
كان صدى صوت باب مكتب شروق وهو يُغلق في وجه عمر يتردد في أرجاء الممر الفخم، وكأنه مطرقة تهوي على كل غروره وتكسر ما تبقى من كبريائه الوهمي. وقف مذهولاً، عاجزاً عن النطق، بينما اقترب منه فردا الأمن بخشونة وقالا بلهجة حاسمة:
* **”اتفضل يا فندم بره، ممنوع إزعاج المديرة أو تعطيل العمل.”**
سحب عمر نفسه بخطوات متثاقلة، وكأن روحه قد نزعت منه. خرج إلى الشارع والشمس تميل للغروب، وركب سيارته وهو يرتجف. طوال طريق العودة إلى القاهرة، كانت كلمات شروق ونظرات التي رمتها به تحفر في عقله كالنار. وحين وصل إلى شقته، استقبله صرخات بسنت المتصاعدة التي كانت تندب حظها وتعاتبه لغيابه الطويل وتجاهله لطلبات ابنها. لم يعد عمر يستطيع التحمل؛ صرخ فيها بصوت هز أرجاء :
* **”اكفينا شر صمتك بقى! أنتي السبب في كل اللي أنا فيه! أنتي خربتي بيتي وبوعودك الكذابة دمرتي حياتي!”**
ردت بسنت بسخرية لاذعة وهي تجمع ملابسها:
* **”أنا اللي دمرتك؟ إنت اللي ضعيف وما تستاهلش راجل يشيل مسؤولية! أنا ماشية لبيت أهلي، وورقة طلاقي توصلي هناك فوراً!”**
وتركت له الشقة خاوية تماماً كما تركت شروق يوماً ما، ليجد عمر نفسه وحيداً، غارقاً في ديون متراكمة ومصانع وهمية وندم قاتل لا ينفع معه عتب.
وفي المحافظة الساحلية، بعيداً عن صخب الماضي وعذاباته، كانت شروق تجلس خلف مكتبها الوثير تراجع تقارير الأرباح وتوقع عقود شراكة جديدة مع كبريات الشركات. رغم قمة النجاح التي وصلت إليها، إلا أن قلبها لم يسلم تماماً من ندوب الجرح القديم. وفي أحد الأيام، وبينما كانت تتابع ملفات الموظفين الجدد المتقدمين لوظائف الإدارة العليا في فرع الشركة الرئيسي، لفت انتباهها اسم مألوف جداً في السيرة الذاتية لأحد المتقدمين: **”أحمد محمود السوهاجي”**.
دق قلب شروق بسرعة؛ أحمد.. شقيقها الأصغر الذي كان طفلاً صغيراً يوم طردها أبوها من البيت. تذكرت وجهه البريء وهو يلوح لها بدموع خفية في ذلك اليوم الأسود. تواصلت مع قسم الموارد البشرية وطلبت حضور أحمد للمقابلة فوراً دون أن تخبر أحداً بهويتها الحقيقية.
في صباح اليوم التالي، دخل أحمد غرفة الاجتماعات بخطوات مرتعشة وعيناه تملؤهما علامات الإرهاق وضيق الحال. كان واضحاً أن ظروف الحياة قد قست عليه كثيراً بعد سنوات الجامعة. نظرت إليه شروق من خلف نظارتها الطبية، وحاولت قدر الإمكان كبح دموعها التي هددت بالنزول لرؤية أخيها الصغير وقد كبر وانحنت أنفاسه تحت وطأة الهموم.
قالت شروق بصوت هادئ ورسمي تماماً:
* **”أهلاً يا أحمد.. قرأت سيرتك الذاتية جيداً، مؤهلاتك ممتازة، لكن قل لي.. لماذا اخترت شركتنا بالذات وأنت تعلم أننا مقرنا هنا بعيد عن العاصمة؟”**
رفع أحمد رأسه ونظر إليها بابتسامة حزينة وقال بصوت خافت يملؤه الندم:
* **”بصراحة يا فندم.. أنا كنت محتاج أبعد عن العاصمة وكل الذكريات المريرة اللي فيها. أهلي.. أقصد والدي ووالدتي تسببا في ظلم كبيرة لأختي الكبيرة شروق، ومن يوم ما مشيت والبيت كله دخل في دوامة من المشاكل والانهيار. أبويا ندم بعد فوات الأوان، وأنا كنت بدور على بداية جديدة، مكان أقدر أثبت فيه نفسي وأصلح جزء من الغلط اللي حصل لأسرتنا.”**
لم تستطع شروق تمالك نفسها أكثر من ذلك؛ نزعت نظارتها ووضعت يديها على مكتبها، وتأملت وجهه بدموع غلت في عينيها وقالت بصوت متهدج:
* **”أنت لسه فاكر شروق يا أحمد؟”**
تجمد أحمد في مكانه، واتسعت عيناه غير مصدق لما يسمعه. دقق النظر في ملامح تلك السيدة الناجحة، ليتفاجئ بتفاصيل الوجه الذي طالما بحث عنه في أحلامه. سقطت القلم من يده وقفز من مقعده صارخاً بصوت مهتز:
* **”شروق؟! أختي.. مستحيل! إنتي شروق بجد؟!”**
لم تنتظر شروق طويلاً، وقفت من خلف مكتبها وركضت نحوه لتضمه إلى صدرها بقوة، وانفجر الاثنان في بكاء طويل وموجع أفرغ سنوات من الحنين والقهر والبعد.
بعد أن هدأت الامور قليلاً وجلس أحمد في مكتبها يمسح دموعه، سألته بقلق:
* **”طمني يا أحمد.. بابا وماما عاملين إيه؟ وأخويا وأهل البيت أخبارهم إيه بعد كل السنين دي؟”**
أخذ أحمد نفساً عميقاً وقال بمرارة:
* **”بابا اتغير 180 درجة يا شروق.. من يوم ما مشيتي والبيت بقى مأتم. صحته تدهورت وحالته النفسية بقت في الحضيض، وكل يوم بيعدي كان بيندم على كلمته القاسية ليكي، وخاصة بعد ما عرفنا حقيقة عمر وبسنت وإنهم دمروا حياتك بتبطا وتواطؤ مننا. وماما طول الوقت بتعيط وتدعي إنها تشوفك عشان تطلب منك السماح.. إحنا ادفعنا تمن قسوتنا غالي قوي يا شروق، أغلى بكتير ما كنا نتصور.”**
نظرت شروق إلى أخيها طويلاً، وشعرت بصراع داخلي عنيف يدور في قلبها. رغم كل الجروح والطعنات، إلا أن صلة الرحم وظل العائلة ظل يراودها. هل تفتح صفحة جديدة وتعفو عمن ظلموها، أم تستمر في قطيعتهم جزاءً بما اقترتفوه؟
قالت شروق بجدية تامة وقرار حاسم:
* **”أنا سامحتكم يا أحمد.. سامحتكم من زمان، لأن الكراهية ثقيلة ومش هقدر أشيلها طول عمري. بس رجوعي ليكم أو زيارتكم دي خطوة تانية خالص.. خليني أفكر، وأنت من النهاردة مش مجرد موظف عندي، أنت سندي اللي ربنا عوضني بيه في دنياي الجديدة.”**



