عام

ابنى حكايات زهره 3

حازم ضحك بدموع وقال: “من عيوني يا ست الكل.. من عيوني يا أغلى حاجة في دنيتي.”
قفلت السكة وأنا باصة للسما، عارفة إن ربنا ما بيبقاش حد مظلوم، وإن السحر ينقلب دايماً على الساحر.. بس القصة لسه ليها فصل أخير.. فصل مواجهة عبد السميع من وراء القضبان ورؤية النهاية المحتومة لكل طماع!

مرت عدة أسابيع، وكانت الأمور بدأت تأخذ مجراها الطبيعي والعدل يرسم ملامح الحياة الجديدة. حازم كان ينزل الموقع من الساعة السابعة صباحاً، يرتدي الخوذة ويقف وسط العمال والشمس تلفح وجهه، يعرق ويشقى ويتعلم من جديد معنى “القرش الحلال”. لم ينطق بكلمة اعتراض واحدة، بل كان يرى في هذا التعب غسيلاً لذنبه وتكفيراً عن لحظة الغفلة التي أهان فيها أمه.
وفي صباح يوم أحد، اتصل بي الأستاذ هشام المحامي وأخبرني أن موعد جلسة المحاكمة النهائية لعبد السميع قد تحدد، وأن النيابة طلبت شهادتي وشهادة حازم بخصوص الكمبيالات القديمة وإقرار التزوير.
ذهبت إلى المحكمة مرفوعة الراس، أرتدي ثياباً أنيقة تعكس العزة والكرامة التي استرددتها بشرف. وحازم كان يسير بجانبي يحيطني بحمايته واهتمامه، يمسك بيدي عند كل درجة سلم كي لا يتألم ظهري.
عندما دخلنا قاعة المحكمة، رأيت عبد السميع قابعاً خلف القفص الحديدي. كان منظره يثير الشفقة والاعتبار؛ ملابسه متسخة، وجهه شاحب، وشعره أبيض ومكفهر. لم يتبقَ من نبرة الاستعلاء والغرور التي كانت لديه على طاولة العشاء أي أثر. إلى جواره كانت تقف ميرفت عند حافة القاعة، تبدو أكبر بعشر سنوات، ترتدي عباءة بالية وتنظر إليّ بعيون ملؤها الخوف والرجاء.
أُعلنت الجلسة، ونادى القاضي على القضايا المتهم فيها عبد السميع: تزوير، شيك على بياض، استغلال غفلة، وإحياء ديون وكمبيالات قديمة ثابته في حقه.
صعدت إلى منصة الشهادة، وبصوت هادئ وثابت سردت للقاضي الحقيقة كاملة: سنين الشقاء، هربه ورهنه للشقة، شقائي على ابني، ثم ظهوره المفاجئ ليصطاد ابنه ويستغله في ديون القمار. لم أزد حرفاً ولم أنقص حرفاً، بل تركت العدالة تتكلم.
ثم وقف حازم أمام القاضي وقال بصوت مكسور ولكن صادق:
“سيدي القاضي.. هذا الرجل أبي بالاسم، ولكنه حاول السعي في إخراب بيتي ودخلي بعدما سرق شباب أمي. أنا أقر بجميع المستندات التي قدمتها أمي، وأطلب إعمال القانون.”
نزل عبد السميع على ركبتيه داخل القفص وصرح بصوت مبحوح:
“سامحيني يا منال! سامحني يا حازم يا ابني! أنا غلطان.. الدنيا جت عليا!”
نظرت إليه من خلف القضبان وقلت له بصوت سمعته القاعة كلها:
“الدنيا ما جتش عليك يا عبد السميع.. أنت اللي جيت على نفسك وعلى ابنك. يوم ما قعدت على ترابيزة العشا وحسبت لي ألفين جنيه وقلت لي روحي في البيت الطين، ربنا كان شايفك وسامعك. الحسبة اتعادت يا عبد السميع.. وده تمن حسبتك!”
استمع القاضي إلى المداولة، ثم خرج بالنطق بالحق:
“حكمت المحكمة حضورياً على المتهم عبد السميع المشدد لمدة سبع سنوات مع الشغل والنفاذ، وإلزامه بسداد كافة المبالغ والتعويضات المستحقة.”
ضجت القاعة، وسقطت ميرفت على الأرض تبكي وتصرخ، بينما اقتاد الحرّاس عبد السميع وهو يجر أذيال الخيبة والندم متوجهاً إلى سجنه ليقضي فيه ما بقي من عمره.
خرجت من باب المحكمة إلى ساحة الشمس الشارقة، وأنا أشعر أن رأسي يلمس السحاب. لم تكن الفلوس هي التي رفعتني، بل رفعتني كرامتي ودعوة المظلوم التي لا بينها وبين الله حجاب.
قرب حازم مني، ومسك يدي وقبلها بحرارة وقال:
“مبروك يا أمي.. مبروك رجوع الحق لأصحابه.”
ابتسمت له ونظرت في عينيه بثقة وقلت:

“مبروك عليك أنت يا حازم.. مبروك عليك إنك فقت ورجعت لربك ولأمك قبل ما الفأس تقع في الرأس بجد.”
ومن ذلك اليوم، تغيرت حياتنا تماماً. حازم أثبت كفاءته في العمل وترقى بمجهوده وعرقه حتى أصبح مديراً تنفيذياً في إحدى قطاعات الشركة، تزوج بعد فترة من إنسانة طيبة تخاف الله وتعرف قدر الكبير، وعاشا معي في فيلا واسعة ملأها صخب أحفادي. أما أنا، فخصصت جزءاً كبيراً من مبلغ الـ 40 مليون جنيه لإقامة مؤسسة خيرية تكفل الأمهات المعيلات والأرامل اللاتي يصارعن الزمن لتربية أبنائهن، كي لا تضطر أمٌ بعدي أن تمد يدها أو تُهان.
الحكمـــة من القصــــة:
* دعوة المظلوم وشرارة العدل الإلهي: لا يستطيع أحد أن يظلم أمه أو يستهين بعرقها وشقائها ويظن أن الدنيا ستضحك له. يمهل الله الظالم، ولكن إذا أخذَه، لم يفلِته.
* البر ليس منة، بل دين واستراد كرامة: الأبناء الذين يحسبون بر أمهاتهم بالورقة والقلم أو يقدمون لهن “الفتات” بعدما صبت الأم أصل عمرها في نجاحهم، هم أول الخاسرين. فالأم هي السبب في كل ما وصل إليه الابن، ورضاها هو باب الرزق والبركة الوحيد.
* المال لا يصنع الكرامة، بل الكرامة هي من تجلب القيمة للمال: الأربعون مليون جنيه لم تكن سوى أداة كشفت معادن الناس؛ أظهرت طمع الطماعين وأعادت الحق لنصابه، لكن القوة الحقيقية كانت في استغناء الأم وشموخها ورفضها للإهانة.
* من يبيع أصله من أجل الطمع يخسر كل شيء: طمع عبد السميع وميرفت ونفاق شيماء أدى بهم جميعاً إلى القاع؛ فالبيت الذي يُبنى على باطل ونفاق لا بد أن ينهدم على رؤوس أصحابه.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى