شروق سنوات طويلة، وانتقلت مع والدها وأخيها أحمد للعيش معها في مدينتها الساحلية الجديدة. وهناك، في ذلك البيت الواسع المطل على صفحة البحر الهادئة، بدأ الجرح القديم يلتئم تدريجياً. كان والدها يقضي أيامه بالتسبيح والاستغفار، محاولاً تعويض ما فات، وكانت شروق تمنحه من الحنان والرعاية ما ينسيه مرارة الندم، مؤكدة له دائماً أن رضا الأب والأم هو باب البركة والنجاح.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت شروق تتابع أعمال شركتها من مكتبها الفخم، دخل عليها أحمد وابتسامة غامضة ترتسم على وجهه، ومعه ملف صغير وضعه أمامها قائلاً:
* **”شروق.. في شخص بره مصمم يشوفك، وبيقول إنه مش هيتحرك من هنا غير لما تقابليه، وشكله كده بيعيش أضعاف اللي عيشناه من ندم.”**
رفعت شروق حاجبها باستغراب وقالت ببرود:
* **”مين يا أحمد؟ أنا ماليش مواعيد شخصية دلوقتي.”**
أجاب أحمد بنبرة خبيثة:

* **”عمر.. طليقك.”**
تجملت ملامح شروق بالجمود التام، ومرت في ذكرياتها تلك اللحظة القاسية التي طردها فيها ببرود، وكيف استبدلها وابن عمها دون ذنب ارتكبته. وقفت بكل ثقة وهيبة، ووضعت يدها في جيب بدلتها الرسمية الأنيقة وقالت بصوت هادئ:
* **”دخليه يا أحمد.. خليني أشوف إيه اللي جابه تاني بعد ما ضيع كل حاجة.”**
فتح الباب ودخل عمر.. لكنه لم يعد ذلك الرجل المغرور المتعجرف الذي رأته في المرة الأخيرة. كان يبدو شاحباً، غطى الشيب نصف رأسه، وملابسه المهندمة تحولت إلى مظهر بائس يعكس مدى الانهيار المالي والنفسي الذي وصل إليه بعد أن هجرته بسنت وأفلست شركاته وتراكمت عليه الديون والمشاكل من كل اتجاه.
اقترب عمر بخطوات متثاقلة، وما كاد يراها حتى سقط على ركبتيه أمام مكتبها، منهاراً في البكاء وهو يشبك يديه متوسلاً بصوت مرتعش:
* **”شروق.. أرجوكِ.. سامحيني! أنا جيت لآخر خطوة عندي.. فلوسي راحت، وبسنت هربت وسابتني مع ديوني، وما بقاش ليا حد في الدنيا غيرك.. أنتي الطيبة الوحيدة اللي عرفتها، أنقذيني يا شروق، أنا بموت كل يوم!”**
نظرت إليه شروق من علٍ، وملأت عينيها نظرة شفقة مخلوطة باحتقار بارد. أخذت نفساً عميقاً، واستندت بيديها على المكتب وقالت بصوت قوي ومستقر:
* **”تفتكر يا عمر إن الدنيا بتلف وترجع زي السينما؟ أنت جيت في يوم وقفت على رجلك وبعتني بكلمتين باردين، وقلت إنك مش هتضيع حياتك عشاني.. وأنا صدقتك ومشيت، وبنيت حياتي من ركام الدمار اللي سيبته وراك.”**
أجهش عمر بالبكاء وهو يضرب صدره بندم شديد:
* **”كنت غبي.. كنت أعمى.. ضيعت الجوهرة اللي ربنا رزقني بيها عشان طمع ونزوة.. أرجوكِ ارجعيلي، اعتبريني خادم عندك، بس متسبنيش وحدي!”**
ابتسمت شروق بسخرية لاذعة، وهزت رأسها ببطء وقالت:
* **”الخدمة مش مجالك يا عمر.. الكبرياء اللي ضيعك هو اللي هينهيك. أنا سامحتك أمام نفسي عشان أرتاح، لكن إني أرجعلك؟ دي صفحة وانطوت للأبد واستحالة تتفتح تاني. اللي يبيع الذهب عشان التراب، يستاهل يعيش وسط الرماد.”**
ثم التفتت إلى أخيها أحمد وقالت بصوت حاسم:
* **”أحمد.. نادِ الأمن يخرجوا الباشا بره، ووقتي أغلى بكتير من إن ضاع في سماع واحد باع ضميره.”**
اقترب أحمد وسحب عمر من ذراعه بقوة، بينما كان الأخير يصرخ باسمها ويسترحمها، لكن الأوان قد فات تماماً. أُخرج عمر من الشركة، وأُغلق الباب دونه للأبد.

مرت السنوات، وأصبحت شروق رمزاً كبيراً لقصة نجاح عصامية ملهمة، تُروى في كبرى المجلات الاقتصادية عن امرأة كسرتها الخيانة وطعنها الأقارب، فصنعت من رماد أحلامها إمبراطورية قائمة بذاتها.
في أحد الأمسيات الصيفية، كانت شروق تجلس على شرفة قصرها المطل على البحر، وحولها والدها المطمئن البال وأخيها السند الحقيقي، تنظر إلى الأفق البعيد حيث تغيب الشمس في البحر بهدوء وسلام. أخذت تعبر بقلبها عن حمد الشكر لمن عوضها عن كل دمعة ألم، وأدركت أن الخيانة لم تكن سوى البداية الحقيقية لقصة امرأة لم تخلق لتكون هامشاً في حياة أحد، بل كانت هي المتحدث الرسمي باسم قوتها، وعنواناً لطريق النجاة والكرامة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى