روايات وقصص

متجوزه من سنتين حكايات رومانى مكرم 3

مسكت التليفون بثبات، وريحت ظهري على الكرسي في مكتبي، وقلت بصوت هادي وخالي تماماً من أي تعاطف مزيف:
— طارق جوزكوا وسندكوا يا شيرين.. مش ده الراجل اللي قلتوا عليه هيتجوز ست ستي؟ مش ده اللي وقفتوا تظيطوا لما اتهمني بالسرقة ونزلني للمحاكم؟ المستشفيات مليانة وبنوك الدم موجودة، اتصرفوا زي ما بتتصفوا في بيوت الناس.
شيرين انفجرت في البكاء بصوت أشهق وأعلى:
— وحياة أغلى ما عندك يا نادين ما تقسيش قلبك! بنك الدم في المستشفى مفيش فيه غير كيس واحد والفصيلة معقدة جداً، وطارق بيزف نزيف حاد من المعدة بسبب القهر والتفكير! أمي قاعدة برة العناية بتعيط وبتقول “أنا اللي قتلت ابني بإيدي”! طارق من يوم ما شيلتي العفش وهو مش بياكل ولا بينام، وقاعد في الشقة الفاضية على البلاط يكلم نفسه! أرجوكي تعالي اتبرعي بالدم وبعدها اعملي اللي إنتي عايزاه!

قفلت السكة في وشها من غير ما أرد. قعدت في مكتبي وحطيت راسي بين إيديا. أبويا علمني إن الإنسانية مابتقفش عند الخصومة، وإن الموت والمرض خط أحمر، بس قلبي كان متغلف بحديد بعد كل الإهانة والغدر اللي شفته.
اتصلت بأبويا وحكيت له اللي حصل. أبويا اتنهد تنهيدة طويلة وقال لي:
— يا نادين.. إحنا ما بنشمتش في المرض، ولا بنمنع نقطة دم ممكن تنقذ روح، حتى لو كانت روح خصمنا. روحي تبرعي بالدم لوجه الله تعالى، مش عشان طارق ولا عشان أهله.. عشان أصلك ونضافتك من جوة. ادخلي المستشفى اتبرعي، وتخرجي من غير ما تتكلمي مع حد ولا تسمحي لحد يستغلك.
بالفعل، أخدت إجازة ساعة من الشغل وطلعت على المستشفى. دخلت قسم ، بس قوة نفسية رهيبة.
وأنا طالعة من بنك الدم ومارّة بالصدفة قريبة من الممر، شافتني شيرين. جرت عليا وهي بتبكي  ، بس أنا سحبت نفسي منها ببرود وخطيت لورا.

حماتي كانت قاعدة على كرسي متحرك، وشتاتها متبهدل، ووشها انكمش وكبرت عشر سنين في أسبوعين. أول ما شافتني، حركت الكرسي بإيدها المترعشة وقربت مني، ودموعها نزلت على خدودها.. دموع انكسار حقيقية لأول مرة.
حماتي مسكت طرف جاكيتتي وصوتها كان مبشوح ومكسور:
— نادين.. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي اعتديت عليكي وعلى بيتك.. أنا اللي عميت عيني الغيرة والتحكم لحد ما كنت هخسر ابني الوحيد! طارق جوة بيموت بسببي.. كان يقعد يقولي “ضمرتي حياتي يا أمي.. فضيتوا بيتي وكسرتوا كرامة نادين”.. أنا السبب يا بنتي.. بالله عليكي سامحيني وما تسيبيهوش!
بصيت لحماتي وأنا شايفها على الكرسي المتحرك، مكسورة ومستنجدة بالست اللي كانت بتسميها “الموظفة المتأنعرة”. النصر ده مكنش مبهج، كان مرير، بس أثبتلي إن الحق دايماً بيبان.
قلت لها بصوت هادي جداً:

— أنا جيت واتبرعت بالدم يا حاجّة عشان ربنا، وعشان الأصول اللي أبويا مربيني عليها، مش عشانكم. طارق ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة، بس اللي اتكسر بيننا ما بيلتئمش بنقطتين دم ولا بكلمة “سامحيني”.
سبتهم ومشت، ورجعت كملت يومي. طارق عدى مرحلة الخطر بفضل ربنا ثم التبرع، وبدأ يسترد عافيته ببطء شديد على مدار الأيام اللي بعدها.
بعد أسبوعين من خروجه من المستشفى، جالي إشعار من المحامي بتاعي. طارق عمل حاجة صدمت العيلة كلها؛ قام بسحب كل البلاغات وإنذار الطاعة، وقدم للمحكمة إقرار رسمي بعدم صحة اتهامات السرقة، وأقر بجميع حقوقي المالية والشرعية بالكامل من غير أي نقصان!

مش بس كده.. في صباح يوم جمعة، جرس الباب رن عندنا في بيت أبويا. فتحت لقيت طارق واقف برة. أنا وأبويا اتفاجئنا من الحركة. طارق كمل :

— أنا استأجرت شقة ثانية لأمي وشيرين بعيد عن العمارة، وأمي اقتنعت وعرفت غلطها، وحلفت مش هتدخل في حياتنا تاني نهائياً ولا تحط رجلها في بيتنا إلا بطلبك وإذنك. أنا بعت أمي وأختي الحدود اللي كان لازم تتبني من سنتين، وعرفت إن طاعتي لأمي مش معناها إني أظلم مراتي وأهين كرامتها.
ساد الصمت في الصالة، طارق رفع عينه في عيني وقالي بنبرة فيها رجاء وألم:
— نادين.. أنا فضيت الشقة بإيدي عشان أثبتلك إني مستعد أبدأ معاكي من الصفر، على البلاط.. شقتنا ملكك، وكرامتك فوق رأسي ورأس أي حد في عيلتي. أنا غلطت وتوهمت، والدرس كان قاسي وأكل من صحتي وعمري.. فهل فيه فرصة أصلح اللي هدمته، ولا الحساب بيننا اتقفل خلاص؟
الجزء السابع والأخير

عم الصمت أرجاء الصالة، وكان صوت أنفاسي وأنفاس أبويا هو الوحيد اللي بيشق السكون. العرض اللي قدمه طارق مكنش سهل؛ الشقة اتكتبت باسمي، حدود صارمة مع أهله، اعتذار رسمي ورد اعتبار قدام الناس كلها، وتنازل كامل عن كل القضايا والادعاءات الباطلة. طارق كان قاعد قبالي، وشه شاحب وعينيه مليانة انكسار ورجاء، مستني مني الكلمة اللي هتحدد مسار حياته وحياتي.
أبويا بص للوثيقة اللي على الترابيزة، وبعدين بص لطارق وقال بصوت هادي ورزين:
— اللي عملته ده يا طارق هو عين العقل، والرجوع للحق فضيلة. إنت ردّيت كرامة بنتي، ونضفت اسمك واسم عيلتك من العيب والافتراء اللي كان هيوصمكم طول العمر. بس الشقة والفلوس عمرهم ما كانوا ثمن لكرامة بنتي، إحنا نادين عندنا بالدنيا، وما يشتريهاش عقار ولا عقد. القرار في الأول والأخر يرجع لنادين نفسها، هي صاحب الشأن وهي اللي تقرر تقدر تكمل مع راجل سابها للرياح في أول اختبار، ولا الصفحة دي انطوت خلاص.

أنا قمت وقفت من مكاني، قربت من الترابيزة، ومسكت عقد الملكية اللي كتبه باسمي.. وبعدين حطيته قدامه بهدوء. بصيت لطارق بثبات وقوة حسيت بيها لأول مرة في حياتي، وقلت له بصوت واضح وواثق:
— طارق.. الشقة دي أنا مش عايزاها، ومش هقبل أخد حاجة مش من شقايا. إحساسي بالأمان معاك اتهز، والأمان بالنسبة للست أهم مليون مرة من الشقق والعقارات والفلوس. إنت لما اتخليت عني وسيبت أهلك يدوسوا على كرامتي ويشوهوا سمعتي، قتلت جوايا حاجة حلوة كانت بتجمعنا.

طارق اتنفض من مكانه ودموعه نزلت:
— نادين! أنا اتعلمت الدرس، والله العظيم اتعلمت! أقسم بالله ما حد هيقدر يمس طرفك بكلمة بعد النهاردة! أنا وقفت لأمي وأختي وعرفتهم حدودهم، والبيت ده بيتك وإنتي الآمرة الناهية فيه!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع متغلف برضا، وقلت:
— الدرس إنت اتعلمته يا طارق، وده شيء جميل عشان حياتك اللي جاية.. بس اتعلمته بعد ما الفأس وقعت في الرأس، بعد ما كرامتي اتذبحت على باب بيتي، وبعد ما شفت منك إنذار الطاعة وتهمة السرقة. نقط الدم اللي اتبرعت لك بيها في المستشفى كانت لوجه الله وتأدية أصل، وعشان أثبت لنفسي وللقلوب المريضة إن أهلي ربوني على الأصول والنظافة. لكن مش معنى إني أنقذت حياتك، إني أرجع أعيشها معاك بنفس الخوف.
طارق مسك رأسه بإيديه وقعد على الكرسي وهو بيبكي بحرقة:

— يعني خلاص يا نادين؟ مفيش أمل؟ السنتين الحلوين يتمسحوا كده؟
— السنتين الحلوين اتعلمنا منهم، وكل واحد فينا هيعيش على ذكرى الجزء الحلو منهم.. أنا مش حاقدة عليك، وبدعيلك من قلبي بالشفاء وصحة البدن، بس أنا مستحيل أرجع لبيت كنت فيه المتهمة والمجرمة لمجرد إني حافظت على صحتي وكرامتي. ورقتي توصلني يا طارق، وكل واحد يروح لحاله بالمعروف، زي ما بدأنا بالمعروف.
طارق عرف إن القرار حاسم ومفيش فيه رجعة، إن الست لما بتنكسر كرامتها وتوصل لمرحلة الاستغناء، مفيش أي مال أو اعتذار متأخر يقدر يرجعها. قفل الشنطة، أخد أوراقه، وخرج من البيت وهو مجرور الخيبة والندم، بعد ما خسر الزوجة الصالحة، المخلصة، اللي كانت صايناه وشايلاه بعينيها.

مرت الأيام والشهور.. تم الطلاق بالمعروف، وكل واحد أخد حقه الشرعي والقانوني. أنا ركزت في شغلي، وربنا فتحها عليا أكتر وأكتر، ترقيت في شغلي وأخدت منصب أكبر، وجمعت قرشين على قرشيني واشتريت شقتي الخاصة بي ومن مالي الحر، وبنيت حياتي على أساس صلب من الاستقلالية والكرامة.
أما طارق، ففضل عايش في شقته الفاضية لفترة طويلة، بيحاول يسترد صحته ونفسيته. حماتي أدركت بعد فوات الأوان إن غيرتها وتحكماتها وتدخلها العنيف في حياة ابنها ما جابش غير الخراب، خصرت ابنها اللي بقى عايش معاها بجسده بس مقاطعها بقلبه، وشافت بعينيها إن “كنة الأصول” اللي رفضت تخدمها تحت المذلة، هي الوحيدة اللي جرت وتبرعت بدمها لابنها في لحظة الموت.
الحكمة من القصة:
* البيوت تُبنى على الحدود قبل المودة: المودة والرحمة لا يمكن أن تزدهرا في بيئة مستباحة؛ الحدود.
* الكرامة خط أحمر: التنازل عن الكرامة تحت مسمى “تفتيت المشاكل” أو “عشانا” لا يجلب الاحترام، بل يدعو للمزيد من الاستبداد. من لا يحترم نفسه وكرامته وحقوقه، لن يحترمه الآخرون.
* المال استقلالية وحماية: عمل المرأة واستقلالها المادي ليس للتباهي أو الفخر، بل هو درع وسند يقيم أودها ويحميها من الانكسار والابتزاز في لحظات الضعف والتخلي.

* البر لا يعني : طاعة الوالدين وبرهما فرض وركن أصيل، لكن الطاعة لا تعني القبول بظلم الزوجة أو إهانتها. الرجل الحقيقي هو من يوازن بين بر أمه دون أن يظلم زوجته، ويحمي بيته بعقل وحكمة ودون إجحاف.
* الندم المتأخر لا يصلح الزجاج المكسور: الاعتذار والتراجع قيم نَبيلة، لكنها إذا جاءت بعد دهس الكرامة واستخدام الأساليب الرخيصة، قد تداوي الجراح ولكنها لا تعيد الثقة أبداً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى