
نزلت جِري في الشارع زي المجنونة، حافية القدمين، طرحتها مسحوبة على كتافها، وصرختها شاقة الحتة كلها.. صرخة مش طالعة من زلمكتها، صرخة طالعة من جدر قلبها المذبوح. كانت بتجري والشارع يتفرج عليها، وأنا واقفة في البلكونة بتهز من فوق، وبقول لنفسي: “بكرة تهدى.. بكرة تفهم إن أمها كانت خايفة على مصلحتها وعايزة تسترها.”
وصلت بيت طليقها، وكانت المنطقة هناك عارفة اللي بيننا. طرقت على الباب بكل قوتها، بتضرب بكتفها وإيديها الاتنين كأنها عايزة تهد البيت على اللي فيه. اتفتح الباب، وطلعت لها حماتها السابقة، وبصت لها بنظرة شفاء وغل، وقالت لها: “جاية ليه يا خادمة؟ عايزة ابنك؟ الولد خلاص بقى في حجر أبوه وفي بيت ستك، ومفيش رجوع، وجوزك القديم قال كلمته.. رجلك لو عتبت العتبة دي هتنكسر.”
بنتي ما استسلمتش، مسكت في أكرة الباب وصرخت: “رجعيلي ابني يا ظلمة! ده حتة مني، أنا اللي شيلت وكبرت وشفت المر عشان أكله لقمة!”
خرج طليقها من جوه، وبدل ما يحن أو يراعي حتة اللحمة اللي بين إيديه، زقها بقسوة ورمى الشنطة الصغيرة اللي كان فيها هدوم الولد في الشارع وقال لها: “ابنك مش هيتربى في بيت راجل غريب، وقسمًا بالله لو لمحنا طيفك في الشارع ده تاني، لأرفع عليكي قضية ولا أوريكي وشه لحد ما يكبر!”
جارة من الجيران اتجمعت على الصوت، والناس بدأت تتفرج، وبنتي مرمية على الأرض وسط الشارع بتصرخ وتستعطفهم، والولد جوه بيصرخ بصوت مكتوم وبيقول “يا ماما.. يا ماما!”.. الصوت ده بالذات كان السكين اللي انغرس في قلبها وما طلعش.
رجعت البيت مع المغربية.. ما كانتش بنتي اللي خرجت الصبح. كانت عبارة عن خيال، جثة ماشية على إيدين ورجلين، عينيها مطفية كأن الحياة انقطعت منها للابد. دخلت من الباب، ما بصتليش، ما عاتبتنيش، ولا حتى صرخت في وشي.. السكوت ده كان أصعب من ألف ضربة.
حاولت أقرب منها، ومسكت دراعها وقولت لها بصوت بيترعش: “يا بنتي افهمي، أنا أمتك، أنا عايزاكي تعيشي زي البنات، العريس جاي بالليل و…”
لفت لي ببطء شديد، وبصت في عيني ونظرتها كانت جثة هامدة، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنه جاي من القبر: “أنتي مش أمي.. أنتي بعتيني وبعتي ضنايا عشان لقمة وعشان راجل.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة، ربنا ما يسامحك ولا يغفر لك اللي عملتيه فيا.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “ربنا ما يسامحك”.
في نفس الليلة، العريس جاء هو وأهله. قعدوا في الصالون، وأنا دخلت عشان أطلعها تقابلهم.. لقيت الأوضة مقفولة من جوه. خبطت بكل قوتي، أصلح، أترجى، أصرخ.. مفيش أي صوت طالع من جوه.
خفت.. العرق بدأ ينزل مني وساقية الخوف دارت في دماغي. ناديت على الجيران، وبمساعدة شابين من الشارع كسرنا الباب..
واللي شفته جوه، هو الكابوس اللي هيلاحقني لحد ما أتنقل لتربتي…
أول ما الباب انكسر واتفتح، وقعت عيني على منظر طيّر العقل من رأسي. بنتي كانت واقعة على الأرض جنب السرير، غرقانة في دمها، وإيدها نازفة بعد ما قطعت شرايين إيدها بأزازة شباك مكسورة. الأوضة كلها كانت عبارة عن بركة دم، وجنبها على السرير كانت شايالة لعبة ابنها الصغيرة ومتبتة فيها بصباعين كأنها ماسكة في أمل أخير قبل ما تروح في الغيبوبة.
الصوت هرب مني، ملقتش حنجرة أصرخ بيها، الجيران صرخوا وأميالي طارت، الشابين اللي كسروا الباب شالوها في ثواني وجريوا بيها على الشارع، وأنا ماشية وراهم زي المجذوبة، حافية وبقع الدم ملطخة هدومي ومفيش في لساني غير كلمة واحدة بكررها زي الهبلة: “يا رب لا.. يا رب خدني أنا وسيبها هي.. يا رب متحرمنيش منها.”
وصلنا المستشفى العام، والدكاترة أول ما شافوا المنظر اتخضوا وأخدوها جري على غرفة الطوارئ والعمليات. قعدت برة على البلاط البارد، الساعات كانت بتعدي عليا كأنها دهور، كل ثانية بتمر وأنا شايف شريط حياتها بيمر قدام عيني.. افتكرت لما كانت طفلة صغيرة بتجري في حضني، افتكرت لما كانت تبكي وتترجاني عشان أرحمها من جوزها، وافتكرت الكلمة الأخيرة اللي قالتها لي وهي بتبصلي بكسرة: “أنتي مش أمي.. ربنا ما يسامحك.” الكلمة دي كانت بتاكل في قلبي زي النار، كنت بحس إن كل نبضة في قلبي بتدعي عليا بالخراب.
العريس وأهله أول ما عرفوا باللي حصل في البيت مشيوا وسابوا الشقة وما حدش منهم فكر يسأل، وأنا بقيت لوحدي في طرقات المستشفى، لا معايا قرش يسندني ولا معايا حد يقف جنبي، والندم بياكل في عظمي.
بعد أكتر من خمس ساعات، خرج الدكتور ووشه مشرد ومجهد. جريت عليه ومسكت في جزمة بالشرار اللي في عيني: “بنتي حية يا دكتور؟ قولي إنها عايشة والنبي!”
الدكتور بصل أسف وقال لي: “إحنا لحقناها بالعافية، الدم اللي نزفته كان كتير جداً وقلبها وقف مرتين في العمليات ورجعناه بالصدمات.. هي حالياً في العناية المركزة وتحت الملاحظة الشديدة، لكن الجرح النفسي والنزيف أثروا على جسمها جامد، وادعيلها تعدي الـ 24 ساعة الجايين دول على خير لأن مخها ممكن يكون اتأثر بنقص الأكسجين.”
الدنيا اسودت في عيني، قعدت على الأرض ألطم على وشي وأبكي بكل قسوة الدنيا. كنت بعيط مش بس على بنتي، كنت بعيط على خيبتي وعلى القسوة اللي ملت قلبي، عشان طمعت في قرشين ولا خفت من مصاريف عيل صغير، قمت بعت بنتي ورميت ضناها في النار.
عدت ليلة العناية وكأنها قيامة مصغرة. كنت بصلي على البلاط وأمرغ وشي في التراب وأبكي لربنا: “يارب قومها لي وأنا والله لأمشي ألم الزبالة من الشوارع وأصرف عليها وعلى ابنها، بس متحرمنيش منها.”
تاني يوم الضهر، سمحوا لي أدخل ألمس إيدها لدقيقة واحدة. دخلت غطسانه في الخرطوم والمحاليل، أجهزة القلب بتزمر جنب رأسها وصوت النبض ضعيف وبطيء. مسكت إيدها الباردة والمربوطة بالشاش، وبستها مليون مرة وأنا ببكي وبقولها: “سامحيني يا بنتي.. والله العظيم هجيبلك ابنك من تحت الأرض، والله هجيبهولك بس افتحي عينيكي ورجعيلي روحك.”
ولما بدأت تفوق بعد يومين، فتحت عينيها ببطء شديد. بصت في السقف، وبعدين لفت رأسها وبصت لي.. كنت مستنية أسمع صوتها، مستنية تعاتبني، تصرخ فيا، تشتمني.. بس اللي حصل كان أصعب وأقسى من الطعن بالسكات.
بنتي بصت لي بنظرة فاضية تماماً.. عينها مكنش فيها أي معالم للشناعة ولا الغضب ولا الحزن.. عين مطفية زي الجثة. سألتها بصوت بيترعش: “حمد الله على سلامتك يا ضنايا.. حاسة بإيه؟”
بنتي بصت لي وشفايفها اتحركت بصوت واطي ومتقطع وقالت لي: “أنتي مين؟”
الدنيا دارت بيا ووقعت على الأرض. الدكتور جه يجري وكشف عليها، واكتشفنا إن الصدمة النفسية الشديدة مع نقص الأكسجين وقت النزيف سببوا لها فقدان ذاكرة جزئي وحالة ذهول وصدمة نفسية حادة (Stupور).. بنتي نسيت كل حاجة، نسيت اسمها، نسيتني أنا شخصياً.. بس الغريبة العجيبة إن المكان الوحيد اللي ما اتمسحش من عقلها هو اسم ابنها!
بقت تقعد على السرير طول اليوم، مش بتتكلم مع حد، ومش عارفة أنا مين، بس إيدها على طول مضمومة على صدرها وبلسان أبهت من العافية تفضل تكرر طول الليل والنهار: “محمد.. فين محمد؟ هاتيلي محمد يا أبلة.. ابنك فين يا محمد؟”
المنظر ده دمرني كلياً. بقيت أشوفها بتموت قدام عيني كل يوم ألف مرة. الدكتور قال لي: “حالتها النفسية هي اللي مأثرة على ذاكرتها، وممكن ترجع لطبيعتها لو حست بالأمان، أو لو شافت الحجم الأساسي للصدمة.. يعني لو ابنها رجع لحضنها، ده ممكن يكون العلاج الوحيد اللي يرد لها عقلها وروحها، ولو فضلت كده، حالتها هتتدهور وقد تروح منا للأبد.”
خرجت من المستشفى زي المجنونة، مكنش قدامي غير حل واحد.. إني أروح أترجى الندل طليقها وعيلته، أوسخ جزمهم، أقبل رج رجليهم عشان يرجعوا الولد لأمه قبل ما تموت وتفارق الدنيا.
طلعت يجري على بيتهم، دخلت الشارع وأنا حاسة إن خطوتي تقيلة زي الجبل. خبطت على الباب، وفتحت لي أمه تاني. أول ما شافتني بصت لي بقرف وقالت: “إيه اللي جابك تاني يا ولية أنتي؟ مش قولنا مفيش عيال؟”
نزلت على ركبي في الشارع قدام الباب، قدام الناس رايحة وجاية، ومسكت في طرف جلابيتها وأنا ببكي بكاء هستيري: “أبوس إيديكي ورجليكي.. بنتي بتموت في المستشفى، بنتي قطعت شرايينها ودماغها طارت! رجعوا لها الولد لو لساعة واحدة تشوفه عشان تفوق، ارحموا عزيز قوم ذل!”
خرج طليقها على الصوت، وبص لي بمنتهى البرود والقسوة، وحط إيده في جيبه وقال لي كلمة نزلت على دماغي زي المرزبة: “بنتك اتجننت؟ دي مش مشكلتنا، والولد خلاص ملوش أم، إحنا كتبنا الورق وبنجهز أوراقه عشان نمنعها تلمحه طول عمرها.. ولو ما مشيتيش من هنا حالا هطلبلك البوليس يرميكي في السجن بتهمة التهجم!”
وفي اللحظة دي، سمعت صوت الولد الصغير من جوه البيت وهو بيصرخ ويبكي: “تيتا.. عايز ماما! هاتوا ماما!”
طليقها لف وزعق جوه بصوت مرعب: “أقفل الباب ده وسكته!” وقام زقني برجله وقفل الباب في وشي بقوة طيرت عمامتي على الأرض.
قمت من على الأرض وأنا مش شايفة قدامي من الدموع والغضب.. الدم غلي في عروقي وبقت الدنيا اسود من الليل في عيني. وعرفت إن التوسل والرجاء مع الأندال دول مش هيجيب نتيجة، وإن أنا اللي دمرت حياة بنتي بجهلي وقسوتي، وأنا الوحيدة اللي لازم أصلح ده.. حتى لو كان الثمن إني أرتكب جناية وأروح فيها ورا الشمس!