اعمال

حكايات بسمه 2

— البهارات اللي ادعيّت إن مرتك كانت بتحطها.. متسجلة بشرائها من كارت الفيزا بتاعك. والعلبة اللي اتمسكت في بيتك فيها نفس سم الأوردرات. والتسجيل بيثبت إنك سلمت مفتاح بيتك للمتهم الثالث عشان يخفي الدليل. إنت متهم بالشروع في القتل، والتزوير، والإضرار العمدي، والتستر على جريمة غسيل أموال.
جوزي وشه بقى زي الجثة، بصلي بعيون مليانة خزي وترجي وقال بصوت مكسور:
— هبة… سامحيني.. أختي والشريك هما اللي ضغطوا عليا.. قالولي دي الطريقة الوحيدة عشان نخرج من الديون ونفتح الشغل الكبير.. أنا مكانش قصدي أئذيكي!
أخته صرخت فيه:
— إنت هترميها عليا يا ندل؟! ده إنت اللي اقترحت نلبسها المشروع باسمها من أول يوم عشان لو الصنعة باظت هي اللي تشيل!
أنا وقفت بثبات، وبصيت في عين جوزي وقلت له بمنتهى القسوة والجفاف:
— أنا كنت بحسبك راجل وبيتي هو أماني.. طلعت بتبيعني بالكيلو وأنا بطبخ وبوفر من قوت بنتك.. القضاء هو اللي هيحكم بينا، وأنا مش هسيب حق سنة كاملة من عمري اتسرقت في المطبخ عشان غدركم.
القاضي أمر بحبس جوزي وأخته والشريك 15 يومًا على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد، وبرأني تمامًا من أي اتهام بصفتي مجني عليها وشاهدة إثبات.
خرجت من باب النيابة مرفوعة الراس، ورحمة جنبي ماسكة إيدي. الشمس كانت بتشرق، وحسيت لأول مرة من سنة إني بتنفس هواء نظيف. بس لما مسكت موبايلي عشان أكلم أمي وأطمنها على بنتي.. وصلني إشعار برسال جديدة على واتساب من رقم مجهول!
فتحت الرسالة، وكان مكتوب فيها:
“فاكرة إنك بكده نجيتي؟ الفلوس اللي كانت بتدخل حساب المشروع باسمك.. متسجلة في المصلحة الضرائب كأرباح غير مدفوعة بقيمة 3 مليون جنيه.. والقضية الجديدة هتكون باسمك إنتِ بصفتك المالك المسجل قانونًا.. استعدي للجولة الثانية يا هبة.”
وقفت في الشارع والشمس بتضرب في وشي، الموبايل في إيدي بيرتعش والرسالة قدامي زي الكابوس. 3 مليون جنيه ضرائب وأرباح غير مدفوعة! يعني بعد ما خرجت من قضية التسمم وبشاعة الغدر، كان فيه فخ تاني محفور تحت رجلي بأوراق رسمية ودعائم قانونية أشد قسوة.
رحمة لاحظت الوقفة، شدّت الموبايل من إيدي وقرت الرسالة، ووشها اتخطف:
— 3 مليون؟! إزاي ده؟! هما لحقوا يعملوا كل الأرباح دي في سنة؟!
قلت لها بصوت ميت، خلاص طاقاتي كانت بتتلاشى:
— هما مكانوش بيبيعوا أكل بس يا رحمة… العلب الصواني اللي كنت بعملها بشقايا كانت الغطاء، لكن الفواتير اللي بتطلع للمطاعم والشركات كانت بكتبوا فيها أرقام وهمية عشان يهرّبوا أموال أرباحهم ويغسلوا فلوس الشريك… والمستفيد والمالك على الورق هي هبة!
قعدت على الرصيف قدام النيابة، مش قادرة أتحرك. بنتي، مستقبلي، حياتي… كل حاجة بتضيع في دهاليز شغلهم القذر. لكن في اللحظة دي، رحمة وقفت قدامي وثبتت عيونها في عيني وقالت بصوت أشبه بالحديد:
— قومي يا هبة! قومي على حيلك.. اللي عدت من الموت والحريقة وقضية التسمم مش هتقع في ورقة ضرائب! هما استغلوا طيبتك طول السنة اللي فاتت، بس خلاص، هبة القديمة ماتت في المطبخ يوم ما اكتشفت الصينية.
أخدت نفس عميق، ووقفت. ورحنا فورًا لمكتب محامي كبير متخصص في القضايا المالية والضرائب، حكيت له كل حرف، من أول صينية البشاميل اللي كانت بتتزين بحبتين زيتون وردة، لحد رسالة الـ 3 مليون.
المحامي سمعني بهدوء، وبعدين ابتسم ابتسامة واثقة وطلع ملفات قدامه وقال:
— القضية دي أسهل مما تتخيلي يا مدام هبة.. لأنهم في غبائهم وطمعهم سابوا الدليل اللي يقطع رقبتهم بنفسهم.
سألته بلهفة:
— إزاي يا أستاذ؟!
قاللي:
— المحاضر الرسمية بتاعة قضية التسمم والتزوير أثبتت بالفعل إن التوقيعات على عقود الشراكة ومستندات تأسيس المشروع كانت مزورة عن طريق زوجك. وده معناه قانونًا “بطلان تأسيس المنشأة الفردية” من تاريخ إنشائها! وبما إن المنشأة باطلة بتزوير مثبت في النيابة العامة، فكل الآثار المالية والالتزامات الضريبية بتسقط فورًا عنك، وبتتحول كديون وجرائم تهرب ضريبي وتزوير في أوراق رسمية على الجناة الأصليين… يعني جوزك وأخته والشريك!
في لحظتها، المحامي قدم طعن عاجل أمام مصلحة الضرائب مرفق بحكم النيابة والاستئناف، وتم وقف أي إجراءات ضدي، وتحويل المبالغ بالكامل كقضية تهرب ضريبي كبرى ضد الثلاثي.
بعد شهرين…
كنت واقفة قدام باب المحكمة الإدارية والجنائية.
المحكمة أصدرت حكمها النهائي:
السجن المشدد 10 سنوات للزوج بتهمة التزوير والشروع في القتل والتهرب الضريبي.
السجن 7 سنوات لأخته بتهمة المشاركة والتستر.
السجن 15 سنة للشريك بتهمة إدارة شبكة غسيل أموال وإطعام مواد سامة والتهديد.
فضلاً عن إلزامهم جميعًا بتعويض مالي كبير ليا عن الأضرار المادية والنفسية وتزوير اسمي.
يوم النطق بالحكم، جوزي بصلي من ورا قضبان القفص… كان مكسور، ذليل، وهيئته تصعب على الكافر. حاول يناديني:
— هبة… عشان بنتنا… سامحيني!
بصيت له بمنتهى الثبات، ولأول مرة أحس إن قلبي فاضي تمامًا من ناحيته، لا فيه كره ولا حزن… فيه بس استغناء. لفيت وشي ومشيّت وما أديتوش حتى رد.
بعد ست شهور…
فتحت مطعم صغير حقيقي، مكان نضيف بياض جدرانه يشرح القلب، سميته “أكل هبة البيتي”. رحمة بقت شريكتي ومديرة المكان، وبنتي بقت بتيجي بعد المدرسة تقعد معايا تذاكر في المكتب.
وفي أول يوم افتتاح، وقفت في المطبخ من الفجر، عملت صينية بشاميل كبيرة، زينتها بطريقتي، وحطيت في الركن حبتين زيتون على شكل وردة… بس المرة دي، مكانتش رايحة لأخت جوزي ولا لصفحة وهمية.
كانت رايحة لأول زبون يدخل محلي الخاص… مكتوب عليه اسمي الحقيقي، بشقايا وحلالي، ومن غير ما أدفع تمن طيبتي تاني أبداً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى